في وقت يتسارع فيه انتشار الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مختلف القطاعات، يتزايد النقاش في المغرب حول تأثير هذه التكنولوجيا على مستقبل سوق الشغل والوظائف والمهارات المطلوبة، وسط مخاوف من فقدان بعض المهن مقابل بروز أخرى جديدة. وبينما يتجه جزء من المهام المتكررة نحو الأتمتة، يبرز تحدي تأهيل الكفاءات الوطنية لمواكبة التحولات المرتقبة والاستفادة من الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بما يضمن ألا يتحول المغرب إلى مجرد سوق مستهلك للتكنولوجيا، بل إلى فضاء لإنتاج القيمة والابتكار.
وفي هذا السياق، أكد الخبير في التحول الرقمي في مجال العدالة والباحث في الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون، رشيد أشنين، أن النقاش اليوم لم يعد يتمحور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظائف المغاربة، بل حول الكيفية التي ستعيد بها هذه التكنولوجيا تشكيل الوظائف والمهن والمهارات داخل الاقتصاد الوطني، مبرزا أن التحول الحالي يمثل انتقالا تدريجيا من نموذج يستخدم فيه الإنسان الأدوات الرقمية إلى نموذج تنفذ فيه الأنظمة الذكية جزءا من المهام نيابة عنه.
وأوضح المتحدث ذاته في تصريح لجريدة “العمق”، أن الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي سيظهر على مستوى المهام ومحتوى الوظيفة قبل أن ينعكس على اختفاء مهن أو ظهور أخرى، مشيرا إلى أن المهن الأكثر عرضة للتحول خلال السنوات المقبلة هي تلك التي تعتمد على الأعمال المتكررة والقابلة للمعالجة الآلية، مثل إدخال البيانات، وخدمة الزبناء، والمعالجة الإدارية الروتينية، وإعداد التقارير، وبعض أشكال الترجمة والتحرير، إضافة إلى المهام المحاسبية والبرمجية، ومفضلا استخدام مصطلح تحول المهنة بدل اختفائها استنادا إلى التجارب التاريخية التي تؤكد أن التكنولوجيا تلغي مهاما وتخلق أخرى.
وأضاف الخبير الرقمي أن الموظف أو المهني في المستقبل لن ينافس الذكاء الاصطناعي بل سيعمل معه جنبا إلى جنب، ممثلا لذلك بالمحاسب الذي يحلل المعطيات آليا، والمبرمج الذي يوجه وقته لتصميم الحلول بدل كتابة الشفرات، وكذا الصحفي الذي سيصبح أكثر حاجة إلى التحقق والتحرير، مبرزا أن القيمة المهنية ستنتقل من مجرد تنفيذ المهمة إلى القدرة على توجيه التكنولوجيا والتحقق من نتائجها واتخاذ القرارات المناسبة بناء عليها.
وأشار الباحث إلى أن المهارة الأكثر قيمة في سوق الشغل المغربي لن تقتصر على معرفة استعمال أداة معينة تتغير بسرعة، بل ستكمن في امتلاك مزيج من المعرفة المهنية والقدرة الرقمية والوعي بالبيانات والتفكير التحليلي، مؤكدا أن المستقبل سيفتح أبوابه لكل من المحامي والطبيب والموظف والصحفي والمدرس القادرين على إدماج هذه الأنظمة في مهنهم بشكل مسؤول وفعال، وليس لمهندسي الذكاء الاصطناعي فحسب.
وتابع أشنين تحليله للوضع في المغرب، مشددا على ضرورة عدم الاقتصار على استهلاك أدوات الشركات الدولية، والانتقال نحو بناء اقتصاد ينتج القيمة من البيانات والكفاءات الوطنية، وهو ما يتطلب في نظره الاستثمار المستمر في التكوين والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والشركات الناشئة، مع ربط الجامعات بحاجيات الاقتصاد الفعلية، معتبرا أن بناء هذه المنظومة سيجعل من الذكاء الاصطناعي رافعة للإنتاجية وليس مجرد أداة لأتمتة الوظائف.
