أدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تعديلات جوهرية على مشروع القرار الذي أعدته بشأن الصحراء، قبيل عرضه على مجلس الأمن الدولي للتصويت، شملت تخفيف الصياغة المتعلقة بالحكم الذاتي المغربي، والتراجع عن فرض تقليص إلزامي للقوات العسكرية التابعة لبعثة “المينورسو”، مقابل الإبقاء على توجه إعادة تحديد مهام البعثة، وصولا إلى التنصيص صراحة في أحدث صيغة متداولة على إنهاء دورها في تنظيم الاستفتاء.
وتكشف المقارنة بين المسودة الأمريكية الأولى، المؤرخة في 20 أكتوبر 2026، والنسخة المعدلة التي جرى تداولها يوم 26 من الشهر نفسه، ثم الصيغة المتقدمة الموجهة للتصويت، عن انتقال واشنطن من مقاربة تقوم على فرض آجال محددة لإعادة هيكلة البعثة الأممية، إلى صياغة تمنح الأمم المتحدة هامشا زمنيا أوسع، مع الحفاظ على مركزية المقترح المغربي للحكم الذاتي في المفاوضات السياسية.
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإيطالية “أجينزيا نوفا”، اليوم الأربعاء 28 أكتوبر، فقد جرى توزيع صيغة متقدمة من المشروع على أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، في مرحلة تعرف دبلوماسيا باسم “Blue Draft”، وهي المرحلة التي تسبق التصويت، مع بقاء إمكانية إدخال تعديلات على النص.
وتبرز أهم التغييرات في مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، المعروفة اختصارا بـ“المينورسو”، إذ كانت المسودة الأمريكية الأولى تقترح إنهاء مهمتها في حفظ السلام يوم 30 أبريل 2027، وتحويلها ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها إلى بعثة سياسية خاصة، تستمر إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
كما تضمنت تلك المسودة إلزام الأمين العام للأمم المتحدة بالشروع الفوري في تقليص المكون العسكري للبعثة، بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، مع إغلاق بعض المواقع الميدانية ودمج أخرى. غير أن النسخة المعدلة تخلت عن هذا الالتزام العددي، كما حذفت الموعد المحدد لإنهاء مهمة حفظ السلام والتحويل التلقائي إلى بعثة سياسية، تاركة مستقبل الهيكلة العسكرية رهينا بمراجعة استراتيجية يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة.
وكانت المسودة الأولى تطلب تقديم مقترحات تفصيلية بشأن مستقبل البعثة قبل 15 دجنبر 2026، فيما مددت النسخة التفاوضية الثانية الأجل إلى 30 يناير 2027، قبل أن تمنح الصيغة المتقدمة المتداولة حاليا مهلة ستة أشهر لإنجاز مراجعة استراتيجية تشمل التخفيض التدريجي للمكون العسكري وإعادة تشكيل المهام.
وتعكس هذه التعديلات تراجعا عن الإجراءات الزمنية الأكثر إلزاما في المسودة الأولى، دون التخلي عن التوجه العام نحو إعادة هيكلة الوجود الأممي في الصحراء.
وفي المقابل، حافظ المشروع الأمريكي على توجه حذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية الرسمية للبعثة الأممية، وهو أحد أبرز التحولات التي تضمنتها الصياغة الأولى. وتذهب النسخة المتقدمة، التي اطلعت جريدة “العمق” على ترجمة عربية غير رسمية لها، إلى اقتراح تغيير اسم البعثة إلى “بعثة الأمم المتحدة السياسية للصحراء الغربية”، مع تمديد ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر 2027.
ولا يقتصر التعديل المقترح على تغيير التسمية، إذ تنص الفقرة الرابعة من الوثيقة صراحة على اقتصار دور البعثة على دعم العملية السياسية وتدابير بناء الثقة، دون أن يكون لها أي دور في تنظيم الاستفتاء. ويمثل هذا المقتضى، في حال اعتماده، تحولا في طبيعة المهمة الأممية التي أحدثت سنة 1991، إذ ينقل تركيزها من الإطار المرتبط بتنظيم الاستفتاء إلى مواكبة المفاوضات السياسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية للنزاع.
