«خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام»… ليست دائمًا علامة على التراجع، كما أن التقدم المستمر في الاتجاه نفسه ليس بالضرورة دليلًا على الانتصار. ففي المعارك الكبرى، كثيرًا ما يكون التراجع التكتيكي هو الطريق إلى إعادة ترتيب الصفوف، وتغيير أدوات المواجهة، واختيار اللحظة والمكان الأكثر قدرة على تحقيق الهدف.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة عودة المحامين اليوم إلى قاعات المحاكم.
إنها ليست هزيمة، وليست تراجعًا عن المطالب، وليست إعلانًا لنهاية المعركة. إنها، ببساطة، خطوة إلى الوراء في الاحتجاج، حتى يتقدم النضال إلى الأمام.
لقد كان التوقف عن العمل وسيلة احتجاجية مشروعة للتعبير عن رفض مقتضيات قانونية اعتبرها المحامون مجحفة بحق مهنتهم وبالمواطن على حد سواء. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، بعيدًا عن الانفعال والحسابات الضيقة، هو: هل ما زال استمرار التوقف هو الأداة الأكثر قدرة على تحقيق أهدافنا بعدما أصبح القانون نافذًا؟
هنا ينبغي أن ينتصر المنطق.
فالقانون، سواء اتفقنا مع مقتضياته أو اختلفنا معها، أصبح جزءًا من المنظومة القانونية القائمة. والمحامي، قبل أن يكون محتجًا على القانون، هو رجل قانون، وأستاذ المرافعات والإجراءات، والمدافع عن سيادة القانون. ومن غير المنطقي أن يتحول رفض قانون إلى موقف يجعل المحامي نفسه في مواجهة دائمة مع مبدأ احترام القانون.
لكن احترام القانون لا يعني الاستسلام له، والعودة إلى العمل لا تعني التخلي عن المطالب.
وهنا تحديدًا تبدأ المرحلة الجديدة من المعركة.
فالاحتجاج ليس غاية في حد ذاته، والتوقف عن العمل ليس هو النضال كله. النضال الحقيقي هو القدرة على تحقيق الأهداف، وإذا تغيرت الظروف وجب أن تتغير الأدوات.
لذلك، فإن العودة إلى المحاكم ينبغي أن تكون عودة واعية، لا عودة منهزمة؛ عودة تحمل معها ملفًا مفتوحًا، ومطالب واضحة، وإرادة في تعديل ما ينبغي تعديله.
علينا أن نعطي الحكومة المقبلة فرصة لبدء عملها، ثم نفتح معها ملف القانون بكل وضوح ومسؤولية، ونحدد مكامن الخلل، ونقدم البدائل، ونمارس الضغط المهني والمؤسساتي المشروع من أجل الوصول إلى قانون أكثر عدلًا وإنصافًا.
قانون يحفظ للمحامي كرامته واستقلاله، ويحمي في الوقت نفسه حقوق المواطن ويضمن له الولوج إلى العدالة.
فالمعركة لم تنتهِ.
الذي انتهى هو أسلوب من أساليب الاحتجاج، أما النضال فقد بدأ مرحلة جديدة.
سنعود إلى قاعات المحاكم، سنرافع، وسندافع عن حقوق موكلينا، وسنقوم بواجبنا المهني والقانوني؛ لكننا في الوقت نفسه لن نتخلى عن حقنا في المطالبة بالتعديل والإصلاح.
لأن المحامي الذي يضع ملفه تحت ذراعه ويدخل قاعة المحكمة ليس محاميًا تراجع عن النضال، وإنما محامٍ اختار أن ينقل معركته إلى المكان الذي يجيد فيه استعمال أقوى أسلحته: القانون.
خطوة إلى الوراء في الاحتجاج… من أجل خطوتين إلى الأمام في النضال.