يبدو أن الرقص بدأ يتحول إلى مادة متداولة في النقاش السياسي المغربي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026. حيث توجد بالفعل تدوينات ومقاطع حديثة تتناول ظهور عدد من قادة الأحزاب وهم يرقصون أو يتفاعلون مع الأهازيج في تجمعات حزبية وشعبية. فمثلاً، تداولت صفحات مقاطع فيديو يظهر فيها محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، وهو يرقص على إيقاعات أحيدوس في لقاءات حزبية، كما ظهرت مقاطع أخرى مرتبطة بتجمعات حزبية في الفقيه بن صالح. كما أعادت مواقع وصفحات النقاش حول رقص الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران في تجمعات حزبية، باعتباره ظاهرة تستحق القراءة السياسية وليس مجرد لحظة ترفيهية . كما ظهرت المنسقة العامة لحزب الاصالة والمعاصرة ووزيرة السكنى وإعداد التراب الوطني في حكومة أخنوش فاطمة الزهراء المنصوري وهي تتفاعل مع «الدقة المراكشية»، خلال «عدد من الأنشطة الحزبية» وفي أجواء لقاءات انتخابية وحزبية. في حين التقطت لرئيس الحكومة والرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش صور وهو يرقص على إيقاعات شعبية خلال أنشطة حزبية ببعض مدن الجنوب.. . في حين أن رؤساء الأحزاب في السابق كعلي يعتة أو عبد الرحيم بوعبيد أو المحجوبي أحرضان…لم يشاهدوا أو التقطت لهم صورا وهم يرقصون أمام الجماهير في تجمعات خطابية بالمعنى الذي نراه اليوم. فعلي يعتة كان زعيماً حزبياً جماهيرياً، لكن صورته السياسية الموثقة ترتبط أساساً بالخطابة والتعبئة والتنظيم، وعبد الرحيم بوعبيد تنتمي صورته السياسية أكثر إلى نموذج الزعيم/الخطيب ورجل الدولة. ولم توثق أية مصادر ما يثبت أنه كان يشارك في الرقص خلال تجمعاته السياسية. كما أن المحجوبي أحرضان الذي ارتبطت شخصيته السياسية ارتباطاً وثيقاً بالوسط القبلي والأمازيغي وبالثقافة الاحتفالية المحلية، خصوصاً أحيدوس، لم يسبق أن التقطت له مشاهد أو صور وهو يرقص في تجمع خطابي حزبي. فقد كان هناك فرق بين أن يحضر السياسي مناسبة شعبية فيها أحيدوس أو رقص جماعي، وبين أن ينزل السياسي نفسه إلى ساحة الرقص ويصبح جزءاً من العرض. وهنا تظهر خصوصية اللحظة السياسية الحالية، فظهور أمين عام حزب سابق مثل أخنوش وهو يحمل البندير، أو ظهور زعيم حزبي وهو يرقص مع الجمهور، لا ينبغي إسقاطه آلياً على الزعماء السابقين. فـالهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي جعلا الجسد والحركة والصورة جزءاً من الرسالة السياسية نفسها. بل يمكن صياغة المقارنة هكذا:
جيل علي يعتة وبوعبيد:
الزعيم يتكلم ← الجمهور يستمع ← التصفيق والهتاف.
جيل أحرضان:
الزعيم قريب من الثقافة المحلية ← الأهازيج والفرجة الشعبية حاضرة.
الجيل السياسي الحالي:
الزعيم يتكلم ← يمازح ← يحمل البندير ← يرقص ← يصور المشهد ← ينتشر الفيديو على الشبكات الاجتماعية.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يستحق الدراسة ليس فقط «هل كان الزعماء السابقون يرقصون؟»، وإنما: متى بدأ السياسي المغربي يتحول من «خطيب أمام الجماهير» إلى «مؤد داخل الفرجة الجماهيرية»؟وهذا التحول قد يكون مؤشراً مهماً على تغير الثقافة السياسية والانتخابية المغربية، خصوصاً قبيل انتخابات 23 شتنبر 2026.
