لم تعد أزمة المشاركة السياسية للشباب المغربي مجرد إشكالية مرتبطة بالعزوف الانتخابي أو ضعف الانخراط في التنظيمات الحزبية، بل أضحت تعبيراً عن تحولات عميقة تمس علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسات السياسية، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية، وقدرة الأحزاب على تجديد وظائفها الدستورية واستيعاب التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. ففي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، وتتشكل فيه أنماط جديدة من الوعي السياسي لدى جيل «زيد»، لا تزال قطاعات واسعة من الممارسة الحزبية أسيرة آليات تقليدية في الاستقطاب والتأطير وإنتاج النخب، الأمر الذي جعل المسافة تتسع بين جيل يتطلع إلى المشاركة في صناعة القرار، وبنيات سياسية لم تنجح دائماً في مواكبة انتظاراته.
وفي خضم هذا الواقع، تبرز مبادرة تأسيس «حزب الشباب الوطني» بوصفها محاولة شبابية للانتقال من موقع المتابعة والانتقاد إلى فضاء المبادرة والتنظيم، ومن التعبير عن المطالب خارج المؤسسات إلى السعي للمساهمة في تدبير الشأن العام من داخلها. وهي مبادرة تكتسب أهميتها، ليس لمجرد اقتراح إضافة تنظيم سياسي جديد إلى المشهد الحزبي المغربي، وإنما لما تثيره من نقاش حول إمكانية إعادة الاعتبار للعمل الحزبي باعتباره وسيلة لخدمة الصالح العام، ومدرسة لإنتاج الكفاءات والنخب، وإطاراً مؤسساتياً للمشاركة الديمقراطية.
ولعل استعارة «حصان طروادة» في توصيف هذا الرهان تحمل دلالة سياسية تستحق التأمل؛ إذ لا يتعلق الأمر بمحاولة اختراق المؤسسات من أجل تقويضها، وإنما باستعارة رمزية تعبر عن طموح جيل جديد إلى تجاوز الحواجز غير المعلنة التي تحول دون ولوجه إلى مواقع المسؤولية. فالحصان هنا ليس أداة للخداع أو الهدم، بل صورة مجازية لمبادرة سياسية تسعى إلى فتح أبواب ظلت، في كثير من الأحيان، موصدة أمام الكفاءات الشابة، وإعادة طرح سؤال طالما أُجِّلت الإجابة عنه: لماذا يُستدعى الشباب عند الحاجة إلى التعبئة الانتخابية، بينما يظل حضوره محدوداً عند توزيع المسؤوليات وصناعة القرارات؟
إن هذا السؤال لا ينطلق من موقف عدائي تجاه الأحزاب السياسية القائمة، ولا من رغبة في القطيعة مع التجارب الحزبية التي أسهمت في بناء المسار الديمقراطي المغربي، وإنما من قناعة مفادها أن احترام التاريخ السياسي لا يعني الارتهان إلى آلياته التقليدية، وأن الوفاء لتراكماته يقتضي تطويرها وتجديد أدواتها. فالأحزاب، مهما بلغت مكانتها التاريخية، لا تستمد مشروعيتها من ماضيها وحده، بل من قدرتها المستمرة على تمثيل المجتمع وتأطير مواطنيه وإنتاج البدائل التي تستجيب لتحولاته.
ومن منظور دستوري، لا يمكن النظر إلى تأسيس حزب سياسي باعتباره مجرد مبادرة تنظيمية أو تعبيراً عن طموح فئة اجتماعية؛ ذلك أن دستور المملكة المغربية لسنة 2011 جعل من التعددية الحزبية أحد المرتكزات الأساسية للنظام الدستوري، وأسند إلى الأحزاب، بموجب الفصل السابع، مهام تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام، والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب وبالوسائل الديمقراطية.
