أدب وفنون

أحداث سبتة تضع “وظيفة الفن” في الاختبار.. واكريم: الدعم العمومي كَرَّس الرقابة الذاتية للمبدع المغربي

أعاد الصمت الذي طبع مواقف أغلب الفنانين المغاربة إزاء الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة، إلى واجهة النقاش أسئلة قديمة تتعلق بوظيفة الفن داخل المجتمع، وحدود مسؤولية الفنان في التفاعل مع القضايا الوطنية والاجتماعية التي تستأثر باهتمام الرأي العام.

وفي الوقت الذي تصدرت فيه صور مئات الشباب وهم يحاولون بلوغ سبتة المحتلة سباحة أو عبر وسائل محفوفة بالمخاطر واجهات وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ظل المشهد الفني المغربي، في معظمه، بعيدا عن التفاعل العلني مع هذه الوقائع، باستثناء مواقف محدودة لم ترتق إلى مستوى النقاش العمومي الذي أثارته القضية داخل الأوساط الحقوقية والسياسية والإعلامية.

ولم يقتصر الجدل هذه المرة على غياب المواقف الفردية، بل امتد إلى مساءلة الدور الذي يفترض أن تضطلع به النخب الثقافية والفنية في اللحظات المفصلية. فالفنان -في نظر عدد من المتابعين- لا يختزل حضوره في الإنتاج الفني فقط، وإنما يمثل أيضا صوتا اجتماعيا يمتلك قدرة رمزية على قراءة التحولات التي يعيشها المجتمع، وإثارة الأسئلة التي قد تعجز السياسة عن طرحها أو الإجابة عنها.

وفي هذا السياق، يرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم، أن الفنان الحقيقي لا يمكن أن يظل محايدا أمام قضايا وطنه ومشاكل مجتمعه، معتبرا أن مسؤوليته لا تقتصر على التعبير عن هذه القضايا داخل الأعمال الفنية، بل تمتد أيضا إلى إعلان موقفه منها في الفضاء العمومي.

وأكد واكريم، في تصريح لـ”العمق”، أن هذا الموقف لا ينبغي أن يكون نسخة من خطاب السياسيين أو امتدادا له، لأن للفنان -بحسب تقديره- وظيفة مختلفة تنطلق من حسه الإنساني واستقلاليته الفكرية، وليس من الحسابات السياسية أو الاصطفافات الظرفية، معتبرا أن الساحة الفنية المغربية تعرف اليوم تراجعا لافتا في حضور الأصوات الفنية التي تعبر عن آرائها بحرية واستقلال، ملاحظا أن عددا قليلا فقط من الفنانين يبدون مواقفهم دون أن يخضعوا لحسابات مرتبطة بالمصلحة أو بصورة الفنان داخل السوق الفنية.

وتابع ذات المتحدث، أن الحذر البالغ الذي يتملك الفاعلين في الفن أدى إلى هيمنة مواقف محسوبة تراعي الحفاظ على المكاسب المهنية والصورة التجارية، على حساب انشغال الفنان بجوهر الإبداع والاشتباك الحقيقي مع القضايا المجتمعية، مشيرا إلى وجود فئة من الفنانين تستغل المناسبات لإرسال “رسائل مشفرة” إلى جهات نافذة، في محاولة لإظهار الولاء أو الاستعداد لتقديم خدماتها متى اقتضت الحاجة، معتبرا أن هذا السلوك يعكس انتقال جزء من المشهد الفني من موقع التعبير الحر إلى منطق البحث عن الامتيازات، وهو ما يراه ابتعادا عن الوظيفة الأصلية للفنان بوصفه ضميرا نقديا للمجتمع.

وذهب واكريم، إلى أن ما وقع في سبتة المحتلة يشكل -بالنسبة إليه- نموذجا واضحا لهذا الغياب، إذ لم يلمس صدور مواقف فنية تتبنى أو على الأقل تناقش، معاناة الشباب الذين خاطروا بحياتهم بحثا عن أفق اقتصادي واجتماعي أفضل، مشددا على أن ذلك دليل على تراجع دور الفنان الملتزم بقضايا الإنسان، مقابل صعود اعتبارات أخرى يرى أنها أصبحت تتحكم في طريقة التفاعل مع الأحداث الوطنية.

وربط واكريم هذا الواقع بطبيعة البيئة الثقافية والإنتاجية التي يشتغل داخلها الفنانون، لافتا إلى أن الاعتماد الواسع على منظومة الدعم العمومي أسهم -في نظره- في تكريس أشكال من الرقابة الذاتية لدى بعض الفاعلين الفنيين، خوفا من فقدان مصادر التمويل، وهو ما ينعكس -بحسب قراءته- على جرأة المواقف وعلى طبيعة المواضيع التي يتم تناولها فنيا.

ولا يقف انتقاد واكريم عند حدود المواقف المعلنة، بل يمتد إلى طبيعة الإنتاج الفني نفسه، إذ يرى أن مثل هذه الأحداث الاجتماعية الكبرى يفترض أن تتحول إلى مادة للإبداع، سواء في السينما أو المسرح أو الرواية أو الأغنية، بما يسمح للفن بأن يؤدي دوره في توثيق التحولات الاجتماعية وطرح الأسئلة المؤرقة التي يعيشها المجتمع. غير أنه يعتبر أن هذا الرهان ما يزال بعيد المنال في ظل بيئة فنية -بحسب توصيفه- لا تمنح الأولوية دائما للأعمال المنبثقة من الواقع اليومي للمواطن.