1. الرقص كآلية للتواصل السياسي
كان السياسي سابقا يقدم نفسه من خلال الخطاب، والبرنامج، والمهرجان الخطابي، والقدرة على الإقناع. أما اليوم، فإن الهاتف والكاميرا وشبكات التواصل تجعل الجسد نفسه جزءاً من التواصل السياسي. فالرقص، والابتسامة، والحركة، والتفاعل مع الجمهور، كلها تتحول إلى صور قصيرة قابلة للانتشار أكثر بكثير من خطاب سياسي مدته ساعة أو أكثر.ولهذا يمكن القول إننا أمام نوع من «التواصل السياسي الجسدي». فعندما يرقص الأمين العام لحزب وسط أنصار الحزب وعلى إيقاع شعبي أو أمازيغي أو صحراوي، فهو لا يؤدي بالضرورة رقصة فنية بالمعنى الدقيق؛ بل يرسل رسالة مفادها: «أنا واحد منكم، أعيش أجواءكم وأتقاسم معكم الفرح.» وهذه الرسالة مهمة انتخابياً، خصوصاً في المناطق التي تلعب فيها الثقافة المحلية، والأهازيج، والاحتفالات الجماعية دوراً كبيراً في بناء الانتماء. لكن هناك مفارقة سياسية، عندما تصبح التدوينات المتداولة مثيرة للاهتمام بل والانتقاد : فالمنتقدون لا يناقشون الرقص في حد ذاته، وإنما يسألون: هل يتلاءم هذا السلوك مع الصورة التي يقدمها الحزب أو أمينه العام؟ وهذا ظهر مثلاً في النقاش حول بنكيران، باعتباره سياسياً ارتبط حزبه بخطاب محافظ، بينما ظهوره راقصاً في مناسبات حزبية يفتح الباب أمام سؤال الفرق بين الهوية السياسية المعلنة والممارسة الاحتفالية. فالمهرجان الحزبي المغربي كان تاريخياً فضاءً للاستماع إلى الزعيم أو الكاتب العام وهو يخطب. أما اليوم فقد يصبح المهرجان مزيجاً من: خطاب سياسي + موسيقى + أهازيج + رقص + صور وفيديوهات + هتافات + بث مباشر. أي أن السياسة نفسها تدخل أكثر فأكثر في منطق الفرجة والمشهدية. وهذا ينسجم مع التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي: فأحياناً تكون ثوانٍ من فيديو لزعيم يرقص أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور من عشرات الصفحات من البرنامج الانتخابي.
2- الرقص كآلية للاستقطاب الانتخابي
يبدو أنه في إطار الاستعداد للانتخابات القادمة ، بدأت الأحزاب تكثف حضورها الميداني استعداداً لاستحقاقات 2026. وتصف بعض التغطيات الحديثة فعلاً انتقال المهرجانات الانتخابية إلى نمط يجمع بين الخطاب والعرض الفني والإيقاع والتفاعل الجسدي. وهنا يصبح الرقص جزءاً من فرجة سياسية انتخابية. إذ يمكن النظر إلى رقص أمناء الأحزاب السياسية في التجمعات والمهرجانات الحزبية ليس باعتباره مجرد سلوك عفوي أو تعبيراً شخصياً عن الفرح، بل باعتباره ـ في بعض السياقات أداة للتواصل السياسي والاستقطاب والحشد الانتخابي. لكن دلالته تختلف بحسب السياق والحزب والجمهور.
