تصاعد الجدل حول الحجاب في فرنسا، بعدما وجه المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية رسالة حادة إلى القادة السياسيين، دعاهم فيها إلى وقف استهداف المسلمين، وذلك في أعقاب المقترح الذي أعلنه حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بفرض غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة في حال وصوله إلى السلطة.
وأدان المجلس في بيان له، تتوفر “العمق” على نسخة منه، ما وصفها بالتصريحات غير المسؤولة الصادرة عن بعض الشخصيات السياسية، معتبرا أن وضع النساء المسلمات المحجبات في الكفة نفسها مع معتنقي الأيديولوجيات المتطرفة يساهم في استهداف نساء بريئات وتعريضهن للخطر، في وقت يتعرضن فيه، بحسب المجلس، للإهانات والتهديدات والترهيب والاعتداءات.
ويأتي موقف المجلس بعد إعلان النائب الفرنسي جان فيليب تانغي، أحد أبرز مساعدي زعيمة التجمع الوطني مارين لوبان، أن الحزب يعتزم فرض غرامات على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة، في حال فوز لوبان بالانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، في إطار ما يقدمه الحزب باعتباره جزءا من معركته ضد ما يسميه “الأيديولوجية الإسلامية”.
وفي رده على هذا الطرح، شدد المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية على أن ارتداء الحجاب لا يمكن اعتباره نتاجا حديثا للأيديولوجيات المتطرفة، مشيرا إلى أن ممارسات تغطية الرأس موثقة، بأشكال مختلفة، في التقاليد الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية، وترتبط بمفاهيم دينية وأخلاقية متجذرة منذ قرون.
واعتبر المجلس أن استغلال بعض الحركات المتطرفة للحجاب وتحويله إلى شعار أيديولوجي لا يغير من طبيعته الدينية، ولا يمكن أن يبرر الدعوات إلى منعه في الأماكن العامة بالنسبة إلى النساء اللواتي يخترن ارتداءه بحرية وعن قناعة دينية أو شخصية.
وأكد أن رد الجمهورية الفرنسية ينبغي أن يكون واضحا وصارما من خلال حماية المرأة التي تختار ارتداء الحجاب، كما تحمي المرأة التي تختار عدم ارتدائه، مع احترام حرية الاختيار الفردي.
وانتقد المجلس بشدة جعل مراقبة لباس النساء جزءا من البرامج الانتخابية، معتبرا أن إقحام أجهزة الأمن وحفظ النظام في مراقبة زي النساء في الأماكن العامة يمثل انشغالا لا يرقى إلى مستوى التحديات الأمنية التي تواجه فرنسا.
وأشار في هذا السياق إلى أن قوات الأمن تحتاج إلى موارد وجهود أكبر لمواجهة الإرهاب والجريمة وتهريب المخدرات والعنف ومختلف أشكال انعدام الأمن، بدل تكليفها بمراقبة لباس النساء في الفضاء العام.
وحذر المجلس من محاولة نقل النقاش الانتخابي بعيدا عن القضايا الأساسية عبر استثمار مشاعر الخوف والترويج لخطاب الكراهية والانقسام، معتبرا أن مثل هذا التوجه قد يتحول إلى وسيلة للتغطية على العجز عن تقديم حلول للتحديات الحقيقية التي تواجه الفرنسيين.
ورفض المجلس الدعوات إلى حظر الحجاب في الأماكن العامة، معتبرا أنها تتعارض مع المبادئ الجمهورية، وفي مقدمتها حرية الضمير والحرية الفردية والعلمانية، ومحذرا من أن استهداف فئة محددة من المواطنين عبر إجراءات تشريعية قد يفتح الباب أمام التمييز والكراهية والعنف.
واستحضر المجلس، لدعم موقفه، مواقف السياسي الفرنسي أريستيد بريان خلال النقاشات التي سبقت إقرار قانون 1905 المتعلق بفصل الدين عن الدولة، مشيرا إلى تحذيره من إجراءات قد تعرض الجمهورية لـ”اتهامات التعصب والسخرية”، في مقابل الهدف الأساسي للقانون المتمثل في إرساء “نظام الحرية”.
ودعا المجلس القادة السياسيين إلى التحلي بالمسؤولية والحكمة، كما حث المواطنين المدافعين عن الحرية والمساواة والإخاء على المشاركة في النقاش السياسي وتنوير الرأي العام، مشددا على ضرورة عدم جعل ملايين الفرنسيين “رهائن للاستراتيجيات الانتخابوية»”، قائلا: “دعونا لا نستهدف النساء المسلمات”.