وجهة نظر

الكتلة الديمقراطية في زمن جديد: هل تستطيع المنصوري إعادة بناء الفكرة؟

في السياسة المغربية كلماتٌ لا تموت، وإن انقضت التحالفات التي حملتها. «الكتلة» واحدة منها. منذ أيام يلحّ عليّ سؤال قد يبدو مشدوداً إلى الحنين، وهو في الحقيقة سؤال المستقبل: ماذا لو استطاعت فاطمة الزهراء المنصوري أن تعيد إحياء روح الكتلة الديمقراطية؟

أقول روحها، لا صيغتها. فالتاريخ لا يُستنسخ، ومغرب 2026 ليس مغرب 1992: تغيّر المجتمع، وتبدّلت الأجيال، وتعقّدت الانتظارات. لكن بعض الأفكار أطول عمراً من الأزمنة التي أنجبتها، وبعض اللحظات تحتاج فيها الدول إلى ما هو أكثر من أغلبية عددية. تحتاج إلى لحظة سياسية تضع فيها القوى الديمقراطية، على اختلاف روافدها، المشروع قبل المواقع، والمصلحة العامة قبل منطق الأجهزة.

ما قبل الأصالة والمعاصرة

كثيراً ما ننسى البدايات. لم يولد حزب الأصالة والمعاصرة في فراغ، بل في مغربٍ كان قد قطع أشواطاً في المصالحة مع ذاكرته، حيث وسّعت هيئة الإنصاف والمصالحة وتوصياتها النقاش حول الديمقراطية والحكامة وحقوق الإنسان وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وهي دينامية إصلاحية ستتراكم إلى أن تبلغ محطتها المفصلية في دستور 2011.

في قلب هذا المخاض ظهرت سنة 2008 «حركة لكل الديمقراطيين»، بطموح معلن: فضاء جديد يجمع طاقات من مسارات متباعدة حول أفق ديمقراطي وحداثي وإصلاحي. إلى جانب فؤاد عالي الهمة التقى أحمد أخشيشن وصلاح الوديع وخديجة الرويسي وحبيب بلكوش وحسن بنعدي وحكيم بنشماش ومصطفى الباكوري ومحمد الشيخ بيد الله وآخرون. لم يجمعهم التطابق الإيديولوجي، بل الرغبة في مواكبة مغرب يتحول.

هذه العودة ليست تمريناً في التاريخ. إنها تذكير بأن الحزب لا يُختزل في الصور التي التصقت به لاحقاً، وأن في هويته التأسيسية فكرة تجميع الديمقراطيين خارج الحدود التقليدية للعائلات السياسية.

من روافد اليسار… إلى هوية خاصة

وهنا لا بد من قول ما يُسكت عنه عادة: إذا كانت هوية الأحزاب تُقرأ من منابعها، فإن الأصالة والمعاصرة حزبٌ خرج من روافد اليسار. فالذين حملوا مشروع «حركة لكل الديمقراطيين» وصاغوا لغته الأولى جاؤوا، في معظمهم، من التجربة اليسارية والتقدمية: مناضلون سابقون، ومعتقلون سياسيون سابقون، ووجوه من الحركة الحقوقية والنضال الديمقراطي. لذلك لم تكن اللغة الحداثية والاجتماعية والحقوقية طارئة على هذا المشروع، بل كانت لغته الأم.

لكن الخروج من رافدٍ لا يعني البقاء أسيراً له. فالحزب لم يتأسس ليكون نسخة أخرى من حزب قائم، ولم يسعَ إلى وراثة أحد. لقد استطاع، انطلاقاً من تلك المنابع، أن يبني هويته الخاصة: هوية كونية النزعة، تؤمن بأن الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان قيمٌ إنسانية مشتركة لا ملكية حصرية لتيار أو إيديولوجيا. والكونية هنا لا تعني اقتلاع المجتمع من جذوره، بل أن يحمل المغرب هذه القيم بلغته، ومن داخل تاريخه وخصوصيته.

لا التحاق ولا ذوبان… بل التقاء بين روافد كبرى

لنتصور المشهد: الأصالة والمعاصرة، الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التقدم والاشتراكية. أربعة أحزاب بأربع تجارب وذاكرات سياسية مختلفة. تاريخياً، لن تكون هذه هي الكتلة؛ فالأصالة والمعاصرة لم يكن موجوداً سنة 1992، وكل نسبٍ مصطنع إساءة إلى التاريخ لا وفاء له. غير أن السياسة ليست علم أنساب، بل فن بناء الممكن.

والخطأ أن نبحث بين هذه الأحزاب عن تطابق غير موجود، أو أن نجعل أحدها مركزاً والبقية تدور في فلكه. فالفكرة التي تستحق النقاش ليست بناء تحالف حول حزب، بل بناء مشروع حول قواسم سياسية ومجتمعية مشتركة. ولكل مكوّن ما يضيفه.

