بعد أيام من المشاورات السياسية والترقب بشأن ملامح الحكومة المقبلة، كشف الإعلان عن الأغلبية الحكومية الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري عن تحالف يستند إلى 207 مقاعد برلمانية، في حصيلة تطرح تساؤلات بشأن قدرة الأغلبية على ضمان التماسك العددي والانضباط داخل مجلس النواب، فرغم تجاوز الائتلاف عتبة الأغلبية المطلقة، تجد هذه الأخيرة نفسها أمام اختبار تماسك مكوناتها وقدرتها على توحيد مواقفها، خصوصا في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنتظر الحكومة المقبلة.
ولا يقتصر النقاش حول الأغلبية الجديدة على عدد المقاعد التي تتوفر عليها، بل يمتد إلى قدرتها على ضمان تماسك مكوناتها خلال الولاية التشريعية المقبلة، في مقابل معارضة قد تستفيد من تقارب سياسي بين بعض مكوناتها ومن إمكانات رقابية لم تكن متاحة بالقدر نفسه في التجربة السابقة، كما يطرح توزيع الحقائب الوزارية وطبيعة الأسماء التي ستتولى المسؤولية التنفيذية سؤال الكفاءة والقدرة على تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأوراش الاستراتيجية التي تواجه المغرب، خصوصا في ظل ارتفاع كلفة الطاقة وضغط الأسعار واستمرار تحديات بطالة الشباب.
أغلبية عددية مطلقة وانسجام سياسي على المحك
في هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي عبد الرحيم العلام، في تصريح لجريدة “العمق”، أن وصف الأغلبية الجديدة بالهشة لا يستقيم من الناحية العددية، ما دامت تتوفر على الأغلبية المطلقة، موضحا أن الكفة العددية تظل راجحة لصالح الحكومة، لكن التوازن السياسي قد يكون أكثر تقاربا بين الأغلبية والمعارضة، بالنظر إلى طبيعة الأحزاب التي يتشكل منها كل طرف، وإلى وجود قوى من اليمين واليسار في الجانبين.
وأشار العلام إلى أن التداخل في المرجعيات بين مكونات الأغلبية والمعارضة قد يفضي إلى توازن سياسي بين الطرفين، حتى وإن ظلت الأغلبية متقدمة من حيث عدد المقاعد، بما يجعل القوة السياسية للأحزاب وقدرتها على التنسيق عاملا مؤثرا في تدبير المرحلة المقبلة، في ظل تواجد حزب العدالة والتنمية وقوى من اليسار في المعارضة، في مقابل وجود أحزاب مثل التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال والأصالة والمعاصرة.
في المقابل، اعتبر المحلل السياسي عبد الفتاح فاتيحي، في تصريح لجريدة “العمق”، أن الحكومة التي ستقودها فاطمة الزهراء المنصوري لن تكون بالضرورة في وضع مريح، سواء من حيث الممارسة أو المناورة السياسية، في ظل وجود معارضة قوية، وأوضح أن امتلاك الأغلبية 207 مقاعد لا يحول دون تعرضها لضغوط سياسية وبرلمانية، خصوصا إذا لم تتمكن مكوناتها من الحفاظ على الانسجام وتوحيد مواقفها بشأن الملفات المطروحة.
وأضاف فاتيحي أن محاولة تشكيل حكومة تضم أحزابا ذات تقارب تاريخي قد تمنح الائتلاف قدرا من التآلف السياسي، لكنها لا تكفي وحدها لضمان تجاوز التحديات التي تنتظر الحكومة، فالأمر، وفق قراءته، يرتبط أيضا بطبيعة الفريق الحكومي ومدى توفره على شخصيات قادرة على تدبير الملفات الكبرى، فضلا عن القدرة على ابتكار حلول للتحديات المعقدة التي تواجه البلاد.
بين توسيع الهامش البرلماني ومخاطر الضغط السياسي
يطرح احتمال استفادة الأغلبية الحكومية من دعم نقدي من حزبي الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية نقاشا بشأن حدود هذا الدعم وانعكاساته على استقلالية القرار الحكومي، فقد يتيح هذا النوع من المساندة هامشا إضافيا في بعض المحطات البرلمانية، لكنه قد يتحول، بحسب طبيعة التفاهمات السياسية، إلى مصدر ضغط على الحكومة، خصوصا إذا ارتبط باستحقاقات أو مطالب مقابل استمرار الدعم.
وفي هذا الإطار، حذر فاتيحي من التعويل على المساندة النقدية المحتملة لحزب الاتحاد الدستوري، معتبرا أن هذا الخيار قد يتحول إلى وسيلة للضغط على الحكومة أو ابتزازها سياسيا، ويرى أن الاعتماد على دعم برلماني من خارج مكونات الأغلبية لا يضمن بالضرورة استقرارا سياسيا دائما، بل قد يفتح المجال أمام توظيف هذا الدعم للتأثير في القرارات الحكومية أو انتزاع مكاسب سياسية.