وتزداد أهمية هذا المقتضى عند استحضار الفصل الثالث والثلاثين من الدستور، الذي يدعو السلطات العمومية إلى اتخاذ التدابير الملائمة لتوسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، ومساعدتهم على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية. وبذلك، فإن مشاركة الشباب في الحياة السياسية ليست امتيازاً تمنحه التنظيمات القائمة متى شاءت، ولا مجرد مطلب ظرفي يرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، بل هي توجه دستوري يندرج ضمن مقومات الديمقراطية المواطنة والتشاركية.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الاعتراف الدستوري بهذه المشاركة، وإنما في المسافة الفاصلة بين المقتضى القانوني والممارسة السياسية. فكم من شاب امتلك الكفاءة العلمية والقدرة على التحليل والمبادرة، لكنه وجد نفسه أمام تنظيمات لا تتيح له سوى أدوار ثانوية؟ وكم من إطار حزبي شاب ظل ينتظر فرصة المشاركة الفعلية في اتخاذ القرار، قبل أن يكتشف أن معيار التدرج التنظيمي لا يرتبط دائماً بالكفاءة أو الاستحقاق، بقدر ما قد يتأثر بشبكات العلاقات والولاءات وموازين النفوذ؟
وهنا تتجلى إحدى المعضلات البنيوية التي تواجه تجديد الحياة الحزبية المغربية، والمتمثلة في استمرار حضور منطق الأعيان والوجاهة الاجتماعية والقدرة المالية في تحديد موازين التنافس السياسي. ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في أدوار جميع الأعيان أو الفاعلين الاقتصاديين، فالمشاركة السياسية حق لجميع المواطنين دون تمييز، وإنما بنقد تحول المال والنفوذ، في بعض الممارسات، إلى معيار شبه حاسم في انتقاء المرشحين وصناعة القيادات، على حساب الكفاءة والنزاهة والقدرة على تقديم مشروع مجتمعي.
لقد أفرز هذا المنطق، في بعض تجلياته، مفارقة يصعب تجاهلها؛ إذ أصبحنا أمام مشهد سياسي قد تتقدم فيه القدرة على حشد الأصوات على القدرة على إنتاج الأفكار، وتتراجع فيه قيمة البرنامج أمام الاعتبارات الانتخابية الضيقة، بينما يُختزل العمل الحزبي أحياناً في حسابات المقاعد والتحالفات وموازين الربح والخسارة. والحال أن الحزب السياسي، في جوهره الدستوري والديمقراطي، ليس مقاولة انتخابية موسمية، ولا جهازاً لتوزيع المواقع، وإنما مؤسسة للوساطة بين المجتمع والدولة، وفضاء لإنتاج التصورات السياسية وتأهيل المواطن لتحمل المسؤولية.
ومن هنا تحديداً يستمد مشروع تأسيس حزب الشباب الوطني جزءاً من مبرراته السياسية؛ فهو، وفق ما يتضمنه ميثاقه التأسيسي، يطمح إلى إعادة الاعتبار للممارسة الحزبية القائمة على المبادئ والبرامج والكفاءات، وإلى جعل خدمة المواطن وتحقيق المصلحة العامة غاية للعمل السياسي، بدل اختزاله في المصالح الشخصية أو الفئوية الضيقة.
واللافت في هذا الميثاق أنه لا يقدم الشباب باعتبارهم فئة عمرية مغلقة تسعى إلى احتكار التمثيل السياسي، بل باعتبارهم قيمة متجددة ترتبط بروح المبادرة والمسؤولية والقدرة على الإصلاح. وهي مقاربة تستحق التوقف عندها، لأنها تحرر مفهوم الشباب من حدوده البيولوجية، وتجعله تعبيراً عن تصور سياسي يقوم على التجدد والانفتاح والعمل المشترك بين الأجيال.
فالمغرب الذي نطمح إلى الإسهام في بنائه لا يمكن أن يكون وطناً لجيل دون آخر، ولا لفئة اجتماعية على حساب غيرها. إنه وطن للجميع، تتكامل فيه خبرة الأجيال السابقة مع طموحات الأجيال الجديدة، وتلتقي فيه المعرفة الأكاديمية بالتجربة الميدانية، وتصبح فيه المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، بعيداً عن منطق الامتيازات الموروثة أو الولاءات الضيقة.
