ما إن أُعلنت نتائج الانتخابات التشريعية حتى انتقل النقاش العمومي من سؤال «من فاز؟» إلى سؤال «من الأنسب؟». فقد تعددت الأصوات والتحليلات التي تتداول أسماء لرئاسة الحكومة من داخل الحزب المتصدر، غير اسم منسقة قيادته الجماعية فاطمة الزهراء المنصوري، فمن يتوقع فوزي لقجع، تم عبد اللطيف وهبي، وحكيم بنشماش و غيرهم.
هذا النقاش مشروع في حد ذاته. فلكل اسم من هذه الأسماء مساره ورصيده، وتعدد الكفاءات داخل حزب واحد علامة غنى لا أزمة. غير أن المنطق الذي يؤطر هذا التداول يستحق التأمل، لأنه يطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص: ما المعيار الذي ينبغي أن يحكم اختيار رئيس الحكومة في نظام دستوري ربط هذا المنصب بنتائج الاقتراع؟
يجعل الفصل 42 من الدستور الملك ساهراً على «صيانة الاختيار الديمقراطي». ويقضي الفصل 47 بأن يعيَّن رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. النص يربط الاختيار بالحزب، لكنه لا يسمّي الشخص، ويترك بذلك هامشاً تقديرياً واضحاً.
غير أن الممارسة منذ 2011 رسّخت عرفاً مستقراً في استعمال هذا الهامش: تعيين رئيس الحزب المتصدر. هكذا عُيّن عبد الإله بنكيران سنة 2011 ثم سنة 2016، وعزيز أخنوش سنة 2021. وحتى حين تعذّر تشكيل الحكومة سنة 2017، لم يخرج الاختيار عن منطق الحزب ومؤسساته، إذ عُيّن سعد الدين العثماني، الرجل الثاني في هرم الحزب ورئيس مجلسه الوطني آنذاك. ثم انتخبه المؤتمر الوطني للحزب أميناً عاماً في دجنبر من السنة نفسها، فالتقت رئاسة الحكومة بقيادة الحزب من جديد.
دلالة هذا العرف واضحة. فالهامش الذي يتيحه النص لم يُستعمل لانتقاء من يُقدَّر أنه الأكفأ، بل لاحترام القيادات التي أفرزتها الأحزاب نفسها. أي أن الاختيار الديمقراطي جرى تحصينه من التقديرات الذاتية، مهما بدت وجيهة.
تستند التحليلات المتداولة لاختيار رئاسة الحكومة إلى معايير مختلفة: الإسهام في النتائج الانتخابية، أو الأقدمية الحزبية، أو الخبرة التدبيرية. وكلها معايير قابلة للنقاش داخل الحزب. لكن تحويلها إلى أساس لاختيار رئيس الحكومة يصطدم بصعوبتين.
الأولى أن المغاربة صوّتوا في انتخابات تشريعية لاختيار ممثليهم، لا في انتخابات رئاسية لاختيار رئيس الحكومة بالاسم. والثانية أن هذه المعايير لا تملك مقياساً متفقاً عليه. فمن يحدد الإسهام الأكبر؟ وكيف توزن الأقدمية مقابل الخبرة؟ في غياب جواب مؤسساتي، تصبح المفاضلة رهينة التأويلات.
ثم يأتي السؤال الأهم، فللمسألة وجه يكاد يغيب عن هذا النقاش: ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لنفترض أن فاطمة الزهراء المنصوري عُيّنت رئيسة للحكومة ثم أخفقت. من سيُحاسَب؟ الجواب واضح: الحزب الذي اختارها لقيادته، وخاض الانتخابات تحت قيادتها بصفتها منسقة قيادته الجماعية. هكذا تجري الأمور في الديمقراطيات، وهكذا جرت عندنا. فقد حاسب الناخبون حزب العدالة والتنمية على عشر سنوات من قيادة الحكومة، فتراجع سنة 2021 من 125 مقعداً إلى 13.
أما إذا تم تعيين اسم آخر من خارج القيادة التي أفرزها الحزب، أياً كانت كفاءته، ثم أخفق، فعلى من سيقع وزر الاختيار؟ الحزب لم يقدّمه قائداً، والناخبون لم يصوّتوا تحت قيادته. وهكذا قد تتوزع المسؤولية على نحو يصعب معه على المواطن أن يعرف من يحاسب.
