انتخابات 2026

رسم طريقه بعدسة كاميرا الهاتف .. هكذا حجز أسامة باريك بطاقة العضوية في مجلس النواب

في إملشيل، حيث الجبل أقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية منه إلى مجرد منظر طبيعي، بدأ اسم أسامة باريك في التشكل. لم يكن الطريق إلى البرلمان يمر، بالنسبة إلى الشاب الثلاثيني، من المكاتب الحزبية أو من دهاليز التنظيمات السياسية.

كان الهاتف المحمول هو أداته الأولى، وكانت منصات التواصل الاجتماعي نافذته على منطقة ظل يتحدث عنها كثيرا، وينقل من خلالها ما يراه ويسمعه في الدواوير والمناطق الجبلية بإقليم ميدلت.

هناك، بين المسالك الجبلية والقرى المتباعدة، بنى عبد العزيز باريك، المعروف رقميا باسم أسامة باريك، صورته لدى المتابعين. مقاطع فيديو قصيرة، حديث مباشر، وشكاوى سكان تتحول أمام عدسة الهاتف إلى مادة للنقاش العمومي.

سنوات من هذا الحضور صنعت له اسما خارج الحسابات الحزبية التقليدية، قبل أن يقرر في يونيو الماضي الانتقال إلى العمل السياسي والترشح للانتخابات التشريعية بدائرة ميدلت.

لم تكن تلك الخطوة منفصلة عن ما سبقها. ففي المحتوى الذي قدمه خلال السنوات الأخيرة، حضرت قضايا التنمية في المناطق الجبلية بقوة، من ضعف البنيات التحتية إلى صعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، مرورا بمطالب السكان بفك العزلة وتحسين شبكات الكهرباء والأنترنت.

وكان إملشيل، على وجه الخصوص، واحدا من الأمكنة التي ارتبط بها حضوره الرقمي، بعدما واكب احتجاجات ومطالب اجتماعية وتنموية عرفتها المنطقة.

يحمل باريك تحت إبطه شهادة الإجازة في شعبة الجغرافيا. وبين تخصصه الجامعي واهتمامه بقضايا المنطقة خيط واضح في سيرته؛ فالمجال لم يكن بالنسبة إليه مجرد فضاء جغرافي، وإنما موضوعا دائما للأسئلة التي حملها إلى متابعيه.

الجبل، القرية، الطريق، المسافة، الخدمات، والعزلة؛ مفردات ظلت حاضرة في خطابه الرقمي، قبل أن تتحول إلى عناوين في حملته الانتخابية.

في يونيو 2026، أعلن قراره خوض الانتخابات البرلمانية، موضحا أن دخوله المجال السياسي جاء من أجل الترافع عن قضايا سكان المنطقة، خصوصا المناطق الجبلية التي تحدث عن الصعوبات التي تواجهها في مجالات الماء والكهرباء والطرق وفرص الشغل.

كان بذلك ينتقل من موقع من ينقل المطالب إلى موقع من يطلب تفويضا لتمثيل أصحابها.

خلال الحملة الانتخابية، لم يختفِ باريك خلف صورة المرشح التقليدي. ظل حاضرا بالطريقة التي عرفه بها متابعوه: قريبا من السكان، متحدثا معهم في الأسواق والقرى والدواوير، ومستفيدا من حضوره الرقمي في الوصول إلى جمهور راكمه قبل دخوله السباق الانتخابي.

وتناولت تغطيات صحفية حملته باعتبارها امتدادا لحضوره السابق في المنطقة، مع تركيزه على التواصل المباشر مع السكان وعلى الملفات التنموية التي جعلها محورا أساسيا في مساره.

لكن صباح 24 شتنبر كان مختلفا.

هذه المرة لم يكن الحديث عن فيديو جديد أو قضية محلية تناولها باريك أمام كاميرا هاتفه. كانت الأرقام القادمة من صناديق الاقتراع هي التي تتحدث.

أظهرت النتائج المعلنة أن باريك تصدر سباق دائرة ميدلت، وفاز بمقعد برلماني باسم حزب الوحدة والديمقراطية، بعد حصوله على 16 ألفا و450 صوتا، ما جعله في صدارة الدائرة الإنتخابية المذكورة.

وهكذا، خلال بضعة أشهر فقط، انتقل الاسم الذي عرفه الجمهور في الفضاء الرقمي بوصفه «أسامة باريك» إلى اسم سيحمل صفة جديدة داخل مؤسسة دستورية: نائب برلماني.

فالرجل الذي كان يصور مشاكل المنطقة من خارج المؤسسات، أصبح الآن داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون إحدى ساحات الدفاع عن القضايا التي جعلها محور حضوره العام.

من إملشيل إلى الرباط، تغير المكان وتغيرت الصفة، بينما بقيت الملفات التي رافقت مساره حاضرة في الخلفية: التنمية، العزلة، البنيات الأساسية، والخدمات التي ظل يتحدث عنها أمام كاميرا هاتفه.

حكاية بدأت قبل الانتخابات
لا تختصر قصة باريك في ليلة إعلان النتائج. فالصندوق الانتخابي كان آخر محطة في مسار بدأ قبل ذلك بسنوات، حين اختار أن يبني حضوره من منطقة جغرافية لم تكن دائما في مقدمة المشهد الإعلامي.

كان صانع محتوى حين كان يتحدث عن إملشيل، وظل كذلك حين تناول مشاكل سكانها، ثم أصبح مرشحا عندما قرر الانتقال إلى العمل السياسي.

واليوم، أصبح نائبا برلمانيا.

بين هذه المحطات الثلاث، تبدو سيرة أسامة باريك أقرب إلى حكاية انتقال تدريجي من الهامش الجغرافي إلى مركز القرار؛ انتقال بدأ بكاميرا هاتف، واستمر عبر قضايا السكان، وانتهى بصندوق اقتراع منح صاحب الاسم الرقمي مقعدا في مجلس النواب.

في ميدلت، لم يعد باريك مجرد شخص يصور الطريق الصعب ويتحدث عن القرية البعيدة. صار هو نفسه جزءا من قبة البرلمان، تلك المؤسسة الدستورية التي يُنتظر منها أن تنظر في القوانين والسياسات والاختيارات التي تمس تلك القرى والطرق والخدمات.

وهنا تبدأ، في الواقع، المرحلة الجديدة من قصته.