مواطنون يحملون مريضة فوق نعش بتاونات
المغرب العميق

الحق في العلاج بين المركز والهامش.. التفاوت المجالي يختبر العدالة الصحية بالمغرب

أعادت وفاة الطفلة وردية، ذات 13 ربيعا والمنحدرة من إقليم أزيلال، إلى الواجهة سؤالا أوسع حول مدى تكافؤ المغاربة في الولوج إلى العلاج، خصوصا في المناطق الجبلية والنائية. فمن دوار “تباروشت” بإقليم أزيلال، وجدت وردية نفسها في رحلة علاج قادتها، رفقة والدها، بين أزيلال وبني ملال والدار البيضاء، بحثا عن خدمات وتخصصات وتجهيزات طبية تقول أسرتها إنها لم تكن متوفرة بالقرب من مقر سكناها، قبل أن تنتهي الرحلة بوفاتها في أحد مستشفيات الدار البيضاء، الثلاثاء الماضي.

وبينما تظل ظروف الوفاة ومسار التكفل الطبي موضوعا يحتاج إلى توضيح من الجهات المختصة، فإن قصة وردية تعكس، في جانب منها، معاناة أسر تضطر إلى تحويل المرض إلى رحلة بين المدن، وما يرافق ذلك من أعباء مادية ونفسية وصحية.

وتعيد هذه الواقعة طرح سؤال التفاوت المجالي في الولوج إلى العلاج بالمغرب، ليس فقط من زاوية توفر المستشفيات، وإنما أيضا من حيث توزيع الأطباء والممرضين والتخصصات والتجهيزات وقدرة المنظومة الصحية المحلية على التكفل بالمرضى في الوقت المناسب.

وفي قراءة لهذا الواقع، كشف عبد اللطيف اهنوش، عضو المكتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة، أن استمرار الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج لا يرتبط بظروف عابرة، وإنما يعكس، بحسب تقديره، “خللا عميقا” في توزيع الموارد البشرية بين جهات المركز وجهات الهامش.

واعتبر اهنوش في تصريح لجريدة العمق أن هذا الوضع كرس تفاوتا واضحا في مستوى الخدمات الصحية، مشيرا إلى أن بعض الأقطاب الحضرية والجهات تستفيد من إمكانات أكبر، في مقابل استمرار معاناة مناطق أخرى من خصاص في الأطر الصحية، بما يحد من قدرة المؤسسات الصحية المحلية على الاستجابة لحاجيات المواطنين.

واستند المتحدث إلى معطيات واردة في تقرير لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية حول وضعية وتوزيع الموارد البشرية، صدر في بداية سنة 2025، مشيرا إلى أن المتوسط الوطني يبلغ 2.05 إطار صحي لكل 1000 نسمة، مقابل متوسط بـ4.45 إطار لكل 1000 نسمة الذي تحيل إليه منظمة الصحة العالمية.

ولا تتوقف الفوارق، بحسب المعطيات التي يستند إليها النقابي، عند مستوى الخصاص الوطني، بل تمتد إلى التوزيع بين الجهات. ويشير في هذا السياق إلى أن جهة العيون الساقية الحمراء تتصدر، وفق التقرير المذكور، بـ3.29 إطار صحي لكل 1000 نسمة، بينما لا تتجاوز النسبة في جهة بني ملال خنيفرة 1.4 إطار صحي لكل 1000 نسمة.

وقال اهنوش إن هذه الفوارق تكشف عن اختلال في العدالة المجالية في توزيع الموارد البشرية الصحية، وتنعكس بشكل مباشر على ظروف اشتغال الأطر الصحية وعلى قدرة المواطنين على الحصول على العلاج بالقرب من أماكن سكنهم.

وأضاف أن الخصاص في الموارد البشرية يفرض ضغطا كبيرا على الأطقم الطبية والتمريضية، كما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى “بلوكاج” في عدد من الحقوق المهنية، من بينها الحق في الانتقال، في وقت يجد فيه المواطنون أنفسهم مضطرين في حالات كثيرة إلى التنقل خارج جهاتهم للاستفادة من بعض الخدمات والتخصصات الطبية.

وبخصوص سبل معالجة هذا الوضع، دعا عضو المكتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة إلى اعتماد المعطيات الرسمية المتعلقة بتوزيع الموارد البشرية عند تحديد المناصب المالية وبرمجة مباريات التوظيف، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تعاني من أكبر مستويات الخصاص.

كما شدد على ضرورة توفير ظروف عمل ملائمة وتجهيز المؤسسات الصحية، إلى جانب إقرار نظام تعويضات منصف للأطر العاملة في المناطق الصعبة والنائية، معتبرا أن إصلاح المنظومة الصحية يظل مرتبطا، في نهاية المطاف، بمدى القدرة على تحقيق العدالة المجالية وضمان حق المواطنين في الصحة، بصرف النظر عن مناطق إقامتهم.