عفوًا، سيدتي الرئيسة..
شكّلي حكومتك بسرعة، وبكل ما تشتهين من حروف التشكيل.. بالضمة إن شئتِ، وبالفتحة إن اقتضى المقام، وبالكسرة إن كان في الأمر شيء من الانكسار.. المهم أن تُعلني أسماء وزرائك قبل أن يستيقظ زعيم آخر على ذاكرة سياسية جديدة، فيكتشف أنك كنتِ شيوعية ماركسية، أو اتحادية، أو استقلالية، أو تقدمية، أو حركية.. وربما مؤسسةً لحركة إسلامية، إذا طال الانتظار واحتاج المشهد إلى فصل جديد من فصول المفاجآت..
فزعيم الاتحاد سبق أن أعلن أنك امرأة اتحادية، وأن حزبك الذي ظلّ يُوصف بالوافد الجديد، لم يعد وافدًا.. فقد منحه طول الإقامة، بلغة القانون، تقادمًا مكسبًا لأهلية رئاسة الحكومة..
رجاءً، سيدتي، لا تتأخري.. أخرجي نسختك من الحكومة قبل أن يخرج علينا زعيم آخر بنسخة جديدة من سيرتك السياسية، فنحن في زمن تتبدّل فيه الانتماءات بقدر ما تتبدّل الحسابات، وتصبح الذاكرة السياسية مستودعًا مفتوحًا لكل التأويلات..
هنيئًا لكِ، سيدتي الرئيسة.. لقد أصبحتِ زهرةً سياسية تتسع لكل الألوان، يتسابق الزعماء إلى الاقتراب منها، لا أدري أليشتمّوا رحيقها أم ليتأكّدوا من نصيبهم في باقتها الوزارية.. فما أجمل السياسة حين تتحوّل الخصومات إلى غيوم صيفية، تتخاصم في الصباح، ثم تتصالح عند أول مائدة لتوزيع الحقائب!
ورجاءً، لا تكوني قاسيةً مع الأحرار.. لقد كنتم خصومًا في الحملات الانتخابية، والحملات موسمٌ تُقال فيه الكلمات التي لا يجرؤ أصحابها على قولها في الأيام العادية.. هناك، تتجاوز الوعود حدود الممكن، ويتقمّص المرشحون دور السكارى، يوزّعون من المستقبل ما لا يملكون، ويَعِدون بما لا تسمح به الأرض ولا السماء..
لا تقلقي بشأننا، نحن المواطنين.. لقد صدّقنا خصامكم، ونحن مستعدون أن نصدّق صلحكم، فقد تعلّمنا أن العداوة التي تُرفع أمام المنصات قد تكون، في الغرف المغلقة، مجرد مقدمة طويلة لمصافحة قصيرة..
لكن لي رجاءً صغيرًا، سيدتي الرئيسة.. لا تمنحي لالة نادية حقيبة المالية، واجعليها، إن شئتِ، كفّارةً عن صيام سياسي طويل، أو ثلاثة أيام من الاعتكاف بعيدًا عن خزائن الدولة.. أما الأحرار، فضمّيهم إليكِ، فهم لا يصلحون للمعارضة.. فالمعارضة تحتاج إلى من يعارض الحكومة، لا إلى من يجد نفسه مضطرًا إلى معارضة ماضيه ومواقفه ووعوده الانتخابية.. ومن يعارض نفسه، سيدتي، قد يربك البرلمان، لكنه سيربك ذاكرة الناس أيضًا..
لقد علّمونا في المدارس أن حب الأوطان من الإيمان.. كبرنا ونحن نحفظ العبارة، ثم اكتشفنا أن هناك حبًا آخر لا يقلّ حضورًا في حياة بعض السياسيين.. حبّ الكراسي والمناصب والحقائب.. حبّ لم نجد له تعريفًا في كتب التربية، ولم نعرف إن كان من الإيمان أم من شيء آخر لم يُدرجوه في المقررات..
لذلك، ما دمتِ توزّعين الحقائب، فأنتِ اليوم أكثر من رئيسة حكومة.. أنتِ احتمال مفتوح في أحلام الزعماء، واسم يتردّد في حساباتهم، وباب ينتظرون أن يُفتح.. وقد يصبح اسمكِ مصدر إلهام للأسماء، حتى نرى آباءً يسمّون بناتهم تيمّنًا بكِ، فاطمة الزهراء، تفاؤلًا بأن الأسماء التي تحمل بركة المناصب قد تورّث أصحابها شيئًا من حظوظها..
لكن رجاءً، لا تمنحي أبناء الزعماء حقائب وزارية لمجرد أن أسماء آبائهم تسبق أسماءهم إلى قاعات السياسة.. فقد شهد البرلمان ما يكفي من المشاهد التي تجعلنا نتساءل إن كانت السياسة مسارًا يُبنى بالكفاءة والتجربة، أم شجرة عائلية تكفي معرفة أغصانها للوصول إلى ثمارها.. ولعلّ الوقت قد حان لإضافة مادة جديدة إلى علم السياسة، نسمّيها الوراثة السياسية، ندرس فيها كيف تتحوّل الأسماء العائلية إلى جوازات عبور، بينما يظل أبناء الناس ينتظرون عند أبواب الاستحقاق، يحملون شهاداتهم وخيباتهم..