ويكتسي هذا الاحتمال أهمية في ظل محدودية الفارق العددي الذي يفصل الأغلبية عن عتبة الأغلبية المطلقة، بما يجعل الحفاظ على تماسك مكوناتها وتدبير علاقاتها مع الأطراف الأخرى مسألة أساسية، كما يضع الحكومة أمام ضرورة التمييز بين المساندة الظرفية لبعض الاختيارات وبين التفاهمات التي قد تفرض عليها التزامات سياسية إضافية، وفق المحلل السياسي.
معارضة أقوى وآليات رقابية أوسع
يرى عبد الرحيم العلام أن وزن المعارضة البرلمانية لا يرتبط بعدد المقاعد فقط، بل كذلك بقدرتها على التنسيق وتوظيف الآليات الدستورية والرقابية المتاحة لها، مبرزا أن تركيبة المعارضة الحالية قد تمنحها هامشا أكبر للتحرك مقارنة بالمعارضة السابقة، خصوصا في ما يتعلق بتشكيل لجان تقصي الحقائق، التي تتطلب بلوغ عتبة محددة من أعضاء مجلس النواب.
وأوضح العلام أن المعارضة الحالية، من خلال تجميع مقاعد أحزاب من بينها التجمع الوطني للأحرار للقوات الشعبية والعدالة والتنمية والحركة الشعبية، باتت قادرة على بلوغ النصاب المطلوب لتشكيل لجان تقصي الحقائق، والمحدد في 132 نائبا، ملفتا إلى أن هذا العدد كان من بين الحدود التي لم تكن المعارضة السابقة قادرة على تجاوزها، وهو ما قد يتيح للمعارضة الحالية إمكانية تشكيل لجان لتقصي الحقائق بشأن ملفات مختلفة خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب العلام، فإن هذه الإمكانية قد تجعل آليات الرقابة البرلمانية أكثر حضورا خلال الولاية التشريعية الجديدة، بالنظر إلى قدرة المعارضة على تجميع العدد اللازم لتفعيل هذه الآلية، ولا يعني ذلك أن تشكيل اللجان سيتم تلقائيا، إذ يظل الأمر مرتبطا بالشروط والإجراءات القانونية اللازمة، فضلا عن قدرة الأحزاب المعنية على التنسيق بشأن الملفات التي ترغب في إخضاعها للتقصي، يضيف العلام.
من جانبه، شدد فاتيحي على أن وجود معارضة قوية عدديا ومتمرسة سياسيا قد يتسبب في التشويش أو الارتباك بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، حتى إذا سعت المنصوري إلى ضمان شرعية سياسية لفريقها الحكومي من خلال إشراك أحزاب ذات امتدادات تاريخية مشتركة، ويرى أن طبيعة المواجهة مع معارضة قادرة على التحرك داخل البرلمان ستضع الحكومة أمام اختبار تدبير الخلافات السياسية وتقديم أجوبة عن الملفات المطروحة، بدل الاكتفاء بالاستناد إلى أغلبيتها العددية.
توزيع الحقائب.. اختبار الكفاءة والترضيات
إلى جانب الحسابات البرلمانية، يبرز تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية باعتبارهما اختبارا أساسيا لقدرة الأغلبية الجديدة على الانتقال من التوافق السياسي إلى التدبير الفعلي، فالأسماء التي ستتولى المسؤولية داخل السلطة التنفيذية، ومدى امتلاكها الخبرة اللازمة لتدبير القطاعات المسندة إليها، سيكونان من العوامل المؤثرة في أداء الحكومة وفي قدرتها على الاستجابة للانتظارات المطروحة.
وفي هذا الجانب، اعتبر فاتيحي أن المعطيات المتداولة بشأن التشكيلة الحكومية المرتقبة لا توحي، في تقديره، بحدوث قطيعة مع نمط تشكيل الحكومات السابقة، وأوضح أن الترشيحات لتولي الحقائب الوزارية قد تظل محكومة بمنطق الترضيات بين مكونات التحالف أكثر من الاحتكام إلى معيار الكفاءة، وهو ما يثير، بحسب قراءته، سؤال مدى قدرة الحكومة المقبلة على اختيار شخصيات تتوفر على المؤهلات المهنية اللازمة لتدبير القطاعات المسندة إليها.
