منتدى العمق

من الاحتجاج إلى الاقتراع: هل تستوعب الأحزاب المغربية جيل زد؟

تضع التحولات الديموغرافية والسوسيولوجية المتسارعة التي يشهدها المغرب المشهد السياسي أمام إشكالات تتعلق بعلاقة الشباب بالوساطة السياسة التقليدية ودورهم في العملية الانتخابية، إنه جيل التقنية والذكاء الإصطناعي الذي يطلق عليه جيل زدGEN Z والذي تصنفه الدراسات ضمن مواليد منتصف التسعينات وأوائل العقد الثاني من القرن الحالي، ويحضر هذا الجيل ككثلة ديمغرافية و ثقافية حاملة لتمثلات جديدة حول السلطة والمواطنة والمشاركة السياسية وله مواقف مخالفة للأشكال التقليدية للمشاركة السياسية، وتتمظهر هذه التمثلات في إمتناعهم عن ممارسة الحق في الانخراط والتصويت الانتخابي كقطيعة بنيوية مع المؤسسات التمثيلية، في المقابل يجد هذا الجيل ذاته داخل الفضاء الرقمي كبديل رمزي وتنظيمي لمواقفه تجاه العالم.

تشكل العملية الانتخابية في الأنظمة الديمقراطية لحظة اختيار الممثلين وتوزيع المواقع داخل المؤسسات المنتخبة، وأداة لقياس طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على تحويل التحولات الاجتماعية إلى تمثيل سياسي، ولذلك فإن قراءة الانتخابات التشريعية المقبلة المقرر إجراءها في 23 شثنبر 2026، تستدعي تجاوز القراءة الخارجية لنتائجها، لتمتد إلى طرح إشكالات ذات دلالة في علاقة جيل زد بالانتخابات والأحزاب السياسية، هل سيتحول حضوره من الفضاء الرقمي إلى صناديق الاقتراع؟

إن العلاقة بين جيل زد والسياسية تحكمها مفارقة أساسية، فمن جهة نحن أمام جيل حاضر بقوة في النقاش العمومي، سريع التفاعل مع القضايا الاجتماعية، قادر على استعمال المنصات الرقمية في انتاج الرأي وتعبئة الاحتجاجات، وهو الشيء الذي أظهره خلال احتجاجات (جيل زد 212)، حيث بين على قدرة كبيرة في تنظيم فعل احتجاجي خارج البنيات التقليدية، ومن جهة أخرى تكشف المعطيات المتوفرة عن ضعف في علاقته بالأشكال التقليدية للمشاركة السياسة، من بينها التسجيل في اللاوائح الانتخابية والإنتماء الحزبي، لكن هذا لا يعني أن هذا الجيل غير مهتم بالسياسة، بل اختار أن يمارس السياسية خارج المؤسسات والقنوات التقليدية وبطرق تتطابق مع تنشئته المرتبطة بالفضاء الرقمي.

والحديث عن جيل زد لا بد من الإشارة إلى النقاش النظري حول التحديد المفاهيمي لهذه الفئة، فإذا أخذنا بالتحديد العمري الأكثر شيوعا، فإن الأمر يتعلق تقريبا بمواليد 1997 إلى 2012، لكن التصنيف العمري وحده لا يكفي لكي يصنع جيلا بالمعنى السوسيولوجي، فكارل منهايم أحد أهم من نظروا لمفهوم الجيل، ميز بين مجرد الانتماء إلى الفئة العمرية نفسها وبين تشكيل (وحدة جيلية) الذي تصنعها تجارب تاريخية واجتماعية مشتركة، تؤثر في وعي أفراده وفي طريقة استجابتهم للواقع الاجتماعي، لذلك فالأشخاص لا يشكلون جيلا واحدا لمجرد ولادتهم خلال السنوات نفسها، وإنما لأنهم يتعرضون خلال مراحل تكوينهم وتنشئتم الاجتماعية لتحولات مشتركة تمنحهم تصورا مشتركا للعالم وكيفية التعامل معه.

