عاد الجدل حول زراعة البطيخ الأحمر بإقليم زاكورة إلى الواجهة، في ظل تصاعد التحذيرات من تداعيات هذه الزراعة على الموارد المائية والتربة والواحات، وسط مطالب بتدخل عاجل للحد من ما تعتبره فعاليات بيئية استنزافا متواصلا للفرشة المائية وتدهوراً للمنظومة البيئية بالإقليم.
وفي هذا السياق، وجه رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة مراسلة إلى كل من وزير الداخلية، ووزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ورئيسة مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، ووزير التجهيز والماء، ووالي جهة درعة تافيلالت، وعامل إقليم زاكورة، بشأن ما وصفه بانعكاسات زراعة البطيخ الأحمر على البيئة والأمن المائي بالمجال الترابي للإقليم.
وحسب مضمون المراسلة التي اطلعت عليها جريدة “العمق”، فإن إقليم زاكورة يعيش، وفق الجمعية، أزمة مائية صعبة ومقلقة، انتقلت من مرحلة الخصاص إلى مرحلة العجز المائي، بفعل عوامل مرتبطة بالتغيرات المناخية والتصحر والجفاف، إضافة إلى ما تعتبره الجمعية استنزافا مفرطا للثروة المائية نتيجة انتشار زراعات دخيلة ومرتفعة الاستهلاك للمياه، وفي مقدمتها زراعة البطيخ الأحمر.
وترى الجمعية أن استمرار هذه الزراعة انعكس بشكل سلبي على الإنسان والمجال، من خلال تفاقم معاناة السكان مع ندرة المياه، وتدهور الواحات وتقلص مساحاتها، معتبرة أن هذه الوضعية ساهمت في تعميق الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، ودفع عدد من السكان إلى الهجرة بحثا عن ظروف عيش أفضل.
كما حذرت الجمعية من تداعيات استعمال البلاستيك الفلاحي المرتبط بهذه الزراعة، معتبرة أن التخلص من المخلفات البلاستيكية الزراعية يشكل مصدرا لتلوث مساحات واسعة من التربة، ويطرح إشكالات بيئية مرتبطة بتدبير هذه النفايات والحفاظ على جودة الأراضي الزراعية.
وأوضحت الجمعية أنها سبق أن راسلت عامل إقليم زاكورة السابق، ملتمسة منه التدخل في إطار اختصاصاته لحماية الملك العام المائي، من خلال إصدار قرار عاملي يمنع زراعة البطيخ بنوعيه الأحمر والأصفر بالإقليم، باعتبارها، وفق تعبيرها، زراعة دخيلة تهدد الأمن المائي وتؤثر على زراعة النخيل التي تشكل نشاطا فلاحيا أساسيا وموردا مهما للساكنة المحلية.
غير أن الجمعية عبرت عن أسفها لما وصفته بعدم تحقيق القرارات العاملية السابقة للنتائج المرجوة في تقنين هذه الزراعة، مشيرة إلى أن قرارا عامليا صدر بتاريخ 8 أكتوبر 2025، قام بنسخ قرارات عاملية سابقة مرتبطة بالمواسم الفلاحية الماضية.
وبحسب الجمعية، فإن الإجراءات المعتمدة لم تتمكن من الحد من توسع زراعة البطيخ، بل إن المساحات المزروعة والإنتاج عرفا، وفق تقديرها، ارتفاعا ملحوظا، وهو ما قالت إن صور الأقمار الاصطناعية تؤكده.
وفي المقابل، أشارت الجمعية إلى أن أقاليم مجاورة، من بينها تنغير وطاطا، اتجهت إلى اعتماد قرارات أكثر صرامة وصلت إلى المنع الكلي لهذه الزراعة، معتبرة أن تجربة هذه الأقاليم تستحق الدراسة في ظل الوضعية المائية التي يعيشها إقليم زاكورة.
وتضع الجمعية، من خلال مراسلتها، السلطات والقطاعات الحكومية المعنية أمام خيارين، أولهما اعتماد استراتيجية تعتبرها ذات أولوية للمصلحة العامة، تقوم على حماية الملك العام المائي والحفاظ على الأمن المائي والسلم الاجتماعي، من خلال الحد من زراعة البطيخ الأحمر.
أما الخيار الثاني، فتحذر الجمعية من أنه قد يقود، في تقديرها، إلى مزيد من استنزاف الموارد المائية المحدودة، وتفاقم مظاهر تبذير المياه، وتهديد الأمن المائي والسلم الاجتماعي، إلى جانب استمرار الضغوط على التربة والموارد الطبيعية.
وفي هذا الصدد، استحضرت الجمعية توجيهات ملكية بشأن حماية الموارد المائية وترشيد استعمالها، إلى جانب الدورية الوزارية عدد 19325 المؤرخة في 24 أكتوبر 2022، والمتعلقة بتسريع التدابير والإجراءات المرتبطة بالإجهاد المائي وحماية الفرشات المائية من الاستنزاف.
وطالبت الجمعية، في ختام مراسلتها، بتدخل مختلف الجهات المعنية كلٌّ في إطار اختصاصاته، من أجل وضع حد لما وصفته بالوضع المائي والبيئي المقلق بالإقليم، وحماية البيئة والملك العام المائي، والحد من الأضرار التي تقول إنها طالت الإنسان والمجال.
وتعيد هذه المراسلة إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الزراعات ذات الاستهلاك المرتفع للمياه في المناطق الواحية وشبه الصحراوية، وحول مدى قدرة التدابير التنظيمية الحالية على تحقيق التوازن بين النشاط الفلاحي، وحماية الموارد الطبيعية، وضمان حق السكان في مورد مائي مستدام.