أكد المحامي والخبير في ملف الصحراء، نوفل البعمري، أن التقرير الأخير الذي تقدم به الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس حول الحالة في الصحراء، لا يحمل أي تراجع عن التقدم المنجز في العملية السياسية التي انتهت إلى صدور قرار مجلس الأمن 2797، مشيرا إلى أن الملاحظات الإعلامية التي رافقت الوثيقة الأممية وركزت على مقترحي المجلس الانتقالي والاستفتاء، تظل مجانبة للصواب، لكون هذه المقترحات تجد سندها القانوني والسياسي والمؤسساتي في صلب مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 لطي هذا النزاع المفتعل.
وأوضح البعمري في مقال توصلت به جريدة “العمق” أن إثارة هذه القضايا قبيل صدور قرار مجلس الأمن نهاية شهر أكتوبر الجاري، خلقت مخاوف مشروعة بالنظر لحساسية القضية الوطنية، لاسيما بعد إعلان المغرب 31 أكتوبر عيدا للوحدة احتفالا بالقرار 2797 كتعبير عن طي سياسي للملف، مبرزا أن الأفكار التي طرحها غوتيريس تشكل في جوهرها إطارا يؤسس لحل سياسي متوافق بشأنه بين مختلف الأطراف المعنية بناء على الرؤية المغربية الخالصة التي تبنتها المؤسسة الأممية.
وكشف المصدر ذاته أن الجدل الواسع حول مقترح المجلس الانتقالي، ووصفه في بعض التحليلات بانقلاب على القرار 2797، يفتقد للأساس الواقعي، مبينا أن هذا المفهوم لا يشكل مستجدا سياسيا أو مؤسساتيا طارئا مفروضا على الدبلوماسية المغربية، بل إن المغرب كان سباقا لطرح ضرورة خلق هذه الآلية لقيادة عملية إدماج تنظيم البوليساريو وساكنة المخيمات في المؤسسات والمجتمع المحلي ضمن مساعيه الجدية لإيجاد تسوية نهائية.
وأضاف البعمري أن النقطة 32 من مبادرة الحكم الذاتي المتعلقة بمسار الموافقة على النظام وتفعيله، نصت بشكل صريح على إحداث مجلس انتقالي يضم ممثلي الأطراف المعنية، مسجلا أن مهام هذا المجلس تتحدد في المساهمة في تدبير مرحلة الانتقال نحو تطبيق الحكم الذاتي، والإشراف على عودة سكان المخيمات، ونزع سلاح الميليشيات وإعادة إدماجها، فضلا عن مواكبة العمليات الانتخابية المرتبطة بتنزيل مخرجات الحل السياسي.
واعتبر المصدر أن إشارة التقرير الأممي لمجلس انتقالي لا تعكس توجها أمميا جديدا أو تراجعا عن مسار قرارات مجلس الأمن، مؤكدا أن القراءات التي اعتبرت الأمر نكسة للمكتسبات المحققة قد سقطت في تأويل خاطئ لعدم عودتها لنص المبادرة، في حين أن التقرير يمثل تبنيا صريحا لآلية مؤسساتية مغربية مخصصة لتفعيل الحكم الذاتي، وهو ما يشكل نجاحا للرؤية المغربية.
وأشار الخبير الحقوقي إلى أن مسألة الاستفتاء الواردة في التقرير تجد بدورها تأصيلا دقيقا في مسار تنزيل المبادرة، وتحديدا في النقطة 27 التي تقترح أن يكون نظام الحكم الذاتي موضوع تفاوض قبل طرحه على السكان بموجب استفتاء حر ضمن استشارة ديمقراطية، مفيدا بأن المبادرة اعتبرت هذا الاستفتاء ممارسة حرة لحق تقرير المصير، انسجاما مع الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة بعيدا عن المقترحات الانفصالية المتجاوزة.
وتابع المتحدث ذاته مبرزا أن الأمين العام تبنى خطة المغرب التي تربط تقرير المصير بقاعدة الحل الوحيد المتمثل في الحكم الذاتي، موضحا أن ذكر الاستفتاء لا يعني العودة للصيغة التقليدية القديمة التي أقرت الأمم المتحدة باستحالة تنفيذها ودفعت المبعوث بيتر فان والسوم للاستقالة، بل يتعلق حصريا بآلية للمصادقة على الحل السياسي المتوافق بشأنه، وهو ما يعززه مقترح إجراء إصلاح دستوري وعرضه على الاستفتاء لإقرار النظام دستوريا.
وخلص نوفل البعمري إلى أن قراءة تقرير غوتيريس بمعزل عن مبادرة الحكم الذاتي تخلق تصورا خاطئا بوجود تراجع سياسي، مؤكدا أن الوثيقة تعكس تقدما نوعيا في رؤية الأمين العام عبر انتقاله من العموميات إلى خطة التفعيل، وداعيا إلى استغلال هذه المضامين لدفع مجلس الأمن نحو استصدار قرار واضح ينتقل من مرحلة دعم المبادرة إلى تقديم خارطة طريق فعلية لتنزيل الحكم الذاتي في الصحراء المغربية.