تبعا لذلك فجيل زد في السياق المغربي، ليسوا فقط جيل من الشباب الذين ولدوا في نهاية التسعينات والعقد الأول من الألفية، بل جيل فتح عينيه على عالم مختلف جذريا عن العالم الذي تشكل فيه وعي أبائهم، إنه جيل لم يعش سنوات الرصاص ولا الصراع الإيديولوجي الحاد الذي طبع جزءا من تاريخ الحياة الحزبية المغربية، وفي المقابل تشكل وعيه في زمن الانترنيت ومنصات التواصل،التي وسعت من مصادر المعرفة لديهم وخلق مقارنات بين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية مع نفس جيلهم في بلدان أخرى، غير أن إعتبار جيل زد كتلة متجانسة لن يساعد في فهم عميق لخصائص هذا الجيل. يرى بيير بورديو في مقال له (الشباب ليس سوى كلمة) أن الوحدة العمرية لا تعني الوحدة الاجتماعية، فمثلا الشاب الذي ينتمى لأسرة بورجوازية يعيش في العاصمة الرباط لا يعيش نفس التجربة التي يعيشها شاب غادر المدرسة مبكرا في قرية نائية، وبالتالي فالحديث عن المشاركة الانتخابية لجيل زد لا يعني بالضرورة وجود كثلة انتخابية متجانسة لها نفس المصالح والاختيارات، فالطبقة ومستوى التعليم والمجال الترابي والوضع المهني تظل محددات أساسية للسلوك السياسي.

تشير الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط إلى أن هذا الجيل يمثل كثلة ديمغرافية مهمة لكنه يواجه اختلالات بنيوية حاد تعكسها معدلات البطالة التي تجاوزت % 13.3، على المستوى الوطني، وترتفع إلى % 20 لدى حاملي الشهادات العليا، وهو ماتعكسه التقارير الصادرة عن المجلس الإقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي دق ناقوس الخطر بشأن فئة NEET (شباب خارج دائرة التعليم والتدريب والتشغيل)، مما يكرس لدى هذا الجيل حالة من الحرمان النسبي وانسداد أفق الترقي الاجتماعي مما يحفز لديهم الاستعداد للتمرد والعصيان. إن هذا الواقع البنيوي أنتج سلوكا انتخابيا يتسم بالعزوف عن التصويت لدى هذه الفئة ويجد هذا العزوف تفسيره في التقارير التي رصدت مستوى الثقة في الأحزاب السياسية و النقابات، وتعكس هذه الارقام الأزمة التي تعانى منها مؤسسات الوساطة التقليدية.

إن هذه القطيعة مع السياسة بفهومها التقليدي من طرف جيل زد لا تعني إبتعاده عن السياسية، إنه من الخطأ وصف السلوك الانتخابي لجيل زد على أنه (عزوف سياسي) ففي كتابه The good Citizen يميز عالم السياسة راسل دالتون بين نموذجين للمواطنة : مواطنة الواجب التي تجعل من التصويت والانضباط للمؤسسات من أبرز واجبات المواطن، والمواطنة المنخرطة التي تعطي وزنا اكبر للإستقلال في الرأي والمشاركة المدنية والاحتجاج، وقد أظهرت أبحاثه أن الأجيال الصغيرة تميل أكثر إلى المواطنة المنخرطة، ونفس الأمر خلصت إليه بيبا نوريس في كتابها Democratic Phoenix عندما اعتبرت أن تراجع الأشكال التقليدية للمشاركة السياسية لا يعني تراجع السياسة بل يرجع ذلك إلى ظهور أدوات جديدة للتعبير والاحتجاج والمشاركة السياسية والمدنية.

