تكشف المعطيات التفصيلية الخاصة بنتائج اقتراع 23 شتنبر2026 تحولات لافتة في الخريطة الانتخابية المغربية، سواء على مستوى حجم الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب، أو توزيعها بين مختلف أصناف الدوائر الانتخابية، أو طبيعة السلوك التصويتي للناخبين.
وتظهر قراءة مقارنة للنتائج، تمتد إلى المحطة الانتخابية الأخيرة لسنة 2021، إعادة ترتيب نسبية لموازين القوى بين أحزاب الأغلبية ومكونات المعارضة، بالتزامن مع تراجع واضح في الرصيد الانتخابي لعدد من أحزاب الأغلبية، مقابل تحسن حضور أحزاب من المعارضة، خاصة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.
تراجع في رصيد أحزاب الأغلبية
سجل التجمع الوطني للأحرار الذي حل ثانيا بـ66 مقعدا في اقتراع الـ23 شتنبر، تراجعا بنسبة 66 في المائة في رصيده الانتخابي، بعدما فقد نحو 350 ألف صوت، ليستقر مجموع الأصوات التي حصل عليها في حدود 405 آلاف صوت في الدوائر الصغرى.
وعلى مستوى الدوائر الانتخابية الكبرى، أظهرت المعطيات تراجعا أكبر، بلغ نحو 70 في المائة، بما يعادل خسارة حوالي 681 ألف صوت مقارنة بالنتائج السابقة التي تتم مقارنتها ضمن هذا التحليل.
بدوره، سجل حزب الاستقلال الذي جاء في المركز الثالث بـ65 مقعدا تراجعا بنسبة 42 في المائة، بعد فقدانه نحو 542 ألف صوت. وفي الدوائر المتوسطة، بلغ التراجع حوالي 45 في المائة، مع خسارة 336 ألفا و348 صوتا، مقابل حصوله على 263 ألفا و858 صوتا.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر نتائج الانتخابات بحصوله على 97 مقعدا، فقد سجل بدوره تراجعا في رصيده من الأصوات بنسبة 38 في المائة، بما يعادل فقدان نحو 182 ألف صوت. كما تراجع حضوره الانتخابي بنسبة 29 في المائة في الدوائر الكبرى والمتوسطة، وفق المعطيات المعتمدة في هذا التحليل.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تصدر الحزب لنتائج المقاعد لم ينعكس بالضرورة على مستوى تطور رصيده العددي من الأصوات، في ظل تفاوت طبيعة الدوائر وتوزيع الأصوات بين مختلف الأحزاب.
الدوائر الكبرى تعيد رسم موازين القوة
في المقابل، أظهرت النتائج تحسنا في رصيد عدد من أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، الذي سجل ارتفاعا إجماليا بنسبة 65 في المائة، بزيادة بلغت نحو 118 ألف صوت.
وسجل الحزب قفزة أكبر في بعض الدوائر الصغرى، حيث ارتفع رصيده بنسبة 207 في المائة في مجموعة من الدوائر المصنفة ضمن الدوائر 02 و03 و05 و06. كما ارتفع رصيده بنسبة 218 في المائة في الدوائر المتوسطة، وفقا للمعطيات المتوفرة.
بدوره، حقق حزب الحركة الشعبية نموا في رصيده الانتخابي بنسبة 48 في المائة، في مؤشر على تحسن حضوره مقارنة بالمحطات السابقة.
في المقابل، تراجع الاتحاد الاشتراكي مسجلا انخفاضا بنسبة 58 في المائة في حصيلته العامة من الأصوات.
وعلى مستوى الدوائر الكبرى، توزعت نسب الأصوات والمقاعد بين الأحزاب الرئيسية بشكل متفاوت.وسجل حزب الأصالة والمعاصرة نسبة 35 في المائة، مقابل 22 في المائة للتجمع الوطني للأحرار و20 في المائة لحزب الاستقلال، بينما بلغت حصة الاتحاد الاشتراكي 16 في المائة.
وتوزعت النسبة المتبقية بين العدالة والتنمية وباقي الأحزاب، مع اختلاف الحصص بحسب كل دائرة وطبيعة التنافس الانتخابي فيها.أما في الدوائر المتوسطة، وعددها 14 دائرة ضمن هذا التصنيف، فقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 23 في المائة، مقابل 17 في المائة للتجمع الوطني للأحرار و16 في المائة لحزب الاستقلال، بينما بلغت حصة الاتحاد الاشتراكي 22 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام عن تقارب نسبي في موازين القوى داخل عدد من الدوائر المتوسطة، مقارنة بالدوائر الكبرى التي شهدت تمركزا أكبر للأصوات بين الأحزاب الرئيسية.