فالرقص، بخلاف الخطاب السياسي الرسمي، يقدم الأمين العام في صورة شخصية قريبة من الجمهور: يتحرك معه، يردد إيقاعاته، ويشارك في طقوسه الاحتفالية. وهذا يحقق انتقالاً من صورة: الزعيم الذي يخاطب الجمهور إلى الزعيم الذي يشارك الجمهور. وهو انتقال مهم انتخابياً، لأن الحملة الانتخابية لا تقوم فقط على عرض البرامج، وإنما أيضاً على بناء الألفة والثقة والانتماء. كما يمكن اعتبار رقص الزعيم أو رئيس الحزب آلية تقوم بتحويل التجمع من اجتماع سياسي إلى فرجة جماعية. ففي التجمعات التقليدية، كان الخطاب هو مركز الحشد. أما في عصر الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت اللحظة القابلة للتصوير والتداول جزءاً من الحملة. فعندما يرقص أمين حزب أو يحمل بنديراً أو يشارك في رقصة جماعية، يمكن أن تتحول الثواني التي التقطتها الهواتف إلى مادة إعلامية أكثر انتشاراً من خطاب سياسي وتستقطب جماهير من مختلف الشرائح الاجتماعية البسيطة والشعبية. خاصة إذا تم فيها استثمار بعض مكونات الثقافة الشعبية المغربية . إذ يمكن للرقص الجماعي، والدقة، وأحيدوس، وأحواش، وحمل البندير وغيرها من التعبيرات الاحتفالية أن تؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه. فهي تستحضر الهوية المحلية والجهوية والثقافة الشعبية، ولذلك قد يستخدم السياسي مشاركته فيها لإيصال رسالة ضمنية: «أنا جزء منكم، ولست سياسياً منفصلاً عن ثقافتكم وحياتكم اليومية.» وهنا يصبح الجسد نفسه وسيلة من وسائل الخطاب السياسي. وفي هذا السياق يمكن أن تحمل صور رقص فاطمة المنصوري تحديداً، عدة دلالات سياسية تتمثل في أنسنة صورة القيادية الحزبية. فالمنصوري التي تظهر عادة في صورة الوزيرة والسياسية والمسؤولة المؤسساتية، تضفي مشاركتها في الرقص عفوية وشعبية، وتقلل المسافة بينها وبين الجمهور. كما أن مخاطبة جمهور يتفاعل مع الصورة أكثر من الخطاب في إطار الحملة الانتخابية الحديثة، قد تكون لقطة قصيرة للمنسقة العامة وهي ترقص أكثر قابلية للانتشار على وسائل التواصل من خطاب سياسي مطول. وبالتالي تصبح الحركة الجسدية جزءاً من التواصل الانتخابي. بالاضافة إلى إظهار الانتماء إلى الثقافة المحلية خاصة إذا كان الرقص مرتبطاً برقصة أو موسيقى شعبية محلية، فهو لا يؤدي فقط وظيفة ترفيهية، وإنما يسمح للسياسية بأن تقول رمزياً: «أنا أشارككم ثقافتكم وفرحكم».