منتدى العمق

جامعة الجيل الرابع: طالب برتبة مستثمر وسرير بسعر البورصة

مع إشراقة كل خريف جامعي، تهبّ على الرأي العام نسائم البلاغات الحكومية المعطرة بمفردات الحداثة الفائقة؛ يتناوب المسؤولون على منصات الخطابة بنبرة واثقة، متحدثين عن “المسار المندمج”، و”التحول الرقمي الشامل”، و”جامعة الجيل الرابع” التي تكرس دعائم “الدولة الاجتماعية”. تستمع إلى تلك الخطب الوردية فتتخيل أن الطالب المغربي يدلف إلى كليته حاملاً بطاقة ذكية تفتح له أبواب المعرفة والسكن بلمسة زر، قبل أن تصدمه حقيقة الميدان: الحداثة الموعودة ليست سوى قشرة لغوية براقة تغطي نظاماً بيزنطياً أصيلاً، والتحدي الحقيقي في الجامعة ليس اجتياز امتحانات السداسي الأول، بل ابتكار حيل للبقاء على قيد الحياة.

تبدأ الملحمة من طوابير التسجيل، حيث يتبخر شعار “صفر ورقة” فور مواجهة شباك مصلحة الشؤون الطلابية. هناك، يجد الطالب نفسه مطالباً بملف كرتوني منتفخ بالوثائق، وعقود الازدياد، وشواهد السكن، والنسخ المصادق عليها، وكأنه يترشح لشغل منصب في وكالة الفضاء الدولية. ولتكتمل متطلبات “التمكين”، تفتقت عبقرية التدبير عن بدعة جديدة: إلزام الطالب بشراء بوليصة تأمين إجباري كشرط مسبق لسحب بطاقته الجامعية. أصبح العلم محفوفاً بالمخاطر الجسيمة التي تستوجب تغطية الحوادث، أو ربما هي إشارة استباقية لطيفة من الإدارة تُفهمه أن مشواره الأكاديمي برمته مجرد مغامرة غير محسوبة العواقب.

لكن الكوميديا السوداء تبلغ ذروتها حين يخرج الطالب إلى الشارع باحثاً عن مأوى. فبينما تتحدث دفاتر التحملات عن توسيع الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية، يجد الطالب القروي نفسه وجهاً لوجه مع وحوش المضاربة العقارية. في مراكش على سبيل المثال، يطالعك سمسار بابتسامة صفراء ليعرض عليك شقة متواضعة في أطراف المدينة بسومة كرائية تبلغ 3000 درهم شهرياً، مع شرط صارم لا يقبل المساومة: “ممنوع أن يتجاوز عدد القاطنين أربعة رؤوس”، حرصاً من صاحب الملك على عدم استنزاف جدران الإسمنت.

هنا يجد طالب القانون والاقتصاد نفسه أمام لغز حسابي معقد يستعصي حتى على كبار منظري المالية العامة: حصة الفرد في هذه الشقة هي 750 درهماً بالتمام والكمال، مقابل نصف غرفة وبضع ساعات من النوم المشترك، دون احتساب فواتير الماء، والكهرباء التي تقفز فور شحن هاتف محمول، والاشتراك في شبكة الإنترنت الضرورية لمواكبة دروس “الجامعة الذكية”. في المقابل، يتقاضى الطالب الممنوح – إن ابتسم له الحظ وكان من “النخبة” المستفيدة – منحة هزيلة تقارب 1900 درهم للشطر، أي ما يعادل حسابياً نحو 600 درهم شهرياً في أفضل التقديرات.

كيف يمكن لكائن حي أن يدفع 750 درهماً وهو لا يملك في جيبه سوى 600 درهم؟ وكيف يتدبر نفقات الأكل، والشرب، والتنقل، وشراء المراجع بالرصيد المالي السالب؟

أمام هذا العجز الهيكلي الصارخ، يبدو أن واضعي السياسات العمومية يفترضون في الطالب قدرات خارقة لا تخضع لقوانين الطبيعة. الخيار الأول المتاح أمامه هو أن يطور طفرة جينية تُتيح له ممارسة “التمثيل الضوئي”، فيتغذى مباشرة على حرارة شمس مراكش الحارقة ومياه الصنابير العمومية للاستغناء نهائياً عن فكرة شراء الخبز.

أما الخيار الثاني، فهو الانخراط في “سوق العمل المرن”: أن يقضي عشر ساعات كل ليلة نادلاً في مقهى شعبي أو عاملاً في مركز نداء لتأمين فارق السومة الكرائية، ثم يتوجه صباحاً إلى مدرجات الكلية في حالة موت سريري، محققاً بذلك أسمى معاني “المسار المندمج” بين الإرهاق التام والغياب الذهني. وإذا استمر هذا الانسداد، فهل ينتظر المخططون أن يتحول طلبة الجامعات إلى ترويج الممنوعات في الأزقة الخلفية للأحياء الشعبية لتسديد أقساط التأمين ورسوم السماسرة؟

يبقى الخيار الأخير، والأكثر عقلانية في نظر كثيرين: أن يحزم الشاب حقيبته بهدوء، ويشتري تذكرة عودة إلى بلدته النائية، واضعاً شهادة الباكالوريا داخل إطار خشبي أنيق فوق جدار الصالون. حينها فقط يدرك الجميع أن التعليم العالي في بلادنا لم يعد حقاً اجتماعياً تضمنه الدولة الدستورية، بل تحول إلى استثمار تجاري وقح يتطلب ملاءة مالية وكفالات بنكية، لا تقل صرامة عن شروط الحصول على تأشيرة السفر إلى الضفة الأخرى.