انتهت الانتخابات، وانتهى معها صراع الخصوم على مائدة السياسي والسياسوي، والحزبي والحزبوي. نتائج تبسمت للبعض، وأغضبت البعض، وفاجأت الكثير من المنتخِبين، والمنتخَبين، والسياسيين، والمتتبعين. فلم تكن الغالبية من قراء طالع الانتخابات يتصور نتيجة تعيد كَرَّة الحكم لنفس الأحزاب، وربما لنفس الوجوه التي رافقت المغاربة لخمس سنوات خلت، وذاق منها المواطن العادي الويلات، في دينه، ومعيشه، وصحته، وتعليمه، وشغله. فلم يعرف المغرب الحديث مرحلة اعتصرت فيها آمال الشعب كهذه المرحلة. فقد أبدع فيها الحكام كل أدوات التفقير والتجهيل، فتحول المغرب إلى مغربين، مغرب الألبة والنبلاء، ومغرب “الدص”، والفاقة، والحاجة. مغرب يسير بسرعتين مختلفتين، وكأنه بَلَدان مختلفان، تحكمها حكومة واحدة.
فلقد توسم المغاربة خيرا من انتخابات قد تعيد شيئا من التوازن المفقود، بوجوه جديدة، وبرامج تستجيب لنداء الملك بالقطع مع الفوارق الاجتماعية التي اتسعت خلال الخمس سنوات الأخيرة أضعافا مضاعفة، وجعلت المغرب يسير بسرعتين. لكن الذي وقع، كان عكس المأمول، وعكس كل التكهنات التي كانت تربط مسار المغرب بإرادة سياسية تعيد القطار إلى سكته الصحيحة، وتقطع مع مظاهر الترف غير المشروع الذي تولد عن عملية التفقير الممنهجة التي تولى كِبرها الباطرونا، ورجال الأعمال، في حق البسطاء من عامة الشعب، وهم الشريحة الأكبر. فعادت نفس الوجوه التي حكمت المغرب لخمس سنوات، لتواصل ما بدأته، وتنهي مهمتها في الإتيان بما تبقى من بصيص العيش الكريم، والكرامة المستلبة، من القواعد حتى لا تُبقي منه شيئا.
خمس سنوات عجاف جديدة تنتظر المغاربة عموما، والذين اختاروا هذه الوجوه من جديد على وجه الخصوص.. خمس سنوات سيعيشها المغاربة في جحيم الغلاء، والضرائب، والبطالة، والتقشف، والمراتب الدون في الصحة، والتعليم، والتنمية،.. من أجل سواد عيون كأس العالم(!).
هذا ما يقوله الغالبية من المتتبعين والمحللين.. !
وحتى لا نكون سوداويين، ونرمي الأحكام كما اتفق، خصوصا وأن الحزب الحاصل على المرتبة الأولى غير السابق، وقد يفاجئنا بتدبير مختلف، وقد يؤسس لمرحلة جديدة أفضل من سابقتها، وقد يتبرأ من ماضيه الفكري والأيديولوجي، وقد وقد… والسياسي المحنك هو السياسي المتفائل كما يقال. لأجل هذا، سنترك للحكومة الجديدة، التي لن تتجاوز، كسابقاتها منذ الاستقلال، الحدود التي تُسَطَّر لها، والشروط التي تملى عليها، وقتا كافيا لتعبر عن صدق التزامها مع المغاربة في تنزيل برنامجها الحكومي، ويبقى عزاء المغاربة في معارضة قوية توجه الحاكمين الجدد إلى الصواب كلما شذوا عن السبيل السوي، وزاغوا عن الالتزامات والوعود.
فما لم يتم إغراق المعارضة بمؤيدين للحكومة، في إطار “لعبة التفجير من الداخل”، ستعرف السياسة في المغرب انتعاشا معتبرا يعيد للمشهد السياسي والحزبي، وللعمل البرلماني ألقه الذي خَفَت لسنوات. وسيعيش المغاربة مع خمس سنوات من التجاذب المفيد بين أغلبية ومعارضة يتم فيه تكسير طابو الملفات السوداء، والحمراء، التي ظلت تُعالَج تحت الطاولة، ولا يطلع عليها أحد. فتصير هذه المعارضة، خصوصا الإسلامية واليسارية، نافذة للمغاربة ينظرون، من خلالها، إلى العمل الحكومي رأي العين، فلا يعزب عنهم منه شيء. فيعود الاهتمام، من جديد، بالشأن السياسي والشأن العام إلى الواجهة حتى تطغى نسب المشاهدة والمتابعة لجلسات البرلمان على نسب المشاهدة لمباريات كرة القدم وتفاهات الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما حدث ذات برلمان مع حكومة بن كيران. آنئذ حُقَّ لنا أن نقول: انتصرت السياسة!.
دمتم على وطن.. !!