مع كل محطة انتخابية، تظهر امامنا وجوه جديدة، وصفات مهنية متعددة، وتجارب مختلفة تقدم للمواطن باعتبارها عناصر قوة لدى المرشح.
ومن بين الصفات التي اصبحت تحضر بقوة في الخطاب الانتخابي، صفة «مقاول».
لكن السؤال هنا ليس: هل المقاول يصلح للسياسة؟
بالتاكيد، فالمقاولة الحقيقية تجربة، وتحمل للمسؤولية، وقدرة على اتخاذ القرار، وفهم للسوق والاقتصاد، وفي كثير من الحالات خلق لفرص الشغل. وكل هذه تجارب يمكن ان تكون قيمة مضافة داخل المؤسسات المنتخبة.
لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو اخر: متى تحولت صفة «مقاول» من تجربة مهنية حقيقية الى بطاقة انتخابية؟
في كل موسم انتخابي، نرى اشخاصا يقدمون انفسهم باعتبارهم مقاولين، وكأن مجرد حمل هذه الصفة يكفي ليمنح صاحبها صورة النجاح والكفاءة.
لكن ماذا تعني «مقاول» فعلا؟ هل تعني امتلاك مشروع حقيقي؟ هل تعني خلق فرص الشغل؟ هل تعني تحمل المخاطر والاستثمار؟ ام انها اصبحت في بعض الحالات مجرد صفة توضع بجانب الاسم، خصوصا عندما لا نجد وراءها تجربة واضحة او انجازا يمكن الحديث عنه؟
المشكلة هنا ليست في المقاول، وانما في اختزال الكفاءة السياسية في صفة مهنية واحدة. فالمواطن لا ينتخب نائبا ليدير شركة فقط، ولا ينتخبه ليقدم نفسه باعتباره ناجحا في حياته الخاصة. النائب يدخل مؤسسة لها وظائف محددة، من بينها التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والمشاركة في مناقشة القضايا التي تمس حياة المواطنين.
وهنا يصبح السؤال اكثر جدية: هل كل من نجح في مهنته الخاصة، بالضرورة قادر على ممارسة العمل التشريعي والرقابي؟
الجواب! في نظري، ليس بالضرورة.
كما ان العكس صحيح ايضا، عدم امتلاك الشخص لشهادة جامعية لا يعني تلقائيا انه غير قادر على ممارسة السياسة. فالكفاءة لا تختصر في الدبلوم، كما لا تختصر في المال، ولا في الشهرة، ولا في عدد المشاريع، ولا حتى في القدرة على الفوز بالانتخابات.
الكفاءة خليط من المعرفة، والخبرة، والقدرة على التحليل، والتواصل، وفهم المؤسسات، وتحمل المسؤولية، والقدرة على الدفاع عن مصالح المواطنين داخل مؤسسة يفترض ان يكون فيها النقاش مبنيا على الحجة والمعرفة.
وهنا نصل الى اشكالية اخرى اكثر حساسية. لقد شاهدنا، في مناسبات مختلفة، داخل المؤسسة التشريعية، مواقف وتصريحات ونقاشات تطرح اسئلة مشروعة حول مستوى بعض ممثلي الامة في القراءة والكتابة والتعبير وفهم الملفات التي يفترض ان يناقشوها. وهذا لا يتعلق بالسخرية من شخص بسبب مستواه الدراسي، ولا باعتبار الشهادة شرطا وحيدا لدخول البرلمان.
بل يتعلق بسؤال ابسط: هل يمتلك من يمثل المواطنين الحد الادنى من الادوات التي تمكنه من القيام بمهمته؟
لان البرلمان ليس منصة لعرض الالقاب المهنية. هو فضاء لصناعة القوانين، ومناقشة السياسات العمومية، ومراقبة الحكومة، والدفاع عن قضايا المواطنين.
وعندما يصبح لقب «مقاول» كافيا لتقديم شخص باعتباره «كفاءة»، دون ان نسال عن تجربته الحقيقية، وعن تكوينه، وعن قدرته على الفهم والتحليل والمشاركة، فنحن لا نعيد الاعتبار للمقاولة، بل نفرغ الكفاءة من معناها. والاخطر من ذلك اننا نرسل رسالة مربكة الى الشباب. كيف نقنع شابا قضى سنوات في الجامعة، ثم في التكوين والتخصص، او شابة بنت مسارا مهنيا وعلميا، بان الطريق الى التمثيل السياسي لا يحتاج بالضرورة الى معرفة او تجربة او انجاز، بقدر ما يحتاج الى صفة جذابة يمكن وضعها على ملصق انتخابي؟
هل اصبح المطلوب من الشاب ان يسال: من هو المرشح؟
ام ان السؤال الحقيقي يجب ان يكون: ماذا فعل هذا المرشح قبل ان يطلب مني ان امثله؟
المسألة لا تتعلق بامتلاك شركة او عدم امتلاكها. ولا تتعلق بكون المرشح جامعيا او غير جامعي. بل تتعلق بشيء ابسط واكثر اهمية: ماذا يستطيع ان يقدم؟
فقد يكون بين المرشحين مقاول حقيقي، بنى مشروعا وخلق فرص شغل، ويملك تجربة اقتصادية تستحق ان تصل الى البرلمان. وقد يكون بينهم استاذ، او طبيب، او مهندس، او محام، او باحث، او فاعل جمعوي، او شاب راكم تجربة ميدانية مهمة، ويمكن لكل واحد منهم ان يقدم قيمة مختلفة. المطلوب ليس برلمانا من فئة واحدة.
نحن لا نحتاج برلمانا من حملة الشهادات فقط، ولا برلمانا من رجال الاعمال فقط، ولا برلمانا من السياسيين المحترفين فقط. اننا نحتاج نخبا متعددة، لكن كفؤة. نحتاج من يعرف ماذا يعني ان يمثل الناس، وماذا يعني ان يشرع، وماذا يعني ان يراقب، وماذا يعني ان يتحمل مسؤولية الكلمة والموقف والقرار. لان لقب «مقاول» لا يصنع نائبا، كما ان لقب «الاستاذ» او «المهندس» او «الطبيب» لا يصنع نائبا. العمل والانجاز والمعرفة والقدرة على التمثيل هي التي تصنع الفارق.
وفي نهاية المطاف، ربما علينا ان نغير السؤال الذي نطرحه على المرشحين.
بدل ان نسال: من انت؟
قد يكون من الافضل ان نسال: ماذا انجزت؟ ماذا تعرف؟ وماذا تستطيع ان تقدم؟
فالمواطن لا يحتاج الى اسماء كبيرة على الملصقات، بقدر ما يحتاج الى ممثلين قادرين على حمل صوته داخل المؤسسات. وفي زمن اصبحت فيه صفة «مقاول» جزءا من لغة الحملات الانتخابية، يبقى السؤال مفتوحا:
هل ننتخب الصفة، ام ننتخب الكفاءة؟