فقد ابتكر جيل زد تكتيكات جديدة للمشاركة السياسية والتعبئة الاحتجاجية تعتمد على الوسائط الرقمية والمنصات التفاعلية، كموارد يعبر من خلالها عن أرائه وتصوراته في السياسة والدين والاقتصاد، واعاد من خلالها صياغة طرق التعبير والمشاركة وعلاقته بالمؤسسات، فالهاتف المحمول بالنسبة لهذا الجيل أصبح جزءا من البنية التي يتكون داخلها الرأي والموقف السياسي داخل مجتمع شبكي بتعبير مانويل كاستلز الذي بين في تحليله لهذا المفهوم، كيف تتيح شبكات الإتصال للأفراد إنتاج فضاءات للتواصل والتعبئة بعيدا عن التنظيمات المركزية التقليدية، وهو ما ظهر في الاحتجاجات الأخيرة لجيل زد حيث تميزت بكونها حركة رقمية لا مركزية، عابرة للمدن، غير مرتبطة بالقيادات الحزبية والنقابية، ركزت مطالبها على الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وظهرت كمؤشر على أزمة الوساطة السياسية بالمغرب، حيت كرست الابتعاد عن الوساطة الحزبية والنقابية، والانتقال من فاعل سياسي تقليدي إلى فاعل رقمي قادر على إنتاج الرأي العام والتعبئة خارج الاليات التنظيمية التقليدية.

وقد تزداد احتمالات استمرار عزوف جيل زد عن العملية الانتخابية، إذا أخدنا بعين الاعتبار مايحدث داخل الساحة الحزبية مع اقتراب موعد الترشيحات، حيث اتجهت الأحزاب نحو استقطاب الاعيان والمتخبين المحلين وأصحاب النفوذ أكثر من الاستثمار في تأهيل الشباب وإنتاج نخب حزبية جديدة، حيث شهدت الأشهر الأخيرة تنافسا شديدا حول استقطاب شخصيات تملك شبكات نفوذ وقواعد انتخابية قادرة على حشد الأصوات، إلى درجة أن هذا الصراع على استقطاب الأعيان أصبح أحد أبرز مظاهر هذه المرحلة، وتكمن خطورة هذا التوجه في الرسالة التي قد يُبعث بها إلى جيل زد الذي يطالب أصلا بتجديد النخب السياسية. رغم كون الاحزاب السياسية تتغنى في لقاءاتها بضرورة استعادة ثقة الشباب، فإن ممارساتها تعيد فقط إنتاج الآليات نفسها التي ساهمت في نفور هذا الجيل من العملية الانتخابية، ولذلك فقد يكون أحد المخرجات المحتملة لإنتخابات 2026 إعادة إنتاج عزوف جيل زد، وأن هذا الجيل سيستمر في رفضه للعملية الانتخابية، لكونها لا تحقق طموحاته المطلوبة، فالبرجوع إلى نتائج الانتخابات التشريعية عام 2021، نجد أن فئة الشباب 18- 24 سنة سجلت أدنى حضور في تسجيل اللاوائح الانتخابية حيث لم تتجاوز % 33.6 من الناخبين، ومشاركة جيل الشباب لم يتجاوزا 17-20، وهي نسبة تؤكد على شرخ في العلاقة بين هذا الجيل والعمل الحزبي. وهو ما أشارت إليه إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط عام 2023، حيث نجد أن نسبة ثقة الشباب المغربي في الاحزاب لا تتعدى % 9 وفي النقابات % 12 بينما تصل إلى % 70 في الملك والجيش.

إن أزمة ثقة جيل زد في الأحزاب السياسية والمؤسسات التمثيلية، تستدعي من النخبة السياسية الانفتاح على أصوات جيل زد بإعتبارهم فاعلين سياسيين واجتماعيين، وإشراكهم بصورة فعلية في النقاش العمومي وصياغة البرامج والمساهمة في اتخاد القرارات، لا النظر إليهم كشعار انتخابي أو كفئة مستهدفة للإستهلاك التواصلي، فهذا الجيل تشكل داخل بيئة رقمية مختلفة، يستعمل أدوات ولغة ووسائط لا تشبه تلك التي تأسس عليها العمل الحزبي التقليدي، وهو مايفرض على الأحزاب مواءمة آليات اشتغالها مع التحولات التكنولوجية والرقمية التي يعرفها العالم سواء في التواصل أو التعبئة أو التشاور أو في إنتاج الأفكار وصياغة السياسات، لإن إستعادة ثقة هذا الجيل في العمل السياسي يرتبط بإشراكه كفاعل في تحمل المسؤولية السياسية والتنظيمية، وفتح مسارات حقيقة أمامه للوصول إلى مواقع القرار.

*يوسف ورزان، طالب باحث في سلك الدكتوراه