وأضاف أن الصورة النهائية للحكومة ستتضح مع الإعلان عن مكوناتها وأعضائها، إذ ستكشف طبيعة التشكيلة عن مخرجات المفاوضات السياسية والأسس التي جرى اعتمادها في توزيع الحقائب الوزارية، وعندها، وفق فاتيحي، ستخضع المنصوري للمساءلة بشأن طبيعة الفريق الذي ستعتمد عليه ومدى قدرته المهنية على تدبير الأوراش الكبرى، وفي مقدمتها الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 وتفعيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
وشدد المحلل على أن نجاح الحكومة لا يرتبط فقط بالتوازنات التي تفرضها المفاوضات بين الأحزاب، بل يتطلب أيضا حضور شخصيات تقنية قادرة على مواكبة الملفات المعقدة وتدبير المشاريع الكبرى، ويرى أن هذه الأوراش تحتاج إلى خبرة مهنية وتخصصية، إلى جانب الشرعية السياسية التي توفرها الأحزاب المشاركة في الحكومة، بما يضمن ترجمة الاختيارات المعلنة إلى برامج قابلة للتنفيذ.
تحديات تختبر قدرة الحكومة على ابتكار الحلول
لن يقتصر اختبار الأغلبية الجديدة على تدبير التوازنات داخل البرلمان أو ضمان الانسجام بين مكوناتها، بل سيمتد إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، فارتفاع كلفة الطاقة وضغط الأسعار واستمرار بطالة الشباب، إلى جانب الأوراش الاستراتيجية الكبرى، تضع الحكومة المقبلة أمام تحديات تتطلب إجراءات ملموسة وقدرة على التنفيذ.
وفي هذا السياق، وضع فاتيحي أزمات الطاقة وغلاء الأسعار وبطالة الشباب ضمن أبرز التحديات التي ستواجه حكومة المنصوري، معتبرا أن تعقيد هذه الملفات يفرض ابتكار حلول مبدعة تتجاوز أساليب التدبير التقليدية، وأوضح أن الحكومة ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على التعامل مع هذه الأزمات بالتوازي مع مواصلة المشاريع الكبرى، بما فيها تنظيم كأس العالم 2030 وتنزيل الجهوية المتقدمة وتفعيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية.
ويرى المحلل أن طبيعة الفريق الحكومي ومدى توفر أعضائه على الكفاءة المهنية ستكون عاملا أساسيا في تحديد قدرته على مواجهة هذه الملفات، مشيرا إلى أن الحكم على الحكومة لن يتوقف عند ظروف تشكيلها أو التفاهمات التي أفضت إلى توزيع الحقائب، بل سيمتد إلى نتائج أدائها ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات المطروحة.
وتضع هذه الملفات الأغلبية الجديدة يضيف المتحدث ذاته، أمام اختبار مزدوج، الحفاظ على تماسكها السياسي والبرلماني من جهة، وتقديم أجوبة عملية عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، فامتلاك الأغلبية العددية لا يضمن وحده نجاح السياسات العمومية، ما لم يقترن بكفاءة التدبير والقدرة على التنسيق بين القطاعات والمؤسسات وتحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة.
الكتلة الديمقراطية.. تقارب حكومي دون عودة للتحالف التاريخي
أعاد وجود أحزاب ذات امتدادات تاريخية مشتركة داخل الأغلبية الجديدة النقاش بشأن احتمال عودة تجربة الكتلة الديمقراطية، غير أن العلام يرفض اعتبار التقارب الحالي امتدادا مباشرا لذلك التحالف التاريخي، مؤكدا أن الكتلة انتهت منذ سنوات، وأنها لم تعد قائمة باعتبارها إطارا سياسيا موحدا يجمع مكوناتها حول مشروع مشترك.
وأوضح العلام أن الكتلة تشكلت في سياق سياسي ارتبط بالمطالب الدستورية، وكانت في مرحلة معينة إطارا لمعارضة قوية، غير أن التحولات التي عرفتها الأحزاب المعنية وتغير مواقعها داخل الحكومات المتعاقبة يجعلان الحديث عن عودتها غير دقيق، فالتقارب التاريخي بين الأحزاب لا يعني بالضرورة استمرار التحالف بينها، كما أن مشاركتها في حكومة واحدة لا تكفي وحدها لإعادة إحياء تجربة سياسية انتهت شروطها السابقة.
واستحضر العلام مشاركة حزب التقدم والاشتراكية في حكومة عبد الإله بنكيران إلى جانب حزب العدالة والتنمية، كما أشار إلى دخول حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حكومة سعد الدين العثماني إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، ولفت أيضا إلى أن حزب الاستقلال شارك في حكومة عزيز أخنوش، في حين ظل الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية خارجها، وهو ما يعكس، بحسب قراءته، تغير التحالفات ومواقع الأحزاب من تجربة إلى أخرى.
ويرى العلام أن الحديث عن عودة الكتلة الديمقراطية لا يستند إلى واقع التحالفات السياسية الحالية، لأن الأحزاب التي جمعتها في السابق محطات مشتركة اتخذت لاحقا مواقف مختلفة، وتحالفت مع أطراف متباينة بحسب السياقات السياسية والحكومية، لذلك، فإن وجود بعض هذه الأحزاب داخل الأغلبية الجديدة ينبغي قراءته في ضوء التفاهمات الراهنة، وليس باعتباره استعادة للتجربة التاريخية للكتلة، وفق تعبيره.