خلص المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات، في قراءة لبرامج أحزاب الأغلبية الحكومية السابقة، إلى أن هذه البرامج، التي قُدمت في سياق الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، ركزت بشكل كبير على القضايا الاجتماعية والاقتصادية، مقابل غياب مطالب الإصلاح السياسي والدستوري، خاصة ما يرتبط بهندسة الانتخابات والإشراف عليها وقضايا التمثيل الانتخابي وتشكيل الحكومة، إلى جانب غياب تصور سياسي واضح للعلاقة بين المركز والجهات من حيث اقتسام السلط والصلاحيات.
وأوضح المركز أن أهمية قراءة برامج أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، تنبع من كون هذه الأحزاب خاضت تجربة فعلية في التدبير الحكومي خلال الولاية السابقة، بما يفترض، وفق القراءة، أن يؤهلها لمقاربة الإشكالات الحقيقية للمغرب المعاصر.
في المقابل، سجل حضوراً قوياً للقضايا الاجتماعية، من خلال وعود بالسكن والصحة والتعليم وتحسين القدرة الشرائية ودعم الفئات الهشة والشباب، مقابل محدودية حضور قضايا السيادة والأمن والدفاع والوقاية المدنية والسياسة الخارجية، مع تسجيل حضور ملفات الأمن الطاقي والمائي والسيادة الرقمية بدرجات متفاوتة.
وتوقف المركز عند إشكالية تمويل الوعود الانتخابية، خاصة أن بعض البرامج اقترحت إجراءات ذات كلفة مالية مرتفعة، من بينها برنامج بكلفة تصل إلى 350 مليار درهم، في ظل ارتفاع الدين العمومي المباشر بنسبة 5.9 في المائة إلى 1145 مليار درهم نهاية دجنبر 2025، وتفاقم العجز التجاري بنسبة 15.5 في المائة ليبلغ 352.3 مليار درهم خلال السنة نفسها، وفق المعطيات التي أوردها عن بنك المغرب.
كما سجل مقترحات للرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور والمعاشات، وتأهيل الشباب وإدماجهم في سوق الشغل، ودعم الشباب المقبلين على الزواج ومنحة العودة إلى الشغل، مع استهداف بلوغ النمو 5 في المائة وخفض البطالة إلى 7 في المائة، قبل أن يخلص إلى أن البرامج لم تقدم، بحسبه، وصفات كافية لمعالجة الاختلالات البنيوية للنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أبرز مواطن الغياب
سجل المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات أن الإصلاح الدستوري والسياسي يمثل أبرز القضايا الغائبة عن البرامج الانتخابية، رغم الأصوات التي تنتقد ما تعتبره حيفاً ناتجاً عن تطبيق القاسم الانتخابي.
وأوضح أن البرامج الانتخابية المطروحة لم تتضمن مطالب واضحة بمراجعة هندسة الانتخابات والإشراف عليها، أو قضايا التمثيل الانتخابي وتشكيل الحكومة. ويرى المركز أن اعتماد الآلية الانتخابية الحالية يحول، وفق تحليله، دون إمكانية حصول أي حزب على أغلبية مريحة، بما ينعكس على القدرة على تشكيل حكومة أغلبية قادرة على تنفيذ برنامجها السياسي، ويكرس ما وصفه بـ”البلقنة” وضعف الانسجام بين مكونات الائتلاف الحكومي.
كما سجل غياب مطالب مرتبطة بتجاوز ازدواجية السلطة التنفيذية وتراتبيتها، أو إقرار الحق الحصري للحكومة في ممارسة السلطة التنفيذية، أو على الأقل تقوية السلطة التنفيذية للحكومة في مقابل الصلاحيات الموسعة للمجلس الوزاري.
وفي ما يتعلق بالجهوية، سجل المركز أن البرامج الانتخابية كان يفترض أن تقدم تصوراً أكثر وضوحاً بشأن العلاقة بين الجهات والمركز، بالنظر إلى كون الجهة والمجال الترابي مجالاً لممارسة الفعل التنموي، غير أنها لم تقدم عروضاً سياسية كافية بشأن اقتسام السلط والصلاحيات.
وبخصوص العدالة المجالية، أوضح المركز أنها حظيت باهتمام البرامج الانتخابية باعتبارها مطلباً دستورياً وعنصراً مركزياً في الخطاب الرسمي، غير أن مقاربتها ظلت، بحسب القراءة، جزئية، سواء من خلال مراجعة الصلاحيات الثلاث للمجالس الترابية، أو من زاوية توزيع المقدرات والموارد بين المركز والأطراف.