غير أن تجديد النخب لا يتحقق بمجرد استبدال وجوه شابة بأخرى متقدمة في السن، لأن الشباب ليس ضمانة تلقائية للنزاهة أو الكفاءة، مثلما لا يشكل التقدم في العمر دليلاً على العجز عن التجديد. فالرهان الحقيقي يكمن في تغيير القواعد التي تنتج النخب السياسية، والانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومن ثقافة الولاء إلى ثقافة الاستحقاق، ومن التنافس على المواقع إلى التنافس حول المشاريع والبرامج.
ولهذا، فإن أي مشروع حزبي شبابي جاد مطالب بأن يجعل من الديمقراطية الداخلية أول اختبار لمصداقيته، وأن يكرس التداول على المسؤوليات، وشفافية اتخاذ القرار، وربط المواقع التنظيمية بالكفاءة والمحاسبة، وإتاحة المجال أمام النساء والشباب والكفاءات القادمة من مختلف الجهات والأوساط الاجتماعية. فلا معنى للمطالبة بتجديد الحياة السياسية الوطنية إذا أعادت التنظيمات الجديدة إنتاج الاختلالات ذاتها التي تنتقدها في غيرها.
إننا، باعتبارنا جيلاً نشأ في ظل التحولات الرقمية والانفتاح المعرفي والتواصل العالمي، لا نريد أن نكون مجرد امتداد شكلي لتجارب سياسية سابقة، ولا أن نؤسس خطاباً يقوم على الاحتجاج الدائم دون امتلاك القدرة على الاقتراح. إن طموحنا هو الانتقال من ثقافة المطالبة بالمشاركة إلى تحمل مسؤوليتها، ومن الاكتفاء بتشخيص الأزمات إلى المساهمة في بلورة الحلول، ومن النظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً مغلقاً إلى اعتبارها شأناً مجتمعياً مشتركاً.
وفي هذا السياق، يكتسب البعد الوطني لمشروع حزب الشباب الوطني أهمية خاصة؛ ذلك أن التجديد السياسي لا ينبغي أن يقوم على التنكر للثوابت الجامعة للأمة المغربية، وإنما على استحضارها باعتبارها إطاراً ناظماً للاختلاف والتعدد. فالدفاع عن الوحدة الوطنية والترابية للمملكة، والتمسك بالملكية الدستورية، وصون الهوية المغربية بروافدها المتعددة، واحترام الدين الإسلامي ومكانته الدستورية، وترسيخ الاختيار الديمقراطي، ليست قضايا ظرفية تخضع للمزايدات الحزبية، بل مرتكزات أساسية تضمن استمرارية الدولة ووحدة المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن مغربية الصحراء والوحدة الترابية للمملكة، وتعزيز حضور المغرب في محيطه الإفريقي والعربي والمتوسطي والدولي، ينبغي أن يقترنا ببناء جبهة داخلية قوية، قوامها العدالة الاجتماعية والمجالية، وتكافؤ الفرص، والثقة في المؤسسات. فالوطنية لا تختزل في الخطابات والشعارات، وإنما تتجسد أيضاً في قدرة السياسات العمومية على صون كرامة المواطن، وضمان حقه في التعليم والصحة والشغل والسكن، وتمكينه من الإسهام في التنمية والاستفادة العادلة من ثمارها.
ولا يمكن الحديث عن وطن قوي في ظل استمرار التفاوتات التي تجعل فرص الارتقاء الاجتماعي مرتبطة، في بعض الأحيان، بالموقع الجغرافي أو الوضعية الاقتصادية للأسرة. كما يصعب بناء الثقة في المؤسسات إذا ظل المواطن يشعر بأن جودة الخدمات العمومية تتحدد بقدرته المالية، أو بأن المسافة بينه وبين مراكز القرار أكبر من المسافة التي تفصله عنها جغرافياً.
وعليه، فإن الرهان السياسي الذي يحمله ميثاق حزب الشباب الوطني يجد ترجمته في جملة من التوجهات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها الدفاع عن المدرسة العمومية، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وتطوير منظومة التكوين والتشغيل، وتيسير الولوج إلى السكن، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وبناء اقتصاد وطني منتج يقوم على الصناعة والفلاحة والابتكار والاستثمار المسؤول.