الدوائر الصغرى.. تنافس محلي أكثر حدة
وفي الدوائر الصغرى والدوائر المغلقة، تراوحت الخريطة الانتخابية بين أربعة وسبعة دوائر بحسب التصنيف المعتمد، حيث بلغت حصة حزب الأصالة والمعاصرة في أربع دوائر مغلقة نحو 23 في المائة، بما يعادل 175 ألفا و826 صوتا.
في المقابل، حافظ حزب الاستقلال على نسبة وصلت إلى 40 في المائة في بعض الدوائر الصغرى والمحلية، بما يعكس استمرار أهمية الخصوصيات المحلية في تحديد موازين القوى الانتخابية.
وتبرز هذه المعطيات أن النتائج لم تكن موحدة على امتداد التراب الوطني، بل اختلفت بشكل واضح بحسب طبيعة الدائرة وحجم الهيئة الناخبة ومستوى التنافس بين المرشحين والأحزاب.
هل تعكس النتائج تصويتا عقابيا؟
وتطرح النتائج المسجلة في اقتراع 23 شتنبر سؤالا بشأن طبيعة التحولات التي عرفها السلوك الانتخابي، خصوصا في المراكز الحضرية والدوائر التي تتميز بكثافة انتخابية وتأثير أكبر للفئات المهنية والنخب.
وتشير المعطيات الواردة في التحليل إلى بروز ما يوصف بـ”التصويت العقابي”، مع تسجيل تراجع في أصوات عدد من أحزاب الأغلبية، مقابل ارتفاع أصوات بعض أحزاب المعارضة.
كما تفيد المعطيات بأن عددا من الفئات المهنية والأطر، من أطباء ومهندسين ومحامين وصحفيين وأطر تعليمية وجامعية، ساهمت في تشكيل اتجاهات التصويت في عدد من المراكز الحضرية.
غير أن تفسير هذه التحولات باعتبارها تصويتا عقابيا يظل قراءة تحليلية للنتائج، ولا يمكن اعتباره وحده تفسيرا حاسما للسلوك الانتخابي، في ظل تعدد العوامل المؤثرة في الاختيار الانتخابي، من بينها طبيعة المرشحين، والخصوصيات المحلية، وقوة التنظيمات الحزبية، ومستوى المشاركة.
تراجع الرصيد الانتخابي للأغلبية
وتظهر المعطيات أيضا أن أحزاب الأغلبية واجهت صعوبة في الحفاظ على جزء من قواعدها الانتخابية التقليدية، إذ تشير الوثائق المعتمدة في التحليل إلى فقدان جزء مهم من الأصوات داخل شريحة من الناخبين المسجلين في الدوائر الحضرية والقروية المستهدفة، والتي يقدر عددها بنحو 827 ألف ناخب.
وتأتي هذه التحولات في سياق انتخابي اتسم بإعادة توزيع الأصوات بين عدد من الأحزاب، دون أن يكون ارتفاع الأصوات أو تراجعها متطابقا بالضرورة مع عدد المقاعد المحصل عليها، بالنظر إلى اختلاف طبيعة الدوائر وآليات احتساب النتائج.
كما شملت المتابعة نتائج عدد من الوجوه والقيادات الحزبية في دوائرها الانتخابية، من بينهم محمد البهاوي، وبوشعيب الوارث، وعبد المجيد المكودي، ضمن قراءة أوسع لأداء المرشحين والقيادات على المستوى المحلي.
خريطة انتخابية تعكس تحولات متعددة
وتقدم نتائج اقتراع 23 شتنبر صورة عن مشهد انتخابي عرف تحولات في حجم الأصوات وتوزيعها بين الأحزاب والدوائر. ففي الوقت الذي سجلت فيه أحزاب الأغلبية تراجعا متفاوتا في رصيدها الانتخابي، تمكنت بعض مكونات المعارضة من تحسين حضورها، خصوصا في عدد من الدوائر الصغرى والمتوسطة.
وتشير هذه النتائج، في بعدها العددي، إلى انتقال جزء من الأصوات بين مختلف القوى السياسية، فيما يظل تفسير دوافع الناخبين وراء هذه التحولات رهينا بقراءة أوسع تجمع بين النتائج الرسمية، ومستويات المشاركة، والخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية للدوائر الانتخابية.
وبذلك، لا تكشف خريطة اقتراع 23 شتنبر فقط عن توزيع المقاعد، وإنما تقدم أيضا مؤشرات على تغيرات في سلوك التصويت وفي قدرة الأحزاب على الحفاظ على قواعدها الانتخابية واستقطاب أصوات جديدة.