حزب الاستقلال يأتي بعمق تاريخي لا ينفصل عن الحركة الوطنية وبناء الدولة المغربية الحديثة، وبامتداد اجتماعي ومحافظ ووطني يمنح أي مشروع مشترك القدرة على مخاطبة شرائح واسعة من المجتمع، وعلى الجمع بين الإصلاح والارتباط بالهوية والثوابت.

الاتحاد الاشتراكي يحمل جزءاً مركزياً من ذاكرة النضال الديمقراطي، ومن تاريخ الدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية ودولة المؤسسات. ويحمل إرث تجربة التناوب، التي جعلت من التوافق أداة للإصلاح لا مرادفاً للتنازل.

التقدم والاشتراكية يأتي بمرجعية تقدمية وفكرية متجذرة، وبحساسية واضحة تجاه المساواة والحقوق، وبقدرة على إبقاء السؤال الاجتماعي حاضراً داخل أي مشروع حكومي لا يريد اختزال التنمية في المؤشرات الاقتصادية.

أما الأصالة والمعاصرة، فيأتي من تجربة أحدث، بهويته المستقلة وكونية قيمه، وبحساسية تحديثية وإصلاحية مرتبطة بتحولات المغرب الجديد وبأسئلة النجاعة وتحديث الدولة.

لا يتعلق الأمر إذن بمن يلتحق بمن، ولا بمن يقود من رمزياً أو تاريخياً، ولا بتوزيع الأدوار بين «كبير» و«صغير» داخل تحالف انتخابي. بل بإمكانية التقاء الحركة الوطنية، واليسار الديمقراطي، والتقدمية الاجتماعية، والحداثة الإصلاحية حول عقد سياسي جديد. فالاختلاف بين هذه الأحزاب ليس نقطة ضعف؛ قد يصبح مصدر قوة إذا تحوّل تعدد الروافد إلى تكامل.

من الائتلاف الحكومي إلى العقد المجتمعي

السؤال الأهم ليس من سيدخل الحكومة، بل على أي مشروع سيدخلها. فالمغرب لا يحتاج إلى أربعة أحزاب تجمع مقاعدها ثم توزع الحقائب بينها. يحتاج إلى برنامج حكومي ومجتمعي منسجم، يصنع من اختلاف هذه القوى قيمة مضافة لا تناقضاً دائماً.

برنامج يجد فيه الوطني نفسه دون أن يشعر بأن الحداثة تهدد هويته. ويجد فيه الديمقراطي نفسه لأن الحريات ودولة القانون ليست قضايا ثانوية. ويجد فيه اليساري والتقدمي نفسه لأن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ليست شعارات انتخابية. ويجد فيه المقاول والمستثمر نفسه لأن خلق الثروة شرط لتمويل أي مشروع اجتماعي جدي. ويجد فيه الأجير والطبقة الوسطى والفئات الهشة نفسها لأن النمو الذي لا ينعكس على حياتها اليومية يظل رقماً لا مشروعاً. ويجد فيه الشباب أنفسهم، لا «ملفاً» حكومياً، بل شركاء في صناعة المستقبل.

هنا فقط يصبح الحديث عن كتلة جديدة ذا معنى: لا إعادة تشكيل تحالف تاريخي، بل بناء عقد مجتمعي جديد يجمع بين الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية والهوية الوطنية.

المسألة الاجتماعية نقطة الالتقاء

وهنا أقول بوضوح أين أقف. ما يهمني ليس الانتصار لهذا الحزب أو ذاك، بل الانتصار للديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية، وللقيم التقدمية التي تضع الإنسان في قلب الفعل السياسي. ومن هذا الموقع أنظر إلى إمكانية هذا الالتقاء.

حملت الكتلة التاريخية رهان الانتقال الديمقراطي والإصلاح المؤسساتي. أما الكتلة الجديدة، إن كان لها أن تولد، فعليها أن تحمل معركة زمنها: أن تجعل للديمقراطية أثراً اجتماعياً ملموساً. أن تصير الصحة حقاً فعلياً في الكرامة. أن يتحول التشغيل من رقم في التقارير إلى إمكانية حقيقية للارتقاء والاستقلال. أن تستعيد الطبقة الوسطى قدرتها على التقدم بدل الاكتفاء بالخوف من التراجع. وأن تُفتح أمام الشباب أبواب المشاركة والابتكار والمبادرة.