وتبرز ضمن هذه التوجهات مقترحات ذات دلالة اجتماعية، من قبيل برنامج «دارنا» الرامي إلى دعم الاستقرار السكني للفئات الهشة، ومبادرة «يد فيد» الهادفة إلى مواكبة الباحثين عن العمل وتيسير إدماجهم المهني، وبرنامج «حنا مغاربة» الموجه إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، فضلاً عن برنامج «ولادنا» الذي يضع حماية الطفولة ومواكبتها ضمن أولويات العمل العمومي.
ولا تكمن أهمية هذه المقترحات في تسمياتها أو في بعدها التعبوي، وإنما في ما تعكسه من محاولة للانتقال من الخطاب السياسي العام إلى التفكير في أدوات عملية للتدخل العمومي. ومع ذلك، فإن الجدية السياسية تقتضي إخضاع هذه المشاريع لدراسات الجدوى والتقييم المالي والمؤسساتي، وتحديد مصادر تمويلها وآليات تنفيذها ومؤشرات قياس أثرها؛ لأن المسؤولية تفرض التمييز بين ما نطمح إلى تحقيقه وما تسمح الإمكانات الوطنية بإنجازه، دون التخلي عن الطموح أو السقوط في الوعود غير القابلة للتنفيذ.
وفي تقديرنا، فإن إحدى الأولويات التي ينبغي أن يحملها أي مشروع سياسي شبابي تتمثل في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الحزبية. وهذه الثقة لا تستعاد بحملات التواصل أو بالشعارات الانتخابية، وإنما بممارسة سياسية يومية تجعل الحزب حاضراً في قضايا المواطنين، منصتاً لانشغالاتهم، ومشاركاً في النقاش العمومي، وقادراً على تقديم البدائل والدفاع عنها بالحجة والمعرفة.
كما أن بناء نخب سياسية جديدة يستدعي إعادة الاعتبار للتكوين الحزبي، من خلال إحداث فضاءات دائمة للتأهيل في القانون الدستوري والعلوم السياسية والاقتصاد والتدبير العمومي والتشريع والتواصل السياسي، وربطها بالتجربة الميدانية داخل الجماعات الترابية والمؤسسات المنتخبة. فالمسؤول السياسي لا يُصنع في الحملات الانتخابية وحدها، وإنما يتشكل عبر مسار طويل من التعلم والممارسة والانضباط للقيم الديمقراطية.
ومن شأن هذا التصور أن يحول المؤسسة الحزبية إلى مدرسة للمواطنة وإنتاج الكفاءات، بدل أن تبقى مجرد آلية للترشيح الانتخابي. كما يمكن أن يساهم في تجاوز الصورة النمطية التي تربط العمل السياسي بالمصالح الشخصية، عبر ترسيخ نموذج جديد للفاعل السياسي الذي يستمد مكانته من المعرفة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
بيد أن نجاح هذا الرهان يظل مشروطاً كذلك بالقدرة على بناء تنظيم منفتح على المجتمع، لا يكتفي باستقطاب خريجي الجامعات والمعاهد العليا، بل يمنح المكانة نفسها للشباب العاملين في القطاعات المهنية والحرفية والفلاحية، ولأبناء المناطق القروية والهامشية، وللنساء والشباب الذين لم تتح لهم فرص التعليم العالي. فالكفاءة السياسية لا تحتكرها الشهادات الأكاديمية، وإن كانت المعرفة العلمية إحدى ركائزها الأساسية، وإنما تتغذى أيضاً من التجربة الاجتماعية والقدرة على فهم الواقع والإنصات للمواطنين.
إن جيل «زيد»، الذي كثيراً ما يُختزل حضوره في الفضاءات الرقمية، ليس جيلاً منفصلاً بالضرورة عن قضايا وطنه، بل هو جيل يمتلك أدوات مختلفة للتعبير والتواصل وإنتاج المعرفة. غير أن التحدي المطروح أمامه يتمثل في تحويل هذا الوعي الرقمي إلى مشاركة سياسية منظمة، لأن التأثير في النقاش العمومي، على أهميته، لا يعوض وحده العمل المؤسساتي، مثلما أن الانتقاد عبر المنصات الرقمية لا يغني عن المساهمة في إعداد السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها.
وهنا تتجدد دلالة «حصان طروادة»؛ فالمطلوب ليس أن يدخل الشباب إلى المؤسسات حاملين الرغبة في الانتقام من تجارب سابقة، بل أن يحملوا معهم تصوراً مختلفاً لممارسة السلطة والمسؤولية. وليس الهدف إقصاء النخب القائمة، بل إرساء شروط منافسة ديمقراطية عادلة تتيح بروز كفاءات جديدة. كما أن الرهان ليس الوصول إلى البرلمان أو الجماعات الترابية بأي ثمن، وإنما الوصول إليها ببرامج واضحة، ومشروعية انتخابية، واستعداد حقيقي لتحمل أعباء التمثيل والمساءلة.
ومع ذلك، فإن تأسيس حزب جديد لا ينبغي أن يتحول في حد ذاته إلى غاية سياسية مستقلة؛ فالتعددية الحزبية لا تقاس بعدد التنظيمات فقط، وإنما بمدى تنوع مشاريعها وقدرتها على تأطير المجتمع والإسهام في تطوير الممارسة الديمقراطية. ومن ثم، فإن السؤال الذي سيواجه حزب الشباب الوطني لن يكون متعلقاً بقدرته على استكمال مساره التأسيسي وفق المقتضيات القانونية فحسب، بل بقدرته على إثبات قيمة مضافة داخل المشهد السياسي، وتقديم إجابات مختلفة عن الأسئلة التي عجزت بعض الممارسات التقليدية عن معالجتها.
إن الحزب الذي يطمح إلى بناء النخب مطالب أولاً ببناء ثقافة سياسية داخلية سليمة، والحزب الذي يدعو إلى مكافحة الفساد مطالب بأن يجعل الشفافية قاعدة في تدبير موارده وقراراته، والحزب الذي يدافع عن تكافؤ الفرص مطالب بأن يترجم هذا المبدأ في اختيار مسؤوليه ومرشحيه. فالمصداقية لا تنشأ من جمال المبادئ المكتوبة في المواثيق، وإنما من مدى انسجامها مع السلوك السياسي والتنظيمي.
ولذلك، فإن مبادرة تأسيس حزب الشباب الوطني، مهما كانت طموحاتها، تظل مشروعاً مفتوحاً على الاختبار الديمقراطي، لا تجربة مكتملة تستحق الإشادة المسبقة ولا محاولة ينبغي الحكم عليها بالفشل قبل أن تتاح لها فرصة إثبات ذاتها. وسيكون معيار نجاحها الحقيقي هو قدرتها على الصمود أمام إغراءات المواقع والمصالح، والحفاظ على استقلالية قرارها، وتقديم الكفاءة على الولاء الشخصي، والمصلحة الوطنية على الحسابات الانتخابية الضيقة.
لقد آن الأوان لإعادة التفكير في موقع الشباب داخل الحياة السياسية المغربية، بعيداً عن المقاربات التي تختزلهم في مجرد خزانات انتخابية أو واجهات تواصلية. فالمغرب لا يحتاج إلى شباب يصفقون للقرارات بعد اتخاذها، بقدر ما يحتاج إلى شباب يشاركون في إعدادها، ويناقشون جدواها، ويتحملون مسؤولية تنفيذها وتقييم نتائجها. كما أنه لا يحتاج إلى صراع بين الأجيال، وإنما إلى تعاقد سياسي وأخلاقي جديد يجعل التجربة سنداً للطموح، والمعرفة أساساً للمسؤولية، والمصلحة العامة معياراً للحكم على الأداء السياسي.
إننا لا نطمح إلى دخول الحياة السياسية بحثاً عن امتياز، ولا إلى تأسيس حزب لمجرد إضافة اسم جديد إلى لائحة التنظيمات القائمة. ما نطمح إليه هو المساهمة في بناء وطن يجد فيه المواطن مكانته بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي أو انتمائه المجالي، وطن تكون فيه المدرسة العمومية طريقاً للارتقاء الاجتماعي، والمستشفى العمومي فضاءً لصون الكرامة، والعمل مصدراً للاستقلال الاقتصادي، والقانون ضمانة للمساواة والإنصاف.
نريد وطناً لا يكون فيه الانتماء الحزبي وسيلة للحصول على الامتيازات، ولا تتحول فيه المسؤولية الانتخابية إلى مجال للاستثمار الشخصي، ولا يصبح فيه المال معياراً لتحديد قيمة المواطن أو أحقيته في تمثيل غيره. نريد ممارسة سياسية تتنافس فيها الأفكار قبل الأشخاص، وتُقاس فيها قوة الأحزاب بقدرتها على إنتاج الحلول، لا بحجم شبكات النفوذ التي تمتلكها.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستحضره هو أن الأوطان لا تبنى بالنوايا الحسنة وحدها، كما أن الديمقراطية لا تتقدم بمجرد تغيير الشعارات والوجوه. إنها مسارات تراكمية تتطلب مؤسسات قوية، وقواعد واضحة، ونخباً مؤهلة، ومواطنين واعين بحقوقهم وواجباتهم، وثقافة سياسية تؤمن بأن الاختلاف لا يلغي الانتماء المشترك.
وفي نهاية المطاف، فإن رهان جيل «زيد» لا يتمثل في انتزاع مكان داخل المشهد السياسي بقدر ما يتمثل في المساهمة في تغيير الصورة التي ارتبطت بالممارسة الحزبية لدى قطاعات من المجتمع. وإذا استطاعت مبادرة حزب الشباب الوطني أن تجعل من الكفاءة معياراً، ومن الديمقراطية الداخلية ممارسة، ومن النزاهة التزاماً، ومن خدمة المواطن غاية، فإنها ستكون قد أسهمت، بصرف النظر عن نتائجها الانتخابية، في فتح نقاش وطني ضروري حول مستقبل الوساطة الحزبية وتجديد النخب السياسية.
أما «حصان طروادة» الذي نراهن عليه، فليس حصاناً يختبئ داخله طامعون في السلطة، بل مشروع سياسي نطمح إلى أن يحمل إلى المؤسسات جيلاً يؤمن بأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأن الدولة أسمى من المصالح الشخصية، وأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأن المستقبل لا ينبغي أن يظل حكراً على من اعتادوا صناعة القرار.
فلسنا جيلاً يسعى إلى وراثة المواقع، بل جيلاً يطمح إلى استحقاقها بالكفاءة والعمل. ولسنا بصدد البحث عن وطن بديل، وإنما عن موقع لنا في بناء وطننا المشترك.
ذلك هو الرهان الذي يستحق أن نخوضه: أن ننتقل من جيل ينتظر أن تُفتح له أبواب السياسة، إلى جيل يمتلك من الوعي والمعرفة والمسؤولية ما يؤهله لطرق تلك الأبواب بالوسائل الديمقراطية، لا طلباً لامتياز، وإنما إيماناً بأن خدمة المغرب مسؤولية مشتركة، وأن بناء مستقبله لا يمكن أن يتم دون مشاركة شبابه.
فالوطن الذي نريده ليس وطناً للشباب وحدهم، بل وطن للجميع؛ وطن تتجدد فيه النخب، وتتكافأ فيه الفرص، وتعلو فيه المصلحة العامة على كل اعتبار.
وهنا فقط، يفقد «حصان طروادة» دلالته الأسطورية بوصفه وسيلة للاختراق، ليصبح رمزاً لجيل اختار أن يدخل الحياة السياسية من أبواب الدستور والمؤسسات، مسلحاً بالمعرفة والمواطنة والإيمان بمستقبل المغرب.
فالمستقبل لا يُورث سياسياً، بل يُبنى جماعياً، ولا تصنعه الأجيال التي تنتظر دورها، وإنما الأجيال التي تستعد لتحمل مسؤوليتها.