والأكثر إثارة للاهتمام هو أن الظاهرة تعكس تحولاً في صورة المرأة السياسية المغربية: فالمطلوب منها لم يعد فقط أن تكون «قيادية» و«مؤسساتية»، بل أن تكون أيضاً قادرة على الدخول في الفرجة السياسية ومخاطبة الجمهور بلغة الحركة والموسيقى والعاطفة. ومن ثم يمكن إدراج رقص المنصوري ضمن ظاهرة أوسع في انتخابات 2026: انتقال السياسي المغربي من السياسي الخطيب إلى السياسي المؤدي performer) )؛ أي السياسي الذي يخاطب الناخب بالكلمة، ولكن أيضاً بالصورة والحركة والحضور الجسدي. كما أن ظهور رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع السابق عزيز أخنوش وهو يرقص على إيقاعات شعبية خلال نشاط حزبي بطانطان، قد عكس نفس السياق ، من خلال منشور بعنوان صريح: «أخنوش يرقص في طانطان مع المواطنين وقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار».كما توجد حالة أخرى موثقة في سيدي عبد الله غياث، حيث نُشر مقطع بعنوان «أخنوش يرقص على الإيقاعات الشعبية على هامش اللقاء التواصلي لحزب الحمامة». أما في جرادي بجماعة فم الواد قرب العيون، في يوليوز 2026، فقد كان أخنوش في لقاء حزبي خُصص للإعلان عن تزكيات مرشحي الحزب للانتخابات البرلمانية المقبلة بجهة العيون الساقية الحمراء. وبالتالي ، فإذا جمعنا مشاهد أخنوش في طانطان وغيرها مع رقص قيادات حزبية أخرى، فهي تعكس استخداماً للفرجة والفنون الشعبية في التواصل السياسي والحشد الانتخابي، وليس مجرد تصرفات فردية.كما أن مشاركة بعضة أمناء الاحزاب في الرقص قد يساهم في الحشد العاطفي بدل الحشد البرنامجي. فهناك فرق بين أن يحشد الحزب الناخب حول برنامج انتخابي، وأن يحشده حول حالة وجدانية جماعية. وبالتالي، فالرقص والموسيقى والأعلام والهتافات تخلق حالة من الحماس الجماعي، وقد تجعل الفرد يشعر بأنه جزء من جماعة سياسية كبيرة. وهذا قريب مما يمكن تسميته بالحشد العاطفي.ومن هذه الزاوية، لا يكون الهدف بالضرورة إقناع الناخب ببرنامج الحزب، وإنما رفع حماسه واستعداده للمشاركة والتعبئة والتصويت.و هنا تظهر إحدى التحولات المهمة في السياسة الانتخابية المعاصرة بالمملكة. فالسياسي لم يعد يكتفي بأن يكون خطيباً مفوها ؛ بل أصبح مطالباً بأن يكون أيضاً شخصية إعلامية وقابلة للصورة والمشاركة في الفرجة. وهذا يفسر لماذا يمكن أن تكون لقطة عفوية لزعيم سياسي وهو يرقص أو يحمل بنديراً أكثر تأثيراً على شبكات التواصل من تصريح سياسي طويل.لكن قد يكون لهذه الاستراتيجية وجهاً سلبيا إذ كانت قد تحقق القرب الشعبي، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تسطيح السياسة وتحويل الانتخابات من منافسة حول البرامج إلى منافسة حول الشخصيات والصور والفرجة.
3- الرقص كآلية للفرجة السياسية
يمكن فهم الرقص باعتباره نوعاً من الأداء السياسي وليس مجرد حركة جسدية. فهو يجمع في لحظة واحدة:
*التلقائية: من خلال إظهار السياسي بعيداً عن الرسميات.
*القرب من الجمهور: من خلال إزالة المسافة بين الزعيم والقاعدة.
*العاطفة: من خلال إثارة الحماس والانتماء.
*الفرجة: من خلال تحويل التجمع إلى حدث قابل للتصوير.
*القابلية للانتشار الرقمي: ففيديو قصير قد يكون أكثر تأثيراً من خطاب طويل.
