حمزة الحساني
وجهة نظر

حين يُعاد بناء الأصول من القرآن: قراءة في “الحركة الإسلامية” وحتمية المراجعات الكبرى

تُقاس قيمة الكتب أحيانًا بما تطرحه من أسئلة قبل ما تقدمه من أجوبة. وكتاب الدكتور عبد الرحمان القاطي من هذا الصنف: صغير الحجم، كبير الطموح، يضع القارئ منذ صفحاته الأولى أمام سؤال جوهري: ماذا يحدث للخطاب الديني، وللحركات التي تتحدث باسمه، حين نعيد بناء الواجب الديني على المنطوق الصريح للوحي وحده؟

والأستاذ القاطي ليس غريبًا عن هذا الورش. فهو أستاذ للدرس الأصولي بالجامعة المغربية، وقد سبق أن عرض في كتابه «البرهان في حاكمية القرآن» ما سماه «النسق الأصولي الثالث». وهذا الكتاب ثمرة ناضجة لذلك المشروع، يطبّق أدواته على أسئلة الحاضر: العقيدة، والعلم، والتعدد الديني، والسلوك، والسياسة.

ويفتتح الكتاب بآيتين من طه والقمر عن تيسير القرآن للذكر، وبعبارة لديكارت عن الفلاسفة الذين يزيدون الواضح غموضًا. وفي هذا الاختيار إشارة ذكية إلى روح العمل كله: دين ميسَّر في أصله، وغموضٌ يتراكم حوله بفعل الزيادات. ثم يعلن المؤلف في «بين يدي الكتاب» أن الدين ما جاء إلا ليعمر الدنيا لا ليشقي أهلها، وأن اتساع الشر في الأرض مرتبط بالتخلف عن صريح الأمر الإلهي بالخير. وهي افتتاحية تضع القارئ أمام مشروع رسالي قبل أن يكون مشروعًا نظريًا.

بنية محكمة ومسار متدرج

أول ما يلفت القارئ حسن هندسة الكتاب. فبعد «بين يدي الكتاب» و«تقديم لا بد منه» ينتقل المؤلف إلى المقدمات الأربع عشرة في الانتقال الدلالي لانتزاع المعنى من القرآن، وهي القلب المنهجي للعمل. ثم تتفرع منها خمسة مخرجات معرفية: تخليص التوحيد مما ليس منه، وتوسيع الإمكان المعرفي والفلسفي، واستعادة هيمنة القرآن على ما سبقه، وتحرير السلوك إلى الله، وسحب التدافع السياسي باسم الدين من «الحركة الإسلامية» بمفهومها الخاص. ثم تأتي خلاصة وتوجيه بيداغوجي يختمان المسار.

هذا الترتيب من القواعد إلى النتائج، ومن النظر إلى التنزيل، يمنح الكتاب تماسكًا نادرًا في الكتابات الفكرية القصيرة، ويجعل القارئ يرى كيف تولّد المقدمات مخرجاتها، لا كيف تُلحق بها.

ومن دقائق التأليف أن «التقديم» يحدد مجال النقد بوضوح. فللحركة الإسلامية عند المؤلف مفهومان: خاص يشمل الجماعات التغييرية التي تتدافع مع السلطة على أساس ديني، وعام يشمل بقية التيارات من صوفية وسلفية، إضافة إلى أهل التأصيل الذين يمدّون هذه الجماعات بأسسها الفقهية. وبهذا التمييز يصير النقد متجهًا إلى الأرضية الأصولية المشتركة، وتنتقل المراجعة من مستوى الأشخاص والتنظيمات إلى مستوى الأسس. وفي هذا نضج منهجي يحمي الكتاب من الانزلاق إلى السجال الحزبي.

