دعا أحمد العبادي، رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، إلى إحداث تحول في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة، بما يضمن جعل الإنسان محور السياسات العمومية، والقطع مع الريع والفساد وتضارب المصالح والاحتكار، محذرا من أن استمرار الاختلالات الاجتماعية والمجالية من شأنه أن يعمق أزمة الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي.
وأكد العبادي، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، أن نجاح الحكومة لا يقاس بحجم الأرقام والبرامج المعلنة، وإنما بمدى انعكاس السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين، وقدرتها على توزيع ثمار النمو الاقتصادي بشكل عادل بين مختلف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.
وشدد المسؤول البرلماني، الذي تحدث باسم فريق التقدم والاشتراكية المنتمي إلى الأغلبية، على أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشكل قطيعة فعلية مع اختلالات الولاية الحكومية السابقة، معتبرا أن جوهر التغيير لا يرتبط بالتسميات والشعارات، سواء تعلق الأمر بتغيير المسار أو الاتجاه أو إحداث تحول، وإنما بمدى اختلاف الأداء الحكومي خلال السنوات الخمس المقبلة عن المرحلة المنصرمة.
وفي هذا السياق، دعا إلى تجاوز ما وصفه بمنطق “الرأسمالية المتوحشة”، والانتقال إلى نموذج اقتصادي واجتماعي يجعل تدخل الدولة ضروريا لضبط السوق وتقنين المنافسة وحماية الأسر من الاحتكار والجشع والريع والوساطة الطفيلية، مؤكدا أن حرية الأسعار والمبادرة والمنافسة لا تعني ترك المجال الاقتصادي في حالة انفلات.
واعتبر العبادي أن إعمال مفهوم الدولة الاجتماعية ينبغي ألا يظل مجرد شعار، بل يتعين أن يترجم إلى إجراءات ملموسة تحمي المواطنين من استغلال حاجاتهم، وتضمن توزيع الخيرات بشكل منصف، عوض تركيز الاستفادة من النمو في يد لوبيات وفئات محدودة.
وأضاف أن المطلوب هو القطع مع الممارسات التي تضر بالمواطنين وبجاذبية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها تضارب المصالح والفساد والريع والاحتكار، إلى جانب وضع آليات تضمن اقتران النمو المالي والاقتصادي بإعادة توزيع عادلة للثروة على المستويين الاجتماعي والمجالي.
وعلى المستوى السياسي، شدد رئيس الفريق النيابي للتقدم والاشتراكية على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون ديمقراطية تتيح تحرير الطاقات، داعيا إلى إرساء أجواء الثقة والانفراج والحوار والنقاش العمومي، والانفتاح على مختلف القوى الحية وفعاليات المجتمع والرأي العام.
وأكد أن دور البرلمان والبرلمانيين ينبغي أن يتجاوز منطق الرفض الممنهج والمساندة العمياء، نحو ممارسة تقوم على الاقتراح البناء والتنبيه الموضوعي والمراقبة والتقييم والتعديل، مع احترام المعارضة والرأي الآخر والحق في التعبير والاحتجاج المسؤول.
واعتبر أن مناقشة مشروع قانون المالية تمثل محطة أساسية لاختبار الاختيارات السياسية والاقتصادية للحكومة، وتحديد الالتزامات التي ينبغي أن يخضع تنفيذها للمراقبة والمحاسبة، مبرزا أن الميزانية ليست مجرد أرقام وحسابات، بل تعكس الرؤية السياسية للسلطة التنفيذية وأولوياتها في تدبير الشأن العام.
وفي معرض حديثه عن استعادة الثقة في المؤسسات، ربط العبادي نجاح الحكومة بقدرتها على فتح آفاق الأمل أمام المغاربة، ولا سيما الشباب، محذرا من تكرار مظاهر الاحتجاج المرتبطة بالتهميش والاختلالات المجالية.
وقال إن النجاح الحقيقي يتمثل في أن يتملك المغاربة، وخاصة الشباب، المشروع الوطني التنموي الديمقراطي، وألا تتكرر أحداث الهجرة الجماعية العلنية أو الاحتجاجات التي عرفتها فجيج وآيت بوگماز ومناطق أخرى، وألا يجد أي شاب مغربي نفسه غارقا في اليأس.
وأضاف أن فتح أبواب الأمل وتوفير الآفاق أمام المواطنين يمثلان جوهر العمل السياسي، معربا عن اعتقاده بأن الحكومة الحالية قادرة على السير في اتجاه إيجابي، بالنظر إلى ما قال إنه ارتكازها على منطلقات ديمقراطية واجتماعية وتحديثية مشتركة بين مكونات الأغلبية، مع التأكيد على أن مساندتها تظل مرتبطة بانتظار إنجازات فعلية وملموسة.
وحدد العبادي سبعة رهانات أساسية ينبغي أن تؤطر المرحلة المقبلة، تتقدمها قضية الصحراء المغربية باعتبارها أولوية وطنية، إلى جانب الرهان الديمقراطي والحقوقي، من خلال استعادة الاعتبار للفضاء السياسي والمنتخبين وتوسيع مجال الحريات.
كما وضع مكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح ضمن أولويات المرحلة، داعيا إلى تجريم الإثراء غير المشروع، وحماية المبلغين عن الفساد، والتصدي للممارسات التي تستهدف الحصول على امتيازات غير مشروعة.
وعلى المستوى الاجتماعي، شدد على ضرورة مواجهة غلاء الأسعار وضمان توزيع عادل للخيرات والارتقاء بالمرافق العمومية، فيما دعا، في الشق المجالي، إلى تحقيق التكامل بين المشاريع الكبرى المهيكلة والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بهدف الحد من الفوارق بين الجهات والأقاليم وبين المجالين الحضري والقروي.
أما اقتصاديا، فأبرز أهمية تعزيز السيادة الطاقية والغذائية والرقمية والصناعية، وضمان الأمن المائي، وخلق شروط النمو، مع الحرص على توزيع ثماره بشكل عادل. وجعل من رهان الأثر الملموس أولوية سابعة، مؤكدا أن المواطنين لم يعودوا يكتفون بالأرقام الضخمة وتعدد البرامج، بل ينتظرون نتائج مباشرة تنعكس على معيشتهم اليومية.
وفي استحضاره للتوجيهات الملكية المرتبطة بالتوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، دعا العبادي إلى تعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، وتسريع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، والاهتمام بقضايا الشباب، وتجويد الخدمات العمومية وتعميم الحماية الاجتماعية، مع التركيز على فعالية الأداء العمومي وقياس أثر السياسات بدل الاكتفاء برصد الاعتمادات والوسائل.