وهنا يصبح الرقص جزءاً من اقتصاد الصورة الانتخابية. فصورة رئيس الحكومة عزيز أخنوش وهو يحمل «البندير»، والتي نشرت في بعض المنابر الإعلامية بعنوان «من رئيس الحكومة إلى حامل البندير: حين تدخل السياسة زمن الفرجة» يمكن قراءتها باعتباره امتداداً لانتقال الممارسة الحزبية من الخطاب إلى الفرجة السياسية. فالبندير هنا ليس مجرد آلة موسيقية؛ عندما يحمله زعيم سياسي في تجمع حزبي، تصبح الصورة نفسها رسالة انتخابية: الاقتراب من الجمهور، الاندماج في الثقافة الشعبية، وإظهار السياسي في صورة مختلفة عن صورته الرسمية داخل البرلمان أو مقر الحكومة. واللافت أن هذا يأتي في سياق استعداد الأحزاب لانتخابات 2026، حيث يكثف حزب التجمع الوطني للأحرار لقاءاته التواصلية والميدانية.لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي: هل أصبح السياسي المغربي مطالباً اليوم بأن يخطب في الجمهور، ثم يغني معه، ثم يرقص، وربما يحمل البندير أيضاً، حتى يثبت أنه قريب منه؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام تحول من «السياسة بالخطاب» إلى «السياسة بالأداء»؛ حيث لا يعود السياسي يبيع للناخب برنامجاً فقط، وإنما يقدم له أيضاً صورة وشخصية وأجواء وفرجة. وهنا يصبح «بندير أخنوش» أكثر من لقطة عابرة: إنه يمكن أن يكون رمزاً لتحول المهرجان الحزبي المغربي من فضاء للتعبئة السياسية إلى فضاء يجمع السياسة والاحتفال والفرجة. وهكذا يساهم رقص أمناء الأحزاب والمسؤولين السياسيين في تكريس «الفرجة السياسية» بالمغرب، خصوصاً عندما يصبح الرقص جزءاً من اللقاءات التواصلية والانتخابية، ويُصوَّر ويُتداول باعتباره حدثاً سياسياً. وقد رصدت تغطيات حديثة بالفعل تكرار هذه المشاهد وربطتها بتحول أساليب التعبئة الحزبية استعداداً لانتخابات 2026.لكن الأهم هو أن الرقص ليس سبب الفرجة السياسية وإنما أحد أدواتها الجديدة.فتقليدياً كان التجمع الحزبي يقوم على ثلاث وظائف أساسية:الخطاب و عرض البرنامج و إقناع الناخب. أما في المشهد الحالي فيضاف إليها الموسيقى و الرقص و الهتاف والصورة و الفيديو القصير و التداول الرقمي.وبذلك يتحول التجمع من فضاء للتواصل السياسي إلى فضاء للعرض السياسي. وهذا ما يجعل صورة الأمين العام أو رئيس حزب وهو يرقص، أو يحمل البندير، أو يشارك في أحيدوس، قابلة لأن تصبح أهم إعلامياً من مضمون الخطاب نفسه. وهنا تحدث نقلة مهمة في طبيعة السياسي.فهو لم يعد مطلوباً منه فقط أن يكون: خطيباً؛ ومنظراً؛ و ممثلاً للحزب؛ ومدافعاً عن برنامج.بل أصبح مطلوباً منه أيضاً أن يكون شخصية قادرة على صناعة المشهد. أي أن السياسي يدخل إلى منطق قريب من منطق الأداء المسرحي من خلال حضوره الجسدي، وحركاته، وانفعالاته، وضحكه، ورقصه، وتفاعله مع الجمهور، كلها تصبح جزءاً من الرسالة السياسية. فالفرجة لها قدرة كبيرة على خلق جمهور، بينما السياسة البرنامجيّة تحتاج إلى خلق ناخب مقتنع. فعندما يرقص الزعيم وسط جمهور يهتف ويصفق، فإن المشهد ينتج إحساساً بأن الحزب يمتلك قاعدة شعبية ضخمة ومتحمسة. وهنا لا يعود الجمهور مجرد مستمع، وإنما يصبح جزءاً من العرض السياسي نفسه. خاصة وأن وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت من تضخم هذه الفرجة السياسية وإطالة أمدها وزمنيتها . فبعدما كانت الرقصة قبل ظهور هذه الوسائل تنتهي بانتهاء التجمع الحزبي ، أصبحت الرقصة اليوم تصور وتُقتطع منها ثوانٍ ، ثم تُنشر لتصبح “ترنداً” يتفاعل معها المؤيد والخصم ، ويعاد إنتاجها في فيديوهات وتعليقات ساخرة.