تخفيف صياغة الحكم الذاتي وإعادة إدراج تقرير المصير
وشملت التعديلات أيضا اللغة السياسية المعتمدة بشأن المقترح المغربي للحكم الذاتي، بعدما كانت المسودة الأولى تصف الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بأنه “الحل الوحيد القابل للتطبيق” للنزاع. وفي النسخة التفاوضية الثانية، خففت واشنطن هذه العبارة إلى “الحل الأكثر قابلية للتطبيق”، مع الحفاظ على المقترح المغربي أساسا للمفاوضات.
كما أعادت الصياغة المعدلة التأكيد على مبدأ تقرير المصير، بعدما كان حضوره قد تراجع في الفقرات التنفيذية للمسودة الأولى، في خطوة تعكس محاولة التوفيق بين التوجه السياسي الجديد للمشروع والمبادئ التي يستند إليها المسار الأممي.
أما الصيغة المتقدمة، فتؤكد دعم العملية السياسية التي يقودها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، استنادا إلى مقترح الحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، ينص على حق سكان الصحراء في تقرير المصير. وفي الوقت نفسه، تشير الوثيقة إلى تزايد دعم الدول الأعضاء لمقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية، دون أن تتضمن مقتضى تنفيذيا يعترف بصورة نهائية بالسيادة المغربية على الإقليم.
ومن المستجدات التي تحملها الصيغة المتقدمة اقتراح إحداث آلية تشاورية جديدة، تتيح التحقق من آراء السكان الصحراويين بشأن مقترح الحكم الذاتي. وتطلب الوثيقة من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم خيارات بشأن هذه الآلية خلال ستة أشهر، دون تحديد شكلها أو الإجراءات التي ستعتمدها.
كما تشجع إجراء مشاورات مع مجموعة واسعة من المحاورين الصحراويين، بمن فيهم ممثلون من داخل الصحراء ومخيمات اللاجئين والشتات، بما يوسع نطاق الاستماع إلى الآراء المختلفة خارج إطار المفاوضات المباشرة بين الأطراف. وتختلف هذه الآلية المقترحة عن الاستفتاء الذي كان مرتبطا بالمهمة الأصلية لـ“المينورسو”، إذ تقتصر على استكشاف كيفية استطلاع الآراء بشأن الحكم الذاتي، دون أن تنص على إجراء تصويت لتحديد الوضع النهائي للإقليم.
وفي الجانب الإنساني، أبقى المشروع على مطلب تسجيل اللاجئين الموجودين في مخيمات تندوف بواسطة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. غير أن الصيغة المتقدمة لم تحتفظ بالأجل الملزم المحدد في ستة أشهر الذي ورد في المسودة الأولى لإتمام عملية التسجيل، واكتفت بالدعوة إلى التسجيل وإيجاد حلول دائمة للاجئين، بما فيها العودة الطوعية في ظروف آمنة وكريمة ووفقا للقانون الدولي.
وفي السياق ذاته، تراجعت واشنطن عن مقتضيات كانت تتضمن إمكانية اتخاذ تدابير إضافية بحق الأطراف في حال عدم انخراطها بصورة بناءة في العملية السياسية. وأضافت الصيغة المتقدمة مقتضيات تتعلق بتشجيع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصحراء، بما في ذلك إمكانية إحداث صندوق خاص لدعم التنمية وتعزيز التعاون والتكامل الإقليميين.
وتأتي هذه التعديلات في سياق المفاوضات الجارية بين أعضاء مجلس الأمن بشأن تجديد ولاية البعثة الأممية، التي ينتهي تفويضها الحالي يوم 31 أكتوبر الجاري، بموجب القرار رقم 2797 الصادر في التاريخ نفسه من السنة الماضية.
ويُظهر تطور النص الأمريكي أن واشنطن اختارت تخفيف بعض المقتضيات الإجرائية والعسكرية التي تضمنتها المسودة الأولى، مقابل الحفاظ على التوجه السياسي الرامي إلى جعل الحكم الذاتي محور المفاوضات، وإعادة تحديد طبيعة المهمة الأممية.
غير أن هذه التوجهات، رغم وصول المشروع إلى مرحلة متقدمة من المسار الدبلوماسي، تظل مقترحات غير ملزمة إلى حين اعتمادها رسميا من مجلس الأمن، الذي يحتفظ بصلاحية تعديل النص أو التصويت عليه بصيغته المطروحة.