وبالمناسبة، أنصح رئيس البرلمان المقبل بتنظيم مسابقة لأجمل برلمانية، ما دمنا قد بلغنا مرحلةً صار فيها الشكل يسبق المضمون، والصورة تتقدّم على المسار، والحضور البصري ينافس الحضور السياسي.. فما دامت بعض المشاهد السياسية تُدار بعقلية الفرجة، فلنمنح الفرجة اسمها، ولنوفّر على المواطن عناء البحث عن البرامج داخل الصور، وعن الأفكار خلف الابتسامات..
لذا، شكّلي حكومتك بسرعة، سيدتي الرئيسة، قبل أن يظهر زعيم آخر ليخبرنا أنكِ كنتِ من مؤسسي حركة إسلامية.. فأنتِ الآن بطلة مسلسل سياسي مغربي طويل، عنوانه «أنتَ أو لا أحد»، مسلسل يعشقه زعماء الأحزاب، كلٌّ ينتظر الحلقة التي يظهر فيها اسمه، أو يلوح فيها نصيبه، أو يُعلن فيها أن الخلاف القديم لم يكن سوى سوء تفاهم عابر.. واصلي، سيدتي، لكن بكبرياء من يعرف أن المنصب تكليف قبل أن يكون مكسبًا، وأن كثرة من يصفّقون حول الكرسي لا تعني بالضرورة أن أحدًا منهم سيبقى حين تنطفئ الأضواء..
أما الآن، سيدتي الرئيسة، فاسمحي لي أن أخرج من ضجيج الحقائب إلى صمت مدينة أحببتها أكثر مما ينبغي..
لديّ عتاب شخصي عليكِ.. لقد أُغلقت في وجهي أبواب مراكش التي أحبّها، وقبلها أبواب الرحامنة، وكأن السياسة قرّرت أن تعيدني غريبًا عن الأمكنة التي منحتني أجمل ما في حياتي..
كنت سأرفع سماعة الهاتف لأعاتبكِ، لا بصفتي خصمًا ولا طالب حاجة، بل رجلًا يريد أن يفهم لماذا يمكن لمدينة أن تسكن وجدان الإنسان طوال العمر، ثم يُطلب منه أن يبقى خارج أسوارها حين يقرّر أن يردّ لها بعض الجميل.. لكنني خشيت أن تظنّي أنني أطلب حقيبة، وأنا لا أريد حقيبة ولا منصبًا.. كنت أريد تفسيرًا فحسب، وبعض الأسئلة لا يخشى المرء فيها الجواب بقدر ما يخشى أن يكون أصغر من خيبته..
والعهدة على من نقل إليّ أنكِ رفضتِ ترشّحي في مدينة كنت أتمنى أن أختم فيها مساري السياسي، وفاءً لمدينة منحتني بداية حياة كاملة.. لقد أهدتني مراكش أسرةً، وزوجةً مراكشية، وبنتين، وعملًا وذكريات.. أهدتني حياة بأكملها، فكيف لا أتمنى أن أعود إليها لأردّ لها بعض الجميل؟
ثم إنني، سيدتي الرئيسة، لم أكن يومًا رجلًا بلا جذور.. ففي القلب مدينة لا تنازعها مراكش حبًّا، هي قريتي الصغيرة في كلميم، القصابي.. هناك، حيث لا تحتاج الأرض إلى ألقاب كي تعرف أبناءها، ولا يحتاج المرء إلى منصب كي يشعر بأنه ينتمي.. بين مراكش والقصابي مسافة على الخريطة، لكنهما في القلب جهتان لحنين واحد.. إحداهما منحتني حياة أعيشها، والأخرى منحتني أصلًا أعود إليه كلما أثقلتني الحياة..
ولهذا، حتى لو أُغلقت في وجهي أبواب السياسة، فلا تظنّي أنني سأقف أمامها أستجدي فتحها.. لست عاشقًا للكراسي، ولا أدّعي أن الكراسي كانت عاشقة لي.. لقد لفظتني أكثر من مرة، في رئاسة الجهة وفي البرلمان.. لكنني لم أفقد نفسي حين فقدت تلك المقاعد..
كان هناك كرسي واحد لم يُغلق بابه في وجهي، ولم يسألني عن لوني الحزبي، ولا عن عدد الأصوات التي أحملها، ولا عن اسمي في حسابات الزعماء..
كرسي الجامعة..
ذلك الكرسي الخشبي الذي قد يبدو أقل بريقًا من كراسي السياسة، لكنه أكثر وفاءً من كثير منها.. لا يمنح صاحبه حقيبة وزارية، لكنه يمنحه ما هو أثمن.. أن يترك أثرًا في العقول، وأن يختلف دون أن ينافق، وأن يظل واقفًا في داخله حتى حين يجلس أمام طلابه..
إلى ذلك الكرسي عدتُ، سيدتي الرئيسة، وعادت معي نفسي.. وفهمت أخيرًا أن بعض الكراسي لا نغادرها حين نفقدها، بل نعود إليها حين نكتشف أننا كنّا، طوال الوقت، في حاجة إلى أن نجد أنفسنا..
شكّلي حكومتكِ، سيدتي الرئيسة، كما تشائين.. أما أنا، فقد عدتُ إلى مكاني.. وللمرة الأولى منذ زمن، لم أشعر أنني خسرتُ شيئًا..