وبالتالي فإن الفرجة أصبحت لها حياة سياسية بعد انتهاء الاجتماع بل إن بعض التغطيات السياسية نفسها أصبحت تتعامل مع هذه اللقطات باعتبارها مادة سياسية قائمة بذاتها.وقد ذهبت بعض القراءات الصحفية الحديثة إلى اعتبار هذه المظاهر تحولاً في أساليب التعبئة السياسية، حيث تتداخل الرموز الثقافية والاحتفالية مع التواصل الحزبي. مما يؤدي إلى أن ينتقل المواطن تدريجياً من: مواطن يناقش برنامجاً سياسياً إلى متفرج يتابع السياسيين كما يتابع شخصيات في عرض جماهيري. وهذا ما يمكن تسميته بسياسة الفرجة أو الفرجة السياسية. فالسياسي الذي ينجح في صناعة المشهد، أو إطلاق التصريح الأكثر إثارة، أو تقديم الرقصة الأكثر تداولاً، قد يحظى بحضور إعلامي أكبر من سياسي قدم برنامجاً انتخابياً أكثر تفصيلاً.وهنا تلتقي الفرجة السياسية مع الشعبوية، لكنهما ليسا الشيء نفسه. فالشعبوية تقول:«أنا قريب من الشعب.» والفرجة تقول: «انظروا إليّ وأنا أعيش مع الشعب وأشارك أفراحه.» لذلك يمكن أن يصبح الرقص أداة لإنتاج القرب الشعبي.ففي حالة بنكيران مثلاً، لا تأتي الفرجة من الرقص وحده، بل من نمط تواصلي كامل يقوم على الدارجة، والنكتة، والانفعال، والتصريح المباشر والشخصنة؛ وهو نمط لاحظت تحليلات حديثة استمراره في حضوره السياسي.أما مع قيادات أخرى، فقد تكون الفرجة أقل ارتباطاً بالشعبوية الشخصية وأكثر ارتباطاً بالتعبئة الانتخابية وبناء صورة الحزب الشعبي. لكن المفارقة أن الفرجة قد تنجح في إعادة الجمهور إلى السياسة، وفي الوقت نفسه قد تفرغ السياسة من مضمونها. فهي قد تزيد الاهتمام بالسياسة وتجذب الشباب و تكسر الجمود الحزبي وتخلق حماساً انتخابياً، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى الشخصنة و اختزال السياسة في الصورة و تغليب العاطفة على البرنامج و تحويل الانتخابات إلى مسابقة في الشعبية والفرجة. من هنا يطرح السؤال الحقيقي بالنسبة إلى انتخابات 2026: هل تستخدم الأحزاب الفرجة لجذب المواطن إلى السياسة، أم أن السياسة نفسها بدأت تتحول إلى فرجة لجذب المواطن؟
وبالتالي ، فظاهرة رقص بعض أمناء ورؤساء الاحزاب قد تعكس رغبة سياسية لإعادة الحماس إلى الحياة الحزبية، لكن هناك في الوقت نفسه انتقال واضح من «السياسة الخطابية» إلى «السياسة الأدائية»، حيث يصبح الزعيم نفسه جزءاً من العرض. في حين تساهم «الفرجة الحزبية»، التي توظف الموسيقى والرقص والهتاف والرموز الثقافية والصورة الرقمية في إنتاج الحشد السياسي في تحويل التجمعات الحزبية من مجرد مكان لإلقاء الخطاب، إلى مسرح لإنتاج الشعبية السياسية والاستقطاب الانتخابي.
4-الرقص كآلية لتكريس الشعبوية
يمكن اعتبار رقص بعض أمناء الأحزاب في التجمعات السياسية أحد مظاهر تكريس الشعبوية في المغرب، لكن ليس بالضرورة أن يكون كل رقص سياسي شعبوياً. فالمسألة تتوقف على وظيفة الرقص داخل الممارسة السياسية. فالشعبوية تقوم، في أحد أبعادها، على بناء علاقة مباشرة بين «الشعب» و«الزعيم»، وتجاوز الوسائط والمؤسسات والخطاب السياسي المعقد. وعندما ينزل الأمين العام إلى وسط الجمهور ويرقص معه أو يحمل البندير، فإنه يبعث رسالة رمزية مفاد «أنا واحد منكم، أعيش فرحكم وأشارككم ثقافتكم.»وهذه صورة نموذجية من التقارب الشعبوي، لأنها تستبدل جزئياً المسافة المؤسساتية بين السياسي والمواطن بالقرب العاطفي والجسدي.