ويبقى الرهان الأكبر: المدرسة. لسنا في حاجة إلى إصلاح آخر، بل إلى المدرسة المغربية الجديدة. مدرسة لا يحدد الحيّ ولا دخل الأسرة جودة ما يتلقاه الطفل فيها ولا حدود أحلامه. مدرسة تصنع المعرفة والمواطن معاً، وتنمّي الفكر النقدي وروح المبادرة، وتعود كما يجب أن تكون: المصعد الاجتماعي الأول للمغاربة.

تقدّم مغربي متوازن

هذا المشروع يؤمن باقتصاد السوق ويرفض أن تصير السوق مصنعاً للفوارق. يدافع عن المقاولة ويحمي كرامة العامل. يخلق الثروة ويطرح بالجدية نفسها سؤال توزيعها. يتمسك بهيبة الدولة ويرى في الحريات ودولة القانون مصدراً لقوتها. ويعتز بالهوية دون خوف من الحداثة، لأن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى المستقبل. ليس يساراً كلاسيكياً ولا يميناً تقليدياً، بل تقدم مغربي: واقعي في أدواته، اجتماعي في أولوياته، حداثي في أفقه، منفتح على القيم الإنسانية الكونية.

الأغلبية الأهم ليست دائماً تلك التي تُحسب في البرلمان

وهنا أصل إلى جوهر المسألة. الانتخابات الأخيرة لا تُقرأ بعدد المقاعد وحده. ثمة شرخ يتسع بين جزء من المواطنين والسياسة، وهو أخطر على المدى البعيد من هزيمة أي حزب. فحين تبتعد لغة المؤسسات عن لغة البيت والشارع والمدرسة، لا يضعف حزب بعينه، بل وظيفة الوساطة السياسية ذاتها.

في الديمقراطية، لا غنى عن الأغلبية الانتخابية: هي مصدر الشرعية، ومنها تنبثق المؤسسات. لكنها ليست نهاية السياسة، بل بدايتها. فقد تمتلك حكومة أغلبية مريحة داخل البرلمان دون أن تمتلك أغلبية سياسية واجتماعية حول الإصلاحات التي تريد إنجازها.

التحدي إذن هو الانتقال من الأغلبية الانتخابية إلى أغلبية مجتمعية. ولا أعني تجاوز صناديق الاقتراع أو التقليل من شرعيتها، بل العكس تماماً: أن تُستعمل الشرعية التي منحتها الانتخابات لبناء توافق أوسع من القاعدة الانتخابية نفسها. أن تخاطب الحكومة من صوّت لها ومن لم يصوّت، من شارك ومن قاطع، اليساري والمحافظ، العامل والمقاول، المدينة والقرية، الطبقة الوسطى التي تخشى التراجع بقدر ما تطمح إلى التقدم والفئات الأكثر هشاشة. لا بأن تقول لكل واحد ما يريد سماعه، بل بأن تقدم مشروعاً وطنياً متماسكاً يرى فيه أكبر عدد من المغاربة مكانهم ومستقبل أبنائهم.

الأغلبية المجتمعية ليست بديلاً عن الأغلبية الانتخابية، بل امتدادها السياسي والمجتمعي. الأولى تمنح حق الحكم، والثانية تمنح الإصلاح القدرة على أن يصبح مشروع مجتمع. وهنا تستعيد فكرة الكتلة معناها: لا كتحالف بين أربعة أحزاب، بل كمساحة سياسية تجمع روافد مختلفة حول تصور واحد للمستقبل. وعندها لن يكون السؤال من ربح أكثر داخل الحكومة، بل: هل ربح المغرب مشروعاً يستطيع أن يجمع حوله أغلبية مجتمعية؟

لحظة المنصوري

تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة حدث سياسي ورمزي كبير. لكن الرموز تفتح أبواب التاريخ ولا تكتبه. ما يكتبه هو المنهج والاختيارات وطبيعة العقد الذي ستُبنى عليه الأغلبية. فإن جمعت قوى مختلفة حول عقد حكومي حقيقي لا حول توزيع للحقائب، فستقول للمغاربة إن السياسة ما زالت قادرة على إنتاج المعنى، وإن الأفكار يمكن أن تسبق المناصب، وإن التوافق المبني على وضوح الرؤية ليس تنازلاً، بل أنضج أشكال الشجاعة السياسية.

بناء أغلبية انتخابية مسألة أرقام، وتشكيل ائتلاف مسألة مفاوضات. أما بناء أغلبية مجتمعية تعيد الثقة بين المغاربة والسياسة، فمشروع جيل بأكمله.

فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. لكن الأفكار الكبرى تستطيع أن تولد من جديد حين تجد رجال ونساء زمنها. وإذا نجحت المنصوري في فتح هذا الأفق، فقد تمنح فكرة الكتلة لا امتداداً للماضي، بل معنى جديداً للمستقبل.