الملك محمد السادس، يستقبل اليوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة،
سياسة

استقبال ملكي للمنصوري”.. رسائل “الجدية والمسؤولية” تُعطي أولوية النتائج على التوافقات الحزبية

بعد يومين فقط من إعلان مكونات الأغلبية الحكومية الجديدة، انتقل مسار تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري إلى محطة جديدة، باستقبال الملك محمد السادس، أمس الأربعاء 14 أكتوبر 2026، لرئيسة الحكومة المكلفة بالقصر الملكي بالرباط، في لقاء حمل، إلى جانب طابعه الدستوري، إشارات سياسية تتصل بطبيعة المرحلة المقبلة، وحجم الرهانات المطروحة على الجهاز التنفيذي المرتقب.

فالاستقبال الملكي، الذي جاء بعد نحو أسبوعين من تعيين المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، لم يقتصر بلاغ الديوان الملكي بشأنه على الإشارة إلى اطلاع الملك على مختلف المراحل التي قطعها مسار التشكيل، بل تضمن تأكيدا ملكيا على ضرورة “التعبئة الشاملة” و”الأداء الحكومي الجاد والمسؤول”، في صياغة تفتح المجال لقراءة سياسية تتجاوز تفاصيل المفاوضات الحزبية إلى سؤال قدرة الحكومة المقبلة على الاستجابة للانتظارات المجتمعية.

وبحسب بلاغ الديوان الملكي، فقد أطلعت المنصوري الملك محمد السادس على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة، فيما أعرب الملك عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، مؤكدا ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة وأداء حكومي جاد ومسؤول، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وعلى مختلف المستويات.

من نجاح المفاوضات إلى امتحان النتائج

يكتسي توقيت هذا الاستقبال أهمية خاصة، بالنظر إلى أنه يأتي بعد إعلان المنصوري، مساء الاثنين الماضي، التوصل إلى اتفاق سياسي لتشكيل أغلبية حكومية رباعية، تضم حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر للانتخابات التشريعية الأخيرة، إلى جانب أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

وبذلك تكون رئيسة الحكومة المكلفة قد قطعت إحدى أهم مراحل تشكيل الحكومة، المتمثلة في تأمين الأغلبية البرلمانية، بعدما أسفرت المشاورات السياسية عن تحالف يضم 207 مقاعد بمجلس النواب، متجاوزا عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا.

غير أن تجاوز عقبة الحسابات البرلمانية يفتح أمام المنصوري اختبارا أكثر تعقيدا، يتعلق بمدى قدرة الأحزاب الأربعة على تحويل التفاهم السياسي إلى فريق حكومي منسجم، وبرنامج قابل للتنفيذ، خاصة أن التحالف الجديد يجمع مكونات حزبية ذات تجارب وتوجهات وحسابات سياسية مختلفة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب العبارات الواردة في البلاغ الملكي دلالة مهمة، إذ لم ينصب التأكيد على نجاح عملية تشكيل الأغلبية، وإنما على متطلبات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها الجدية والمسؤولية والتعبئة لمواجهة التحديات.

ويمكن قراءة هذا التوجه باعتباره إبرازا لأولوية النتائج الحكومية على مجرد التوافقات الحزبية، خصوصا في سياق تتزايد فيه المطالب الاجتماعية المرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم، إلى جانب تحديات التنمية الاقتصادية وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

رسائل في الكلمات المختارة

تبدو عبارة “الأداء الحكومي الجاد والمسؤول” من أبرز المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة مضمون البلاغ الملكي، لما تحمله من تركيز على كيفية ممارسة المسؤولية التنفيذية، وليس فقط على الشروط السياسية للوصول إليها.

فالجدية في الأداء الحكومي تحيل، في بعدها السياسي، إلى فعالية القرار العمومي والقدرة على تنفيذ الالتزامات، فيما ترتبط المسؤولية بضرورة تحمل الحكومة تبعات اختياراتها وتدبيرها للملفات المطروحة، بعيدا عن منطق توزيع المكاسب السياسية بين مكونات الأغلبية.

أما التأكيد على “التعبئة الشاملة”، فيمكن فهمه في سياق الحاجة إلى تعبئة مختلف الإمكانات والفاعلين والمؤسسات لمواكبة حجم التحديات المقبلة، وهي تحديات لا يمكن اختزالها في البرنامج السياسي للأحزاب المشاركة في الحكومة.

ولعل اللافت أن البلاغ استحضر “الرهانات والتحديات والانتظارات” دون تحديد ملفات قطاعية بعينها، وهو ما يمنح التأكيد الملكي طابعا عاما وشاملا، يمتد إلى مختلف مستويات العمل الحكومي، ويجعل الاستجابة للانتظارات معيارا أساسيا في تقييم أداء الحكومة المرتقبة.