فرقص عبد الإله بنكيران يمكن أن يُقرأ بوصفه تكريساً لأحد أوجه شعبويته السياسية، وربما بصورة أوضح من بعض القيادات الحزبية الأخرى، لأن الرقص عنده يأتي ضمن أسلوب تواصلي أوسع يقوم على العفوية، والنكتة، واللغة المباشرة، والتفاعل مع الجمهور. فقد ظهر بنكيران في مناسبات حزبية وهو يشارك في أحواش بأكادير سنة 2015 خلال حملة لشبيبة العدالة والتنمية، ثم رقص في الراشيدية على إيقاعات محلية خلال مهرجان خطابي للحزب. كما سبق أن رقص مع مناضلي حزبه في مؤتمر الحزب سنة 2012. وهذا ينسجم ذلك مع شعبويته. فبنكيران لا يقدم نفسه فقط باعتباره أميناً عاماً أو رئيس حكومة سابقاً، بل باعتباره «واحداً من الناس». فالرقص هنا أداء رمزي لهذه الصورة: الزعيم يترك المنصة وينخرط في طقوس الجمهور. فالشعبوية البنكرانية استفادت كثيراً من الكلام المباشر، والنكتة، ، والانفعال، والضحك. لذلك فالرقص ليس منفصلاً عن هذا الأسلوب، بل هو امتداد له: الكلمة العفوية + الضحك + الحركة + التفاعل المباشر = شخصية سياسية شعبوية قابلة للتواصل الجماهيري. فبنكيران كان يدرك، أو على الأقل استفاد سياسياً، من أن اللقطات غير التقليدية تخلق اهتماماً إعلامياً. حتى الصحافة وصفت رقصاته بأنها أصبحت تخلق الحدث مثل تصريحاته. فبخلاف الرقص عند أخنوش أو قيادات أخرى التي قد يكون الرقص جزءاً من استراتيجية الحشد الانتخابي والاحتفال الشعبي؛ يندمج الرقص عند بنكيران مع شخصية سياسية شعبوية كانت موجودة قبل الرقصة. فبنكيران بنى جزءاً من جاذبيته السياسية والاعلامية على تقديم نفسه باعتباره السياسي غير المتكلف، الذي يتحدث بلغة الشارع، ويضحك، ويمزح، وينفعل، ويجادل الجمهور مباشرة. لذلك تصبح الرقصة مجرد عنصر إضافي في بناء هذه الشخصية. بل إن استقبال شبيبة الحزب له سنة 2018 بشعار «الشعب يريد بنكيران من جديد» ورفع مكانته إلى مستوى «الزعيم الوطني» يكشف مدى تحول العلاقة بينه وبين جزء من قواعد الحزب إلى علاقة شخصية وعاطفية تتجاوز أحياناً العلاقة التنظيمية العادية. فبنكيران لا يكتفي بتمثيل الحزب، بل يصبح هو نفسه جزءاً من العلامة السياسية للحزب. وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن تكون «رقصة ورقصات بنكيران ولو برفع عكازه » سياسياً أهم من الرقصة نفسها: إنها تؤكد صورة الزعيم الذي لا يحتاج إلى الحواجز البروتوكولية، ويستمد قوته من التواصل المباشر مع الجمهور. وبالتالي فرقص بنكيران ليس في حد ذاته شعبوية، لكنه يصبح شعبوياً عندما يوظف ضمن نمط سياسي يقوم على إلغاء المسافة بين الزعيم والجمهور، واستبدال جزء من التواصل المؤسساتي بالتواصل العاطفي والشخصي، وتحويل السياسي إلى شخصية شعبية قابلة للفرجة والتداول.