المهدي قيل: اضطراب سوق النفط يضع الاقتصاد المغربي أمام ضغوط على الواردات والأسعار
قال الدكتور المهدي قيل، الخبير في الاقتصاد والتدبير والأستاذ المشارك بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن التطورات الأخيرة التي شهدتها السعودية أضافت ضغطاً جديداً على سوق النفط العالمية، في وقت تتداخل فيه اضطرابات الإنتاج والنقل والتكرير مع انخفاض المخزونات وارتفاع حالة عدم اليقين، محذرا من اختزال انعكاسات هذه التطورات على المغرب في سعر برميل النفط وحده.
وأوضح قيل، في تصريح لجريدة “العمق”، أن وزارة الطاقة السعودية أعلنت إيقاف خط أنابيب “شرق غرب” احترازيا عقب تعرضه لاعتداءات في 10 شتنبر 2026، مبرزا أن أهمية هذا الخط تكمن في نقله الخام إلى ساحل البحر الأحمر، بما يوفر منفذا بديلا عن مضيق هرمز.
وأضاف أن تعطل هذا المسار، في سياق اضطراب الملاحة الإقليمية، من شأنه تقليص مرونة الإمدادات حتى من دون تغير حجم الاحتياطيات النفطية المتاحة، مشيرا إلى أن هذا التطور يندرج ضمن اختلال أوسع يجمع بين تعطل الإنتاج وارتفاع مخاطر النقل والضغط المتزايد على قدرات التكرير.
واستنادا إلى تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في 11 شتنبر، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الإنتاج العالمي انخفض خلال غشت إلى 100.1 مليون برميل يومياً، بتراجع شهري بلغ 1.6 مليون برميل، بينما ظل أكثر من 10 ملايين برميل يوميا من إنتاج الخليج متوقفا بفعل المخاطر الأمنية.
واعتبر قيل أن هذه الأرقام تعكس صدمة تمس الإمدادات الفعلية، ولا تتعلق فقط باستجابة مالية للأسواق تجاه أخبار التوتر، لافتا إلى أن تداولات 16 شتنبر أظهرت وصول العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 108.16 دولارات للبرميل، مقابل 104.63 دولارات لخام غرب تكساس الوسيط، قبل تراجع الأسعار إثر ورود أنباء عن توفير شحنات سعودية إضافية عبر سلطنة عمان.
وشدد المتحدث على أن هذه المستويات سجلت أثناء التداول ولا تمثل أسعار إغلاق نهائية، لكنها تكشف، بحسبه، سرعة استجابة السوق للمعلومات المتعلقة باستمرارية الإمدادات وتوافر مسارات بديلة لنقلها.
ضغط يتجاوز سعر الخام
وأكد قيل أن الاختلال الحالي لا يقتصر على النفط الخام، إذ سجلت وكالة الطاقة الدولية ارتفاعا قياسيا في هوامش التكرير بمنطقة الأطلسي خلال غشت، خصوصا نتيجة شح الغازوال، في وقت قدرت فيه انخفاض المخزونات النفطية العالمية المرصودة بنحو 507 ملايين برميل منذ فبراير.
وأوضح أن الدلالة الاقتصادية لهذه الأرقام تكمن في تقلص الهوامش المتاحة لامتصاص الاضطرابات، باعتبار أن المخزونات تستطيع تخفيف الصدمة مؤقتا، لكنها لا يمكن أن تعوض بصورة دائمة تدفقات الإنتاج والتصدير المتوقفة.
ويرى الخبير الاقتصادي أن محدودية قدرة الأسواق على التكيف السريع تفسر جانبا من ارتفاع الأسعار، ذلك أن شركات النقل والمصانع لا تستطيع تغيير مصادر طاقتها أو تجهيزاتها بشكل فوري، كما أن تعويض الإمدادات المتوقفة يتطلب توافر ثلاثة عناصر في الوقت نفسه، هي الإنتاج والنقل والتكرير.
وتابع أن اختلالا محدودا في إحدى حلقات هذه السلسلة قد يقود إلى زيادة في التكلفة تتجاوز نطاقه المباشر، خصوصا عندما تتزامن الحاجة إلى التزود بالطاقة مع انخفاض المخزونات وارتفاع عدم اليقين.
ومن هنا، شدد قيل على ضرورة التمييز بين سعر النفط الخام وتكلفة الطاقة المستوردة، موضحا أن الأخيرة لا تتحدد بسعر البرميل وحده، وإنما تشمل كذلك سعر المنتج المكرر وكلفة الشحن والتأمين والتخزين وسعر الصرف.