ومع ذلك، فإن هذه القراءة لا تعني أن الاستقبال تضمن انتقادا للتشكيلة السياسية الجديدة أو تحفظا على طريقة تدبير المشاورات، إذ لم يرد في البلاغ ما يشير إلى وجود اعتراضات أو صعوبات في تشكيل الحكومة.

ويأتي هذا التطور في وقت تستعد فيه الأحزاب الأربعة للانتقال من مرحلة التوافق على التحالف إلى مرحلة اقتراح الأسماء المرشحة للاستوزار وإعداد البرنامج الحكومي، حيث كان بلاغ إعلان الأغلبية قد أكد أن الأحزاب المعنية ستعمل على اقتراح وزيرات ووزراء تتوفر فيهم الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة، ضمن حكومة وصفها بأنها ستكون منسجمة وقوية وقادرة على تفعيل برنامج حكومي يُعد في أسرع الآجال.

غير أن التحدي الذي ينتظر المنصوري لا يرتبط فقط باختيار الكفاءات وتوزيع الحقائب، بل يمتد إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الانسجام السياسي والنجاعة الحكومية، وتدبير الاختلافات المحتملة بين أحزاب الأغلبية، في ظل هامش برلماني محدود نسبيا يفصلها عن عتبة الأغلبية المطلقة.

وتطرح هذه المعادلة أسئلة بشأن قدرة التحالف الجديد على تجاوز منطق التوازنات الحزبية التقليدية، وإرساء آليات مشتركة لاتخاذ القرار وتدبير الخلافات، وضمان وحدة الخطاب والممارسة الحكومية في مواجهة الملفات الاقتصادية والاجتماعية ذات الكلفة السياسية المرتفعة.

استقبال دستوري لا يعني اكتمال التشكيلة الحكومية

على المستوى الدستوري، شدد الديوان الملكي على أن استقبال المنصوري يندرج في إطار الصلاحيات المخولة للملك محمد السادس، وحرصه على ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية.

ويكتسي هذا التوضيح أهميته بالنظر إلى المقتضيات المنصوص عليها في الفصل 47 من الدستور، الذي يمنح الملك صلاحية تعيين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، فيما ينظم الفصل 88 مسطرة عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان والحصول على ثقة مجلس النواب.

وبالتالي، فإن الاستقبال، رغم أهميته السياسية والدستورية، لا يعني بالضرورة أن الحكومة اكتملت تشكيلتها، أو أن رئيسة الحكومة المكلفة قدمت لائحة نهائية بأسماء الوزراء، إذ لم يتضمن البلاغ أية إشارة صريحة إلى ذلك.

كما لم يحدد الديوان الملكي موعدا للإعلان عن التشكيلة الحكومية، ما يبقي الأنظار متجهة إلى المراحل المتبقية من المشاورات، وإلى مدى سرعة توافق الأحزاب الأربعة على هندسة الجهاز التنفيذي الجديد.

وفي المحصلة، يؤشر الاستقبال الملكي لرئيسة الحكومة المكلفة على محطة مهمة في المسار السياسي الذي أعقب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، بعدما انتقل النقاش تدريجيا من هوية الأحزاب التي ستشكل الأغلبية إلى طبيعة الحكومة التي ستقود المرحلة المقبلة.

وإذا كانت المنصوري قد تمكنت من جمع أربعة أحزاب حول اتفاق سياسي يمنحها الأغلبية البرلمانية اللازمة، فإن هذا المكسب يظل بداية مسار أكثر تعقيدا، تُقاس نتائجه بمدى نجاح الحكومة في الوفاء بالتزاماتها، وتدبير الاختلافات بين مكوناتها، وإنتاج سياسات عمومية تستجيب لحجم التطلعات الاجتماعية والاقتصادية.

وبين متطلبات التوازن الحزبي وضرورات الفعالية الحكومية، تبدو رئيسة الحكومة المقبلة أمام مسؤولية مزدوجة: المحافظة على تماسك الأغلبية من جهة، وإثبات قدرتها على قيادة فريق حكومي منتج ومنسجم من جهة ثانية.

وهكذا، فإن أبرز ما يمكن استخلاصه من بلاغ الديوان الملكي ليس الإعلان عن تقدم جديد في مفاوضات تشكيل الحكومة فحسب، بل إبراز حجم المسؤولية التي تنتظرها بعد اكتمال تشكيلها؛ إذ لم يعد السؤال السياسي المركزي مقتصرا على معرفة الأحزاب التي ستشارك في الحكم، بل بات يتصل أساسا بكيفية ممارستها السلطة التنفيذية، وبالنتائج التي يمكن أن تحققها للمغاربة.