قوة المنهج واطّراد القاعدة

يُحسب للكتاب أنه لا يكتفي بالدعوى، بل يضع قاعدة ويجتهد في إجرائها على مسائل متباعدة. فالقاعدة المركزية، وهي ألا يُهدم الأعلى بالأدنى، أي ألا يُنتقل عن المنطوق الصريح للقرآن إلا بنص صريح مثله أو بضرورة من الحس أو العقل، يسميها المؤلف «فريضة منهجية». ثم يمتحنها في الطلاق حين يقف عند عبارة «الطلاق مرتان» وعند شرط العزم، وفي الصلاة حين يستند إلى التأسي بالفعل النبوي المتواتر، وفي المعاملات المالية حين يعاير مفهوم «رأس المال» بالاستعمال القرآني المقيد بنفي الظلم عن الدائن والمدين معًا.

وهذا الاطّراد هو ما يجعل المشروع أقرب إلى «نسق» منه إلى مجموعة آراء. ويشفع له أن صاحبه يصرّح بشروط نقضه: فمن أراد مخالفته فعليه أن يُبطل مقدمة من مقدماته بنص صريح أو بضرورة حس أو عقل. وهذه شجاعة منهجية تستحق التقدير، لأنها تنقل النقاش من الانطباعات إلى الحجة.

وتتجلى هذه الصرامة في ترتيب الانتقال الدلالي نفسه: تُؤخذ الدلالة أولًا من صيغة النظم، ثم من استعمال المتكلم، ولا يأتي السياق إلا خطوة ثالثة بعدهما. وللمؤلف مثال مفيد في تحديد ما أُوحي إلى الرسول، إذ يستخرج من قوله تعالى «وأوحي إلي هذا القرآن» حصرًا للوحي في القرآن، ويعزز ذلك بنظائر من الآيات، فيجمع بين الوضع والاستعمال والسياق في مثال واحد يرى القارئ فيه المنهج وهو يعمل. كما يحسب له حرصه على أن تكون قواعد العقل واللغة التي يحتكم إليها «قليلة معلومة منضبطة»، حتى لا يصير الاحتكام إليها بابًا جديدًا من أبواب التضخم الذي يشكو منه.

الأفق الأخلاقي: التخليق قبل التقنين

ومن أعمق ما في الكتاب عنايته بالبعد الأخلاقي. فهو يميز بين الإلزام الديني المنصوص والثابت، والإلزام الدنيوي الاختياري الذي يقيّد فيه المجتمع والدولة ما أباحه الشرع بحسب الأعراف والحاجات. ويرى أن التفريط في التخليق الحقيقي هو ما فتح الباب للإفراط في التحريم. وهو يربط ذلك كله بمبدأ «لا إكراه في الدين»، فيدعو إلى سحب «السيف» من وسائل التداول في العقيدة.

وفي فصل السلوك إلى الله، وهو الأقرب إلى اهتمامي، يعالج المؤلف التصوف بميزان دقيق. فيقدّر بحق منزلة التزكية، ويرى أن ما فوق الواجب من ذكر وقيام وإنفاق باب مفتوح لا سقف له إلا ما بيّنه القرآن نفسه، وينبّه إلى أن الطرق حين تتحول إلى مسالك حصرية للنجاة تفقد سعة الإمكان القرآني. وهي مقاربة تضع التخليق في صميم التدين، وتفتح للباحثين في التصوف أفقًا جديرًا بالنظر.

ومن لطائف التحليل الأخلاقي في الكتاب ربطه بين العدل الإلهي والمعاني الأخلاقية. فهو يلاحظ أن العقاب في العمل يراعي القدرة والإرادة وعدم الخطأ، وأن العقاب في النظر والاعتقاد مقيَّد بالجحود بعد الاستيقان ظلمًا وعلوًّا، فتكون المؤاخذة على فساد المعاني الأخلاقية في القلب، لا على مجرد الخطأ العقلي. وهي مقاربة تُظهر الدين في صورة رحيمة منصفة. كما ينبه إلى أن مفاهيم وافدة من خارج الكتاب، كالصحبة والبدعة، أربكت مجال السلوك وصرفت العناية عن «الحب في الله»، وهو المعنى القرآني الصريح الذي عليه مدار الوفاء بين المتخلقين.

انفتاح على العلم والفلسفة

يتميز الكتاب أيضًا بروح منفتحة على المعرفة التجريبية. فهو يدعو إلى نقل مباحث المخلوقات، كالحدوث والجواهر والأعراض، من درس العقيدة إلى درس الطبيعيات، وإخضاعها للملاحظة والتجربة، مع الاحتشام في الخوض في ذات الله تعالى. وفي «الموجهات السبعة» عن نظرية داروين يقدّم مقاربة هادئة تنزع فتيل الجدل، إذ يوسّع الإمكان القرآني ويدعو إلى استئناف النظر في المختبرات بأخلاق العلم وقواعده.

ويحسن أن نلاحظ حضور الحوار الفلسفي في النص: ديكارت في صدر الكتاب، وباشلار في الحديث عن تاريخ الأخطاء العلمية، وأبو العلاء المعري ورهان باسكال في سياق الحجاج عن البعث. وهذا يمنح الكتاب نفَسًا كونيًا يتجاوز الدائرة الفقهية الضيقة.

وفي باب العقيدة يوازن الكتاب بين أدب الوقوف وانفتاح النظر. فهو يدعو إلى الكف عن الخوض في ذات الله تعالى استنادًا إلى قوله «ولا يحيطون به علمًا»، وإلى أن ينتهي المرء عند المتشابه إلى قول «آمنا به كل من عند ربنا». ثم يميز بين غيب ممتنع هو ذات الله، وغيب ممكن هو ما سواه من المخلوقات، فيفتح الثاني للملاحظة والتجربة بلا حرج. وهذه ثنائية جميلة تجمع التعظيم والجرأة المعرفية، وتصون الإيمان من التطاول وتصون العلم من الوصاية.

البعد الحواري واستعادة هيمنة القرآن

ولباحث في حوار الأديان، يبرز في الكتاب مخرج استعادة هيمنة القرآن على ما سبقه والنظر في موضوع «الإبراهيمية». ينطلق المؤلف من وحدة الرسالة الإلهية بين الرسل، استنادًا إلى آيات مثل «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا»، ويقترح أن يكون القرآن بما هو مهيمن ومصدّق معيارًا لتمييز الحق من الزيادات البشرية. وهي مقاربة تؤسس للمشترك من داخل النص القرآني نفسه، وتفتح بابًا للحوار قوامه الاحتكام إلى الصريح من الوحي، مع الحفاظ على خاتمية الرسالة.

ويستحق هذا الفصل عناية خاصة من المشتغلين بحوار الأديان. فالمؤلف يستشهد بقوله تعالى «ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا» وبآيات وحدة الدين بين الرسل، ويرى أن الخلاف الحقيقي بين المتحاورين ينشأ من الزيادات التأويلية البشرية في كل ملة، لا من أصل الرسالة. وهو يوجه النقد إلى «فقهاء» الجهة الواحدة والأخرى بميزان واحد، فلا يخص أحدًا باتهام. وبذلك يقترح لغة حوار قائمة على الاحتكام إلى الصريح من الوحي، وعلى التواضع أمام النص، وهي لغة تصلح مدخلًا هادئًا لحوار لا يقوم على المجاملة ولا على الاستعلاء.

جرأة النقد من الداخل

يحمل الكتاب أطروحة جريئة في عنوان أحد أبوابه: أن «الحركة الإسلامية» هي الفاعل الأصلي في فصل الدين عن الدولة لا العكس. وقيمة هذه الأطروحة أنها تنطلق من الدرس الأصولي ذاته، ولا تستعير أدوات خصوم الحركة. فالمؤلف يرى أن ما تتوهمه الحركة من تميّز يعود إلى زوائد في الوجوب الديني، تصير شروط عضوية تكبح الكليات القرآنية الكبرى: الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ثم يطرح بديلًا يقوم على الشورى وحرية الاختيار ونفي الإكراه، ويدعو إلى دمج الطاقات في مفاصل الدولة القائمة.

ولا يقف الكتاب عند التنظير، فهو يعرض نماذج من تطبيق المنهج على قضايا الحكم والأسرة والمال، ويقترح قراءة تستند إلى الصريح القرآني: الشورى وامتناع الإكراه في الحكم، والرضائية والعزم في الزواج والطلاق، ومعايرة التمويل بمعاني رفع الظلم عن الدائن والمدين. وسواء اتفق القارئ مع هذه الخلاصات أم اختلف، فإنه يلمس أن المؤلف يخوض في المسائل الشائكة بروح من يريد حلًّا يخفف عن الناس ويحفظ لهم كرامتهم، وأنه لا يتهرب من الأمثلة التي تُختبر فيها النظرية.

ومن حسنات الكتاب أنه لا يكتفي بالتشخيص، بل يقدّم في خاتمته «توجيهًا بيداغوجيًا» عمليًا: حفظ القرآن في المرحلة الابتدائية مع ترشيد الجهد، وإتقان لغتين أجنبيتين، والتأهيل الرقمي، وإعادة الاعتبار للتربية الإسلامية، وتحويل كليات الشريعة إلى كليات للغة وللأخلاق التطبيقية، وتكوين «فقيه القانون» المنغمس في تفاصيل المجتمع. وبذلك ينتقل المشروع من النقد إلى التصور المؤسسي.

لغة الكتاب وأسلوبه

يكتب الأستاذ القاطي بنَفَس حجاجي واضح، يحاور خصمًا مفترضًا ويستبق اعتراضاته، ويكثر من الأسئلة التي تستدعي القارئ إلى التفكير معه، كقوله هل يمكن أن نتصور عاقلًا يشهر سيفًا لإقناع غيره باعتقاد غير واجب. وتتخلل النص عبارات مركّزة صارت أشبه بمفاتيح للمشروع، مثل «هدم الأعلى بالأدنى» و«الحرمة الدلالية» و«الفريضة المنهجية»، فيسهل تذكرها وتداولها. وفي الكتاب إحالات إلى مقالاته وإلى كتابه «البرهان»، مما يفتح للقارئ طريقًا إلى التوسع. وهي لغة قوية الحضور، لا تعرف التردد، تناسب مشروعًا يريد أن يُقرأ ويُناقش.

خاتمة

الكتاب، في تقديري، عمل يجمع بين صرامة الأصولي ومسؤولية المصلح وقلق المربّي. وهو يقدّم للقارئ الثقافي العام، قبل المتخصص، فرصة لمتابعة ورشة فكرية مفتوحة تعيد طرح أسئلة كبرى بلغة واثقة ومنهج معلن، وتدعو المخالف قبل الموافق إلى الاحتكام إلى النص والعقل.

ولهذا الكتاب أكثر من قارئ. فالقارئ الثقافي العام يجد فيه مدخلًا إلى جدل أصول الفقه بلغة تقترب من الأسئلة اليومية. والباحث في التصوف والتخليق يجد فيه تأسيسًا يجعل الأخلاق في قلب الدين لا على هامشه. والمشتغل بحوار الأديان يجد فيه لغة مشتركة منطلقها النص نفسه. أما الباحث الأصولي فيجد مشروعًا متماسكًا يستحق أن يُدرس بجدية، سواء أخذ به أم ناقشه.

ويبقى للأستاذ القاطي فضل المبادرة والجرأة والإصرار على بناء نسق متماسك، وهو فضل يشهد به كل من قرأه بإنصاف، وإن تباينت القراءات في تقدير نتائجه. فهنيئًا للمكتبة المغربية والعربية بهذا الإسهام، وللأستاذ بما قدّم من جهد يستحق أن يُقرأ وأن يُناقش.