وبناء على ذلك، أضاف المتحدث، قد يتراجع سعر الخام في الأسواق الدولية من دون أن يقابله انخفاض مماثل وفوري في تكلفة الغازوال، إذا ظلت اختناقات التكرير أو النقل قائمة.
حسابات المنتجين والمستهلكين
وفي قراءته للآثار المحتملة على المدى المتوسط، اعتبر قيل أن قرارات المنتجين والمستهلكين والأطراف المتنازعة ينبغي النظر إليها باعتبارها قرارات مترابطة، لأن نتائج اختيار كل طرف تتوقف بدورها على استجابات الأطراف الأخرى.
وأوضح أن زيادة الإنتاج أو تكوين المخزونات أو تغيير مسارات الإمداد لا تؤثر في صاحب القرار وحده، وإنما تعيد تشكيل حوافز بقية الفاعلين في السوق، وهو ما يسمح، وفق تحليله، بدراسة المسارات المحتملة من دون افتراض معرفة مسبقة بالنوايا السياسية أو الجزم بالاتجاه المستقبلي للأسعار.
وبالنسبة إلى الدول المنتجة، قال الخبير إن المفاضلة تقوم بين عائد البرميل والحصة السوقية واستدامة الطلب، إذ يمكن للمنتج القادر على مواصلة التصدير أن يستفيد من ارتفاع الأسعار، غير أن استمرار هذه المستويات قد يدفع المستهلكين إلى تقليص الاستهلاك وتسريع الاستثمار في البدائل.
وأضاف أن زيادة إنتاج دولة واحدة يمكن أن تمنحها مكسبا، بينما قد تؤدي زيادة جماعية في الإنتاج إلى خفض الأسعار، وهو ما يعني أن المصلحة الفردية الآنية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الجماعية طويلة الأجل، فضلا عن أن تعطل منافذ التصدير قد يقيد عمليا تنفيذ أي قرار بزيادة العرض.
أما بالنسبة إلى العلاقة بين الأطراف المتنازعة، فأبرز قيل ما وصفه بـ”معضلة الالتزام”، موضحا أن التهدئة يمكن أن تحقق منفعة اقتصادية مشتركة، لكن كل طرف قد يتردد في تقديم تنازل إذا لم يكن واثقا من استمرار التزام الطرف الآخر.
وفي هذا السيناريو التحليلي، تصبح الضمانات وآليات التحقق وتسلسل الإجراءات، وفق المتحدث، عوامل مؤثرة في استقرار الإمدادات، لأن إمكان التعاون لا يعني تحققه بصورة تلقائية حتى عندما تكون تكلفة استمرار الاضطراب مرتفعة.
ثلاثة مسارات محتملة
وأشار قيل إلى أن الدول المستوردة تواجه بدورها معضلة تنسيق، فإذا سعت جميعها إلى زيادة مخزوناتها في الوقت نفسه، يمكن أن يؤدي السلوك الاحترازي، الذي يبدو منطقيا بالنسبة إلى كل دولة على حدة، إلى زيادة الضغط على الأسعار بصورة جماعية.
وفي المقابل، يمكن لتنسيق استخدام الاحتياطيات وتبادل المعلومات أن يحد، بحسبه، من عمليات الشراء المتزامنة المدفوعة بالخوف، وإن كان ذلك لا يغني عن ضرورة استعادة التدفقات المنتظمة للإمدادات.
وانطلاقا من هذه العناصر، حدد الخبير الاقتصادي ثلاثة مسارات يمكن تصورها خلال الأشهر الاثني عشر إلى الأربعة والعشرين المقبلة، يتمثل أولها في استقرار تدريجي يسمح بعودة الإمدادات وتراجع علاوة المخاطر، بينما يقوم المسار الثاني على استمرار اضطرابات متقطعة تجعل التقلب في حد ذاته، وليس مستوى السعر فقط، عبئا على الاستثمار والتعاقد.
أما المسار الثالث، فيتمثل في امتداد فترة التعطل بما يفرض تكيفا أشد من خلال تقليص الاستهلاك والإنتاج، مستدركا بأن المعطيات المتاحة حاليا لا تسمح بإسناد احتمالات إحصائية موثوقة لأي من هذه السيناريوهات.
وفي السياق نفسه، دعا قيل إلى الانتباه إلى الافتراضات التي تقوم عليها توقعات أسعار النفط، مستشهدا بتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الصادر في 9 شتنبر، والذي رجح انخفاض متوسط سعر خام برنت إلى 74 دولارا خلال 2027، بافتراض تحسن الإنتاج وإعادة بناء المخزونات.
غير أنه نبه إلى أن مدخلات هذا التوقع أغلقت في 3 شتنبر، أي أنها لا تشمل التطورات التي حدثت بعد ذلك التاريخ، ولذلك ينبغي، في نظره، التعامل مع رقم 74 دولارا باعتباره نتيجة مشروطة بمجموعة من الافتراضات، وليس مسارا مؤكدا للأسعار.
المغرب أمام كلفة الاستيراد
وبخصوص انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد الوطني، أكد قيل أن الصدمة تمر أولا عبر الواردات، مع خصوصية تتمثل في اعتماد تزويد السوق المغربية بالغازوال والبنزين على الاستيراد منذ توقف المصفاة الوحيدة سنة 2015.
وأوضح أن درجة تعرض المغرب للصدمات النفطية لا تتحدد، تبعا لذلك، بسعر الخام وحده، وإنما كذلك بتكلفة المشتقات النفطية الجاهزة ومدى توافرها في السوق الدولية.
وأشار إلى أن بيانات مكتب الصرف الخاصة بالنصف الأول من 2026 أظهرت ارتفاع الفاتورة الطاقية بنسبة 28.9 في المائة، بما يعادل زيادة قدرها 15.394 مليار درهم مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، فيما ساهمت مشتريات الغازوال والفيول وحدها بزيادة بلغت 11.074 مليار درهم.
وأكد أن هذه التطورات تشكل ضغطا على المدفوعات الخارجية للمملكة، لكنها لا تمثل مقياسا لأثر الأسعار بمفردها، لأن قيمة الواردات تتأثر أيضا بالكميات المستوردة وتركيبة المنتجات، فضلا عن أن الفاتورة الطاقية تضم مصادر طاقة أوسع من النفط وحده.
وأوضح قيل أنه، مع ثبات باقي العوامل، يؤدي ارتفاع تكلفة الواردات إلى توسيع العجز التجاري، غير أن انتقال هذا الأثر إلى الحساب الجاري يتوقف كذلك على أداء الخدمات والتحويلات وباقي المداخيل الخارجية.
وفي هذا الصدد، أبرز أن معطيات مكتب الصرف إلى نهاية يونيو 2026 سجلت ارتفاع صادرات الخدمات بنسبة 13.1 في المائة لتصل إلى 193.4 مليار درهم، بالتوازي مع نمو مداخيل السفر وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، وهي تدفقات يمكن أن تؤدي دورا موازنا، من دون أن يعني ذلك أنها تعوض بصورة كاملة الزيادة المسجلة في الفاتورة الطاقية.
التضخم ليس آليا
وفي ما يتعلق بالأسعار، شدد الخبير الاقتصادي على أن التضخم لا يستجيب لتحركات النفط بطريقة آلية أو متجانسة، موضحا أنه في يونيو 2026 انخفض مؤشر أسعار الاستهلاك بالمغرب بنسبة 0.6 في المائة على أساس سنوي، بينما ارتفعت أسعار قسم النقل بنسبة 4.1 في المائة.
وقال إن هذه الأرقام تظهر إمكان تزامن ضغوط سعرية داخل قطاع معين مع انخفاض المؤشر العام للأسعار، نتيجة تراجع مكونات أخرى، وعلى رأسها الغذاء، محذرا في الوقت نفسه من إرجاع الزيادة المسجلة في أسعار النقل بالكامل إلى النفط من دون تفكيك مكونات المؤشر.
وأضاف أنه إذا استمرت تكلفة الوقود عند مستويات مرتفعة، فمن الممكن أن تنتقل آثارها إلى أسعار السلع والخدمات عبر النقل والتوزيع والإنتاج، غير أن سرعة هذا الانتقال وحجمه سيظلان مرتبطين بعوامل من بينها مستوى المنافسة وطبيعة العقود وحجم المخزونات وقدرة المقاولات على امتصاص الزيادات.
وتبعا لذلك، أوضح قيل أن الصدمة لا تظهر بالضرورة كاملة في الأسعار، بل يمكن أن تنعكس أيضا في انخفاض هوامش أرباح المقاولات أو تراجع القدرة الشرائية للأسر أو تأجيل الاستثمارات.
النمو والتشغيل تحت الضغط
وعلى مستوى النمو والتشغيل، ربط قيل الخطر المحتمل بارتفاع تكاليف المقاولات وتقلص الدخل الحقيقي للأسر، إلى جانب احتمال ضعف الطلب الخارجي في حال تباطؤ اقتصادات الشركاء التجاريين للمغرب.
لكنه شدد على أنه لا يمكن تحديد عدد نقاط النمو أو حجم الوظائف التي قد تتأثر من دون إنجاز تقدير اقتصادي يأخذ بعين الاعتبار الموسم الفلاحي والاستثمار والطلب والاستجابة العمومية، مؤكدا أن النفط يظل عاملا مؤثرا لكنه لا يفسر بمفرده مسار الاقتصاد المغربي.
وفي ما يتعلق بالمالية العمومية، اعتبر الخبير أن السلطات تواجه مفاضلة بين تخفيف الصدمة والمحافظة على الموارد المتاحة لتمويل الإنفاق العمومي، إذ يمكن للدعم الإضافي أو التخفيضات الضريبية، إذا تقررت، أن يخففا التكلفة الآنية على المستفيدين، لكنهما يرتبان في المقابل تكلفة على الميزانية.
وفي هذا السياق، أشار إلى دعوة صندوق النقد الدولي إلى تفضيل التحويلات المؤقتة والموجهة على الدعم الشامل في مواجهة الصدمات الطاقية، بما يسمح بتقليص العبء المالي والحفاظ في الوقت نفسه على حوافز ترشيد استهلاك الطاقة، معتبرا أن نجاح هذا الخيار يظل رهينا بدقة الاستهداف وفعالية التنفيذ.
الفائدة والدرهم والاحتياطيات
وبخصوص السياسة النقدية، أوضح قيل أن طبيعة الاستجابة تتوقف على مدى انتشار الصدمة واستمرارها، لأن رفع سعر الفائدة لا يستطيع تعويض النفط المفقود من السوق، لكنه قد يساعد في احتواء الآثار الثانوية إذا انتقلت الزيادات إلى توقعات التضخم والأجور والأسعار على نطاق واسع.
وفي المقابل، نبه إلى أن رفع الفائدة قد يزيد تكلفة تمويل الاستثمار، ولذلك ينبغي التمييز بين زيادة نسبية في أسعار الطاقة وبين تحول هذه الزيادة إلى دينامية تضخمية مستمرة.
وشدد المتحدث على ضرورة اعتماد التحفظ نفسه عند تقييم انعكاسات الصدمة على سعر صرف الدرهم واحتياطيات البلاد من العملة الصعبة، موضحا أن ارتفاع تكلفة الطاقة يزيد بالفعل الحاجة إلى العملات الأجنبية، لكنه لا يسمح، بمفرده، بالجزم بانخفاض قيمة الدرهم أو تراجع الاحتياطيات، لأن النتيجة النهائية تتوقف على مجموع التدفقات الخارجية ومصادر التمويل والسياسات المتبعة.
كيف يقلص المغرب المخاطر؟
وعن الخيارات المتاحة للمغرب، أبرز قيل أهمية تنويع الموردين ومسارات الإمداد، وتقييم مستويات المخزونات بحسب المنتجات، إلى جانب تحسين شفافية انتقال تحركات الأسعار الدولية إلى السوق الداخلية.
وعلى المدى المتوسط، اعتبر أن تحسين الكفاءة الطاقية وتطوير النقل الجماعي وكهربة الاستخدامات التي تسمح طبيعتها بذلك يمكن أن تقلل تعرض الاقتصاد الوطني للمحروقات المستوردة.
غير أنه نبه إلى أن توسيع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة لا يعني تلقائيا تعويض وقود النقل، لأن تحقيق ذلك يستلزم تجهيزات وشبكات واستثمارات مكملة تسمح بتحويل استخدامات الطاقة فعليا.
وخلص الدكتور المهدي قيل إلى أن الرهان الاقتصادي الأساسي بالنسبة إلى المغرب يتمثل في تقليص تكلفة التكيف مع اضطرابات سوق الطاقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة الإنتاجية والتوازنات المالية والخارجية، مؤكدا أن استقرار سعر برميل النفط يظل متغيرا خارجيا لا يتحكم فيه المغرب، في حين تتحدد قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل تقلباته بدرجة تنوع الإمدادات وكفاءة الاستهلاك ومرونة السياسات الاقتصادية.
اترك تعليقاً