وأفاد المصدر ذاته بأن التحول القادم سيفرز مهنا لا يمكن تحديد مسمياتها بدقة اليوم لكونها ستتولد من تقاطع التكنولوجيا مع القطاعات التقليدية، ذاكرا منها حوكمة البيانات، وتدقيق الأنظمة الذكية، وإدارة الوكلاء الذكيين، وتصميم سير العمل بين الإنسان والآلة، إلى جانب وظائف مستحدثة مرتبطة بالبنية التحتية كالحوسبة السحابية والأمن السيبراني والطاقة.
واعتبر الخبير أن المقياس الحقيقي لنجاح هذا التحول في المغرب لا ينبغي أن يرتكز على عدد الوظائف المعوضة بالآلة، بل على القدرة على رفع إنتاجية العامل المغربي وخلق وظائف ذات قيمة مضافة، متسائلا عن كيفية استثمار الوقت الذي ستحرره التكنولوجيا، ومحذرا من التحول إلى مجرد سوق مستهلكة في حال الاكتفاء باستيراد التقنيات دون تطوير القدرات المحلية والابتكار.
وأبرز المتحدث أن السنوات المقبلة ستفرض إعادة تعريف مفهوم الكفاءة المهنية، حيث لن تكفي الشهادة الجامعية والخبرة وحدهما، بل سيصبح التعلم المستمر وإعادة اكتساب المهارات والعمل المشترك بين الإنسان والآلة من الركائز الأساسية في العديد من القطاعات، مشددا على أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني فقط يمثل خطأ فادحا، لكونه مشروعا لإعادة تصميم العمل والمؤسسات يستوجب الجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا والإنسان.
ولفت المصدر الانتباه إلى أن سوق الشغل المستقبلي لن يكون خاليا من البشر، بل سيعتمد فيه الإنسان بشكل أكبر على الأنظمة الذكية، لترتبط قيمته بما تعجز الآلة عن فعله كفهم السياق وتحمل المسؤولية والإبداع والتواصل، مبينا أن التحدي الفعلي أمام المملكة ليس حماية الوظائف بصيغتها الحالية بل إعداد المواطن المغربي للوظائف المقبلة.
وقال الباحث إن خصوصية سوق الشغل المغربي تتطلب دقة في التعامل مع هذا التأثير، نظرا لاختلاف بنيته عن الاقتصادات شديدة الأتمتة، موضحا أن المغرب يمتلك كفاءات شابة واقتصادا متنوعا، لكنه يواجه تحديات التشغيل غير المهيكل والفوارق في الولوج إلى التكنولوجيا، مما يعني أن أثر التحول لن يكون موحدا، حيث ستتأثر الخدمات والصناعة الرقمية بسرعة، بينما ستظل الأنشطة الفلاحية والحرفية أقل عرضة للأتمتة المباشرة في المدى القريب.
وكشف أشنين أن التحدي الأكثر إلحاحا للمغرب يتمثل في خلق وظائف جديدة للشباب الوافد على سوق الشغل، داعيا إلى النظر للذكاء الاصطناعي كفرصة لخلق أنشطة وخدمات مبتكرة، خاصة عبر استثمار الموقع الجغرافي والكفاءات متعددة اللغات، مبرزا أن التمكن من العربية والدارجة والأمازيغية والفرنسية والإنجليزية يشكل ميزة تنافسية قوية في تطوير المحتوى والخدمات الرقمية، شريطة الاستثمار في جودة البيانات اللغوية المحلية.
وخلص الخبير في تصريحه إلى أن السؤال المحوري يكمن في كيفية توزيع مكاسب وتكاليف هذا التحول الذي بدأ فعليا، لتفادي توسيع الفوارق بين من يمتلكون المهارات ومن يفتقدونها، مؤكدا أن نجاح المغرب لن يقاس بعدد المنصات المعتمدة، بل بالقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى إنتاجية أعلى وفرص أجود وكفاءات وطنية قادرة على المنافسة دوليا، مع التوازي بين الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا.