خلصت دراسة صادرة عن وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات إلى أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 فتح الطريق أمام الحزب لقيادة الحكومة الجديدة، بعدما عين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيلها، فيما باتت مهمة الحزب الأساسية تتمثل في بناء أغلبية برلمانية قادرة على ضمان دعم الحكومة داخل مجلس النواب.
وترجح الدراسة أن يكون تجديد التحالف الذي جمع خلال الولاية السابقة حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال أحد الخيارات المطروحة بقوة، بالنظر إلى أن الائتلاف الحكومي السابق لم يشهد خلافات جوهرية بين مكوناته، باستثناء بعض التباينات التي ظهرت بين “البام” والأحرار خلال الحملة الانتخابية.
ومع انتقال رئاسة الحكومة إلى الحزب المتصدر، تبدو إعادة تشكيل التحالف نفسه، مع تغيير موقع قيادة الحكومة، أحد السيناريوهات الرئيسية التي تفرضها نتائج الاقتراع وتركيبة مجلس النواب الجديد.
التحالف الثلاثي في واجهة الأغلبية المقبلة
ربطت الدراسة تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية بالموقع الدستوري الذي يتيح له قيادة الحكومة، إذ ينص دستور المملكة المغربية لعام 2011 على أن “الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها”، وقد تجسد هذا المقتضى عملياً بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 بحصوله على 97 مقعداً.
ويضع هذا التعيين حزب الأصالة والمعاصرة في موقع قيادة المرحلة الحكومية المقبلة، بعدما انتقلت رئاسة الحكومة من التجمع الوطني للأحرار إلى الحزب الذي تصدر الانتخابات، فيما تتولى المنصوري مهمة قيادة المشاورات الرامية إلى تشكيل الأغلبية الحكومية وتحديد تركيبتها.
ويشكل انتقال رئاسة الحكومة إلى “البام” أحد أبرز التحولات التي أفرزتها الانتخابات، بعدما كان التجمع الوطني للأحرار يقود الحكومة السابقة، في حين احتفظ حزب الاستقلال بموقعه ضمن الأحزاب الثلاثة الأولى، وهو ما أبقى على جزء أساسي من مكونات الأغلبية السابقة داخل مقدمة المشهد السياسي.
ورغم تصدر الأصالة والمعاصرة للانتخابات وتولي فاطمة الزهراء المنصوري رئاسة الحكومة، فإن تشكيل الأغلبية يظل مرتبطاً بالمفاوضات السياسية وقدرة الحزب على جمع العدد الكافي من المقاعد لضمان أغلبية برلمانية مريحة.
وفي هذا السياق، تضع الدراسة تجديد التحالف الذي جمع الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال خلال الولاية السابقة ضمن أبرز الخيارات المطروحة، مستندة إلى طبيعة العلاقة التي جمعت مكونات الائتلاف الحكومي خلال السنوات الخمس الماضية.
وترى الدراسة أن الحكومة السابقة لم تشهد خلافات جوهرية بين الأحزاب الثلاثة، رغم بروز بعض التباينات بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار خلال الحملة الانتخابية، وهو ما يجعل إعادة بناء الائتلاف نفسه خياراً مطروحاً في ضوء النتائج الجديدة.
وفي حال اعتماد هذا السيناريو، سيكون التغيير الأساسي مرتبطاً بقيادة الحكومة، بعدما انتقلت من التجمع الوطني للأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، بينما يحتفظ الحزبان الآخران، أي الأحرار والاستقلال، بموقعهما ضمن الأغلبية الحكومية.
وتعزز نتائج الانتخابات هذا الاحتمال، بعدما احتلت الأحزاب الثلاثة التي شكلت الائتلاف الحكومي السابق المراكز الثلاثة الأولى، وإن مع اختلاف ترتيبها؛ إذ انتقل الأصالة والمعاصرة إلى الصدارة، بينما حافظ التجمع الوطني للأحرار والاستقلال على حضورهما ضمن مقدمة الخريطة الحزبية.
إعادة ترتيب الأوزان دون تغيير جذري في الخريطة
وترى الدراسة أن نتائج الانتخابات أعادت توزيع الأوزان داخل المشهد الحزبي، لكنها لم تحدث تحولاً جذرياً في طبيعة التوازنات السياسية القائمة، فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الائتلاف الحكومي السابق حافظت على مواقع متقدمة، وإن تغير ترتيبها، فيما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة النتائج، وحافظ التجمع الوطني للأحرار والاستقلال على موقعهما ضمن المراكز الثلاثة الأولى.
وفي المقابل، حقق العدالة والتنمية تقدماً مهماً مقارنة بنتائج انتخابات 2021، وهو ما أعاد الحزب إلى موقع أكثر حضوراً داخل البرلمان، وإن اختار هذه المرة ممارسة دوره من المعارضة، وتشير هذه النتائج إلى أن الاقتراع أعاد توزيع القوة الانتخابية بين الأحزاب أكثر مما أحدث تغييراً شاملاً في بنية المشهد السياسي، وهو ما يفسر بقاء التحالف الثلاثي السابق ضمن أبرز السيناريوهات المطروحة لتشكيل الحكومة الجديدة.
المشاركة وأزمة الثقة تطغى على اقتراع 2026
إلى جانب موازين القوى والحسابات المرتبطة بتشكيل الحكومة، تضع الدراسة المشاركة الانتخابية وأزمة الثقة في صلب قراءة نتائج الاستحقاق، بعدما بلغت نسبة المشاركة 39 في المئة.
وتبرز الدراسة استمرار ضعف المشاركة السياسية، خصوصاً في صفوف الشباب، معتبرة أن محدودية التسجيل والمشاركة لدى هذه الفئات تعكس استمرار التحديات التي تواجهها الأحزاب في استعادة ثقة الشباب باعتبارها قنوات للتمثيل والمشاركة السياسية.
كما تشير إلى تفاوت نسب المشاركة بين المدن والحواضر من جهة، والقرى والأرياف من جهة أخرى، مع تسجيل نتائج أفضل للأحزاب القريبة من السلطة في المناطق الريفية، مقابل احتفاظ العدالة والتنمية بقاعدة انتخابية أقوى في المدن والحواضر.
وتخلص الدراسة إلى أن الانتخابات أعادت ترتيب موازين القوى الحزبية، لكنها أبقت أزمة الثقة وضعف المشاركة السياسية ضمن أبرز التحديات التي ستواجه المشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، في وقت تبدأ فيه فاطمة الزهراء المنصوري مهمة تشكيل الحكومة الجديدة، وسط ترقب لطبيعة التحالفات التي ستفرزها المشاورات السياسية المقبلة.