ويرى المركز أن هذه المقاربة تظل أقرب إلى رعاية اجتماعية تضامنية تحت توجيه ومراقبة المركز، بدلاً من النظر إلى العدالة المجالية باعتبارها حقاً دستورياً وقانونياً وإقراراً مؤسساتياً لدور الأطراف والمجالات الهامشية في تدبير التنمية.
وفي المقابل، برزت بعض المقترحات ذات الطابع الاستثماري في مقاربة المسألة الترابية، من قبيل اقتراح حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال إنشاء “شركات جهوية للتوزيع” كآلية لمواجهة غلاء الأسعار والمضاربة في المواد الأولية.
بين اتساع المطالب وإشكالية التمويل
رصد المركز حضوراً قوياً للتدابير الاجتماعية في البرامج الانتخابية، باعتبارها آلية للحفاظ على القدرة الشرائية وتحسين الوضع الاجتماعي، من خلال اقتراح استفادة 500 ألف أسرة من السكن اللائق، وإرساء منظومة صحية عمومية تنافسية عبر تعزيز الموارد البشرية والمستشفيات الجامعية، وتعميم الرعاية الصحية، ودعم وتقوية أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية، فضلاً عن النهوض بالمدرسة العمومية والمنظومة التربوية.
غير أن المركز سجل أن جل هذه الوعود لا تستند إلى أساس تمويلي واضح ودقيق يرافق الإجراءات المقترحة، مستحضراً أن أحد الأحزاب اقترح تنفيذ برنامجه الانتخابي بكلفة تصل إلى 350 مليار درهم، وهو ما يطرح، وفق القراءة، سؤال مصادر التمويل ومدى استدامته.
وربط المركز ذلك بالوضعية المالية والاقتصادية، مشيراً إلى ارتفاع الدين العمومي المباشر بنسبة 5.9 في المائة ليبلغ 1145 مليار درهم نهاية دجنبر 2025، وتفاقم العجز التجاري خلال السنة نفسها بنسبة 15.5 في المائة ليصل إلى 352.3 مليار درهم، وفق المعطيات التي أوردها عن بنك المغرب. واعتبر أن جزءاً كبيراً من تمويل هذه الوعود سيكون من مستخلصات الضرائب، في ظرفية اقتصادية شهدت تراجعاً في القدرة الشرائية.
كما أظهرت قراءة البرامج، بحسب المركز، حزمة من التدابير الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي، تستهدف حماية الفئات والمجالات الهشة والفقيرة، ودعم الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، مع التركيز على الرفع التدريجي للحد الأدنى للأجور والمعاشات، وتأهيل خريجي الشباب لتيسير إدماجهم في سوق الشغل، وتوفير مناصب شغل كافية لتخفيض نسبة البطالة.
ويقترح حزب الاستقلال، وفق المركز، دعماً مالياً للشباب المقبلين على الزواج، فيما تقترح أحزاب أخرى منحة للعودة إلى الشغل، مع توقع بلوغ نسبة النمو 5 في المائة كمتوسط سنوي، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة.
ويربط المركز تقييم هذه الوعود بما تحقق خلال الولاية الحكومية المنتهية، والتي سبق أن طرحت خلالها وعود مماثلة، خصوصاً خلال البرامج الانتخابية لتشريعيات 2021، بتجاوز الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة “كوفيد-19”.
وشدد المركز على أن إشكالية التمويل تظل من القضايا الرئيسية في تقييم المشاريع الانتخابية، إذ لا تكفي الوعود لضمان الإنجاز وتنفيذ المشاريع، مشيراً إلى أن بعض الأحزاب اقترحت تخفيضات ضريبية مهمة، من بينها حزب الأصالة والمعاصرة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض المداخيل الضريبية التي تعتبر ممولاً أساسياً للخزينة العامة للدولة.
حضور استراتيجي محدود
توقف المركز عند عدد من الملفات المرتبطة بصون السيادة على قطاعات استراتيجية، من بينها بناء الأمن الاستراتيجي الطاقي، وتأمين الموارد المائية وتنويع مصادرها، والانتقال من تدبير الندرة إلى ضمان مستدام للماء، وتقليص فاتورة استهلاك الطاقة وإنتاج الطاقة الذاتية الخضراء.
كما سجل حضور مفهوم السيادة الرقمية باعتباره تحدياً دولياً، إلى جانب مقترحات لتقنين استخدام الوسائل الرقمية والذكاء الاصطناعي، متسائلاً عما تحقق خلال الولاية الحكومية السابقة في مجال الانتقال والسيادة الرقمية، بالنظر إلى التزامات سابقة للأحزاب نفسها خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021.
