يحياوي: تحالف “الكتلة التاريخية” يمنح المنصوري فرصة لإعادة توافق سياسي جديد بالمغرب
سياسة

يحياوي: تحالف “الكتلة التاريخية” يمنح المنصوري فرصة لإعادة توافق سياسي جديد بالمغرب

اعتبر مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المشاورات الجارية لتشكيل الحكومة المقبلة تتيح فرصة جديدة لإحياء أطروحة “الكتلة التاريخية”، القائمة على تقارب أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، انطلاقا من مرجعياتها الوطنية والاجتماعية، بما قد يفتح المجال أمام صيغة جديدة للتوافق السياسي في المغرب.

وأوضح يحياوي في تصريح مطول لجريدة “العمق” أن هذا التصور يتجاوز مجرد ترتيب تحالف حكومي، ليطرح إمكانية بناء أرضية سياسية مشتركة بين أحزاب تتقاطع في عدد من الاختيارات الوطنية والاجتماعية، مشيرا إلى أن نجاح هذه الأطروحة قد يشكل مدخلا لإعادة صياغة التوافقات السياسية على أسس أكثر انسجاما مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وأضاف أن السياق السياسي الحالي يختلف عن المراحل السابقة، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها العلاقة بين الفاعلين السياسيين ومؤسسات الدولة، معتبرا أن المغرب شهد خلال السنوات الماضية تطورا في مقاربة التوافق السياسي، من خلال الانفتاح على تصورات ومقاربات متعددة، بما فيها المساهمات الأكاديمية واليسارية.

وفي هذا الإطار، يرى المتحدث أن العودة إلى أطروحة الكتلة التاريخية قد تعيد النقاش إلى التوافقات التقليدية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤال قدرة الأحزاب المعنية على تحويل تقاربها السياسي إلى مشروع واضح يستجيب للتحولات المجتمعية، بدل الاكتفاء بالتفاهمات المرتبطة بتدبير المرحلة.

أطروحة الكتلة التاريخية

وشدد اليحياوي على أن الرهان الحقيقي لا يكمن في استحضار مفهوم الكتلة التاريخية كشعار سياسي، وإنما في مدى قدرة الأطراف المعنية على بلورة مشروع مشترك يستند إلى مرجعياتها الفكرية والسياسية، ويمنح العمل الحكومي المقبل أرضية متماسكة.

وأشار إلى أن بعض التجارب السياسية السابقة أظهرت محدودية قدرة الأحزاب على تطوير عروض سياسية متجددة تستوعب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، معتبرا أن النقاش ينبغي أن يتجاوز الحسابات المرتبطة بالمواقع الانتخابية إلى البحث عن تصورات سياسية قادرة على تأطير المرحلة المقبلة.

وفي استحضاره للتجارب السابقة، توقف اليحياوي عند النقاش الذي رافق طرح فكرة الكتلة التاريخية في مراحل سابقة، معتبرا أن استحضارها اليوم يعكس استمرار الحاجة إلى بناء توافقات سياسية تتجاوز التدبير الظرفي للتحالفات، وتؤسس لتعاون قائم على تقاطع الاختيارات والبرامج.

وبحسب المتحدث، فإن الرهان المطروح أمام رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، يتمثل في استثمار هذه اللحظة السياسية للبحث عن صيغة توافقية تستند إلى شخصيات وتجارب ذات امتداد في تاريخ العمل السياسي المغربي، بما يعزز فرص التفاهم بين الأحزاب المعنية.

المنصوري واختبار بناء التوافقات

وفي قراءته لطريقة تدبير المشاورات الحكومية، اعتبر اليحياوي أن المنصوري تتحرك في سياق يفرض عليها البحث عن شخصيات وازنة قادرة على توفير أرضية للتفاهم، في ظل تعقيدات المرحلة وحساسية الاختيارات المرتبطة بهندسة الأغلبية المقبلة.

وربط المتحدث هذا التوجه بإمكانية الاستفادة من التقاطعات السياسية والفكرية الموجودة داخل بعض مكونات المشهد الحزبي، مشيرا إلى أن الرهان لا يتعلق فقط بتوزيع المسؤوليات الحكومية، وإنما أيضا بتوفير شروط الانسجام السياسي اللازم لتدبير المرحلة.

وفي هذا السياق، تطرق اليحياوي إلى أدوار عدد من الفاعلين السياسيين، من بينهم عبد اللطيف وهبي وأحمد اخشيشن وفوزي لقجع، في إطار النقاش المتعلق بالتوازنات داخل حزب الأصالة والمعاصرة ومحيطه السياسي، معتبرا أن فهم هذه التوازنات يقتضي التمييز بين الحسابات التنظيمية والاختيارات الاستراتيجية المرتبطة بتشكيل الحكومة.

كما توقف عند موقع حزب التجمع الوطني للأحرار في المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن خياراته السياسية ستتحدد في ضوء طبيعة التحالفات الممكنة، ومدى قدرته على الحفاظ على موقعه داخل المشهد السياسي، في ظل التحولات التي أفرزتها الانتخابات.

المعارضة وتحدي تجديد العرض السياسي

وبخصوص موقع المعارضة، رأى اليحياوي أن الأحزاب التي ستتموقع خارج الأغلبية مطالبة بدورها بتطوير خطاب سياسي يتجاوز ردود الفعل المرتبطة بنتائج الانتخابات، ويقدم تصورات واضحة بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

واعتبر أن التحدي لا يقتصر على ممارسة المعارضة للحكومة، بل يشمل أيضا تجديد العرض السياسي وإعادة بناء الصلة مع التحولات المجتمعية، بما يسمح بإنتاج بدائل قابلة للنقاش والتنافس السياسي.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن غياب مشاريع سياسية متجددة قد يضعف قدرة الأحزاب على التأثير في النقاش العمومي، سواء تعلق الأمر بأحزاب المعارضة أو ببعض مكونات الأغلبية، مؤكدا أن قوة الفعل الحزبي ترتبط بمدى امتلاكه تصورا واضحا للمجتمع والسياسات العمومية.

كما تطرق إلى تجربة حزب التقدم والاشتراكية، مسلطا الضوء على أهمية الاستمرارية التنظيمية في الحفاظ على حضور الحزب داخل المشهد السياسي، ومعتبرا أن العمل التنظيمي اليومي يشكل أحد العناصر الأساسية لضمان استمرارية الأحزاب وقدرتها على تدبير استحقاقاتها السياسية.

وخلص اليحياوي إلى أن نجاح أي توافق سياسي يظل رهينا بقدرته على تجاوز الحسابات الظرفية، وبناء مشروع يستند إلى مرجعيات فكرية واضحة، ويستجيب للتحولات التي يعرفها المغرب، معتبرا أن المشاورات الحالية قد تشكل فرصة لإعادة طرح سؤال الكتلة التاريخية باعتبارها اختيارا استراتيجيا، لا مجرد تكتيك لتشكيل الأغلبية الحكومية.