وهذا يجعل المقارنة بين بنكيران وأخنوش والمنصوري مثيرة جداً: فالأول يوظف الشعبوية الشخصية والعفوية، والثاني يمكن أن يوظف الفرجة والحشد الانتخابي، بينما يمكن أن توظف الثالثة القرب الثقافي والاجتماعي. وبالتالي قد نكون أمام ثلاثة أنماط مختلفة من «الشعبوية الراقصة» في السياسة المغربية. فعندما يوظف الرقص داخل مهرجان انتخابي لإنتاج صورة عن السياسي باعتباره «واحداً من الشعب»، ثم يتم تصوير المشهد وتداوله لاستقطاب الناخبين، فإننا نقترب فعلاً من التوظيف الشعبوي للثقافة الشعبية. لأن السياسة نفسها في المغرب لها تقاليد طويلة من الاحتفال والحشد والرموز الجماعية. وبالتالي يمكن أن يكون هناك امتزاجاً بين:الثقافة الاحتفالية المغربية و تقنيات الحملة الانتخابية الحديثة ، ووسائل التواصل الرقمي لكي ينتج هذا شكلاً يمكن تسميته «الشعبوية الاحتفالية»، حيث لا يعتمد السياسي فقط على الخطاب ضد النخب أو المؤسسات، وإنما يستخدم الموسيقى والرقص والهتاف واللباس والرموز الشعبية لإثبات قربه من الجمهور. من هنا يكمن الخطر السياسي . فإذا أصبحت الصورة الراقصة أكثر حضوراً من البرنامج الانتخابي، فقد تنتقل المنافسة :من يقدم أفضل مشروع للتدبير الحكومي إلى من يستطيع إظهار نفسه بصورة أكثر شعبية وقرباً من الجمهور؟ وهنا يصبح الرقص جزءاً من ظاهرة أوسع هي تحويل السياسة إلى فرجة.لذا فرقص أمين عام أو رئيس حزب لا يصنع الشعبوية بمفرده، لكنه قد يصبح إحدى أدواتها عندما يتحول من تعبير ثقافي أو احتفالي إلى وسيلة لبناء صورة السياسي «الشعبي»، واستثارة العاطفة، وحشد الجمهور، وتسويق الشخصية على حساب النقاش البرنامجي. وهذا يفتح باباً مهماً جداً بالنسبة للانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026: هل يؤدي تصاعد هذا النوع من الأداء السياسي إلى تحويل الحملة الانتخابية من منافسة على الأفكار والبرامج إلى منافسة على الشعبية والفرجة والصورة؟ فالتدوينات التي تقول مثلاً: «الأحزاب ترقص» أو «الزعماء يرقصون بدل الحديث عن البرامج» لا ينبغي قراءتها كلها باعتبارها مجرد سخرية. بل إنها قد تعبر عن قلق أوسع من تحول السياسة إلى عرض:
*من البرنامج إلى الصورة
*من الخطاب إلى الحركة
*من الإقناع إلى الإثارة
*من المواطن الناخب إلى الجمهور المتفرج.
لكن يجب أيضاً عدم الوقوع في الطرف المقابل: رقص السياسي لا يعني بالضرورة سطحية السياسة. فقد يكون مجرد تفاعل عفوي مع الثقافة المحلية، وقد يكون في الوقت نفسه محسوباً باعتباره صورة انتخابية ناجحة.ولهذا فإن السؤال السياسي الحقيقي ليس: «لماذا يرقص الأمناء العامون للأحزاب؟»، بل: هل أصبح الرقص والفرجة جزءاً من استراتيجية جديدة للأحزاب المغربية لاستعادة الجمهور والناخب، في ظل تراجع جاذبية الخطاب الحزبي التقليدي؟