وأشار المركز كذلك إلى ما شهدته الأوساط الإعلامية والدولية من حديث عن اختراق بعض أطراف المنظومة الرقمية الوطنية وتسريب بيانات شخصية لمنتسبي قطاعات حكومية والتشهير ببعض المسؤولين من خلال كشف رواتبهم الشهرية، معتبراً أن هذه المعطيات تستدعي يقظة وبرامج واضحة وممكنة ومستدامة تضمن تموقع المغرب الرقمي في التقارير والمؤشرات العالمية، وتبرز جاهزية المنظومة الرقمية الوطنية وقدرتها على ضمان السيادة والاستدامة.
وفي المقابل، سجل المركز استمرار الأحزاب في عدم التطرق إلى قطاعات الأمن والدفاع والوقاية المدنية، إلى جانب حضور محدود لموضوع السياسة الخارجية، حيث لا تتضمن البرامج، وفق القراءة، سوى التأكيد على ترسيخ مغربية الصحراء، دون تقديم مقترحات حزبية خاصة أو مناقشة للسياسة الخارجية واتجاهاتها أو اقتراح سياسات وتوجهات معينة لتدبيرها.
الاستثمار ومحاربة الفساد وخلاصات البرامج
في العلاقة بين الاقتصادي والاجتماعي، رصد المركز تركيز البرامج الانتخابية على بناء تركيبة اقتصادية قائمة على الاستثمار، وجعله المحرك الأساسي للنمو ومفتاحاً لمعالجة الاختلالات الاجتماعية والتنموية، إلى جانب زيادة الإنفاق العمومي المخصص لدعم الاستثمار والاستمرار في المشاريع الكبرى الجارية في أفق كأس العالم 2030.
وبالموازاة مع ذلك، أجمعت برامج الأحزاب التي شكلت الائتلاف الحكومي، وفق المركز، على استمرار عمليات الدعم الاجتماعي باعتبارها وسيلة أساسية لمواجهة الفقر والهشاشة، مع تقديم وعود بإجراء تعديلات تقنية لتوسيع قاعدة المستفيدين من الدعم وتنويع التدخلات لفائدة فئات اجتماعية أخرى، من بينها ذوو الاحتياجات الخاصة.
وفي ما يتعلق بمحاربة الفساد، سجل المركز بروز هذه المسألة في برامج الائتلاف الحكومي، لكنه اعتبر أن البرامج لم تقدم جواباً عن سؤال “لماذا يتوسع الفساد؟”، واتجهت إلى تقديم إجراءات منفصلة من خلال الدعوة إلى سن قوانين وآليات وإجراءات “تقنية” لمحاربة الفساد وتحفيز النزاهة والشفافية، دون السعي إلى تبني وإقرار قانون للإثراء غير المشروع، مع تسجيل اقتراح حزب الاستقلال إقرار قانون لمحاربة تضارب المصالح.
وفي خلاصة قراءته، اعتبر المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات أن البرامج الانتخابية الحالية جاءت في حلة إعلامية وتقنية وصفها بالاستثنائية، وميزها حماس السعي إلى بناء مغرب 2031، غير أن جلها لم يحدد بشكل كاف وصفات علاجية موضوعية ومستدامة تستجيب لأعطاب النسق السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مرتكزاته ومفاصله البنيوية.
وسجل المركز أن بعض البرامج اتجه إلى ما وصفه بـ”مزايدات الوعود الاجتماعية”، سواء تعلق الأمر بالزيادة في الأجور، وتحسين الدخل، والإعفاءات الضريبية أو التحفيزات الاستثنائية لفئات اجتماعية معينة، كما لاحظ سكوت الأحزاب عن عدد من الأعطاب التي تعيق عمل المؤسسات، سواء تعلق الأمر بالحكومة أو البرلمان أو باقي المؤسسات المنصوص عليها في الدستور.
وأضاف أن البرنامج الانتخابي للأغلبية الحكومية لم يحمل، بحسب قراءته، جديداً هيكلياً، باستثناء الحرص على الأرقام التي استُعمل بعضها خلال الحملة الانتخابية وفي السجالات بين رموز الأغلبية وبعض أحزاب المعارضة، مشيراً إلى تقديم العديد من الوعود المرقمة، خصوصاً الزيادة في أجور القطاعين العام والخاص، ورصد مبالغ مرتفعة لدعم القدرة الشرائية، وإقرار برامج متعددة لدعم الشباب والفئات الاجتماعية الهشة.
وختم المركز قراءته بالإشارة إلى أن الأحزاب التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة كانت تسابق الزمن لتصدر نتائج الانتخابات وضمان الظفر بتشكيل الحكومة المقبلة، بالنظر إلى ما يمكن أن تحمله الولاية المقبلة من رهانات سياسية وتاريخية، من بينها ما وصفه بـ”حكومة المونديال” و”حكومة إقرار الحكم الذاتي”.