هذه الإشكالية حاضرة في الفكر السياسي منذ ماكس فيبر. ففي محاضرته «السياسة كمهنة»، ميّز فيبر بين الموظف الذي ينفّذ، والسياسي الذي يتحمل «أخلاق المسؤولية» عن نتائج قراراته أمام من منحوه الثقة. وجعل برنار مانان من الفكرة نفسها ركناً في الحكومة التمثيلية: الناخب لا يحكم بنفسه، لكنه يحاكم الحاكمين بأثر رجعي عند كل اقتراع، وهي محاكمة لا تستقيم إلا إذا عرف من يحاسب. وقد بيّنت الدراسات المقارنة، ومنها أعمال بينغهام باول حول «وضوح المسؤولية»، أن التصويت العقابي يفقد فعاليته كلما تشتتت المسؤولية.
والتجارب المقارنة تؤكد ذلك. ففي إيطاليا، ترأس ماريو مونتي سنة 2011 حكومة تقنية من خارج المنطق الحزبي. ويرى عدد من الباحثين أن غياب جهة واضحة للمحاسبة عند الاستحقاق التالي أسهم في توزيع الاستياء على الجميع، وفي صعود قوى احتجاجية جديدة. وفي المغرب نفسه، حين عُيّن إدريس جطو وزيراً أول سنة 2002 رغم تصدّر الاتحاد الاشتراكي للانتخابات، اعتبر الحزب ذلك خروجاً عن «المنهجية الديمقراطية». وكان ذلك النقاش من الخلفيات التي مهّدت لدسترة ربط رئاسة الحكومة بنتائج الاقتراع في دستور 2011.
وهنا تتجلى حكمة العرف الذي كرّسه الملك. فحين يعيّن رئيسا للحكومة من اختاره الحزب قائداً، يضع المسؤولية حيث ينبغي أن تكون: على الحزب أمام الناخبين.
من هذه الزاوية، يؤدي العرف القائم وظيفة مزدوجة. فهو يضع المسؤولية على الحزب أمام الناخبين. ويُبقي المؤسسة الملكية، بوصفها حكَماً فوق التنافس الحزبي، بمنأى عن تبعات اختيار قد يُنسب إليها إن هو خرج عن منطق الحزب.
و في سياق متصل، يطرح النقاش أيضاً سؤالاً حول مكانة القيادة الحزبية. فالمنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، وعمدة مراكش، ووزيرة سابقة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. وقد احتفظت بمقعدها في دائرة مراكش المدينة–سيدي يوسف بن علي في الانتخابات التي تصدّرها حزبها. وفي الندوة الصحافية التي أعقبت النتائج، أكدت أن تعيين رئيس الحكومة من اختصاص الملك وأنها تحترم قراره.
يمكن تقييم حصيلتها بما لها وما عليها، ومساءلتها عن تجربتها الحكومية والمحلية والحزبية، وذلك من صميم الحياة الديمقراطية. كما أن من حق الحزب أن يناقش داخلياً، وعبر مؤسساته، من يراه الأصلح. غير أن الفرق كبير بين نقاش داخلي تحسمه هياكل الحزب، وبين نقاش عمومي يتعامل مع القيادة القائمة كأنها مرحلة انتقالية بانتظار اسم آخر.
ولا يمكن إغفال بُعد آخر يطرحه هذا النقاش. فكثيراً ما يُنتظر من النساء اللواتي يبلغن مواقع القيادة أن يُبدين استعداداً للتنحي أكثر مما يُنتظر من نظرائهن الرجال. ليس المطلوب منح أي امتياز على أساس النوع. المطلوب فقط أن تُطبَّق المعايير نفسها على الجميع، وأن يُسأل: هل كان النقاش سيأخذ الشكل نفسه لو تعلق الأمر برئيس حزب من الرجال؟
في النهاية، لا تضمن الديمقراطية أن يصل من يراه كل واحد منا الأفضل، ولا أن تنسجم النتائج مع تقديرات المحللين. وظيفتها أن تضع قواعد واضحة للاختيار والمحاسبة، وأن يلتزم بها الجميع، بمن فيهم من لا تأتي النتائج على هواهم.
لذلك فالسؤال المطروح اليوم ليس المفاضلة بين المنصوري ولقجع ووهبي وبنشماش أو غيرهم. السؤال هو: هل نحتكم إلى القاعدة التي كرّسها الدستور ورسّختها الممارسة، والتي تجعل الحزب مسؤولاً أمام الناخبين عمن يقدّمه؟ أم نفتح الباب أمام معايير تقديرية يصعب ضبطها، ويصعب معها أن نعرف غداً من يُحاسَب؟
إن قوة أي نظام ديمقراطي لا تقاس فقط باحترام مؤسساته للقواعد، بل أيضاً بقدرة نخبه على الاحتكام إليها، حتى حين لا تأتي بالنتيجة التي كانت تفضّلها.