الحكومة تواجه “جشع الواسطة” بتقنين تصدير الخضر والفواكه وتلتزم بتصحيح اختلالات “دعم الفقراء”
سياسة

الحكومة تواجه “جشع الواسطة” بتقنين تصدير الخضر والفواكه وتلتزم بتصحيح اختلالات “دعم الفقراء”

دافع فوزي لقجع وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية التي تتضمنها الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستقوم على مواصلة الإصلاحات الاستراتيجية التي أطلقتها المملكة، مع إدخال تعديلات على عدد من الآليات التي أبانت عن محدوديتها في التطبيق، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وأوضح لقجع، عشية اليوم الجمعة، في معرض رده على مداخلات الفرق والمجموعة النيابية خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن انتظارات المغاربة تتجاوز الاختلافات الإيديولوجية، وترتكز أساسا على النتائج الفعلية للسياسات العمومية وانعكاساتها على حياتهم اليومية.

وشدد المسؤول الحكومي على أن الإصلاحات الاستراتيجية التي تعرفها البلاد ليست وليدة مرحلة حكومية بعينها، بل هي ثمرة تراكم مؤسساتي وحكومي امتد عبر سنوات، تحت القيادة الملكية، مبرزا أن الحكومات المتعاقبة ساهمت، كل من موقعها وبحسب تصورها ومنهجية تدبيرها، في مواصلة هذه الأوراش وتطويرها.

وأضاف أن الحكومة تعتزم الحفاظ على استمرارية الإصلاحات الاستراتيجية، بالتوازي مع تصحيح الاختلالات التي تظهر أثناء التنفيذ، معتبرا أن هذا التوجه يندرج في إطار التراكم الذي أكد عليه الملك محمد السادس في عدد من خطاباته.

مراجعة مؤشرات الاستفادة من الدعم الاجتماعي

وفي هذا السياق، أقر لقجع بوجود اختلالات في المؤشر المعتمد لتحديد الأسر المستحقة للدعم الاجتماعي، موضحا أن الانتقال من نظام قائم على الشواهد الإدارية إلى اعتماد مؤشر يستند إلى نفقات الأسرة شكل تطورا إيجابيا في آليات الاستهداف، غير أن التطبيق أظهر بعض الحالات التي تستدعي المراجعة.

وأشار إلى أن المؤشر الحالي قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى إقصاء أسر من الاستفادة من الدعم بسبب نفقات استثنائية أو طارئة لا تعكس حقيقة دخلها أو وضعيتها الاجتماعية، وهو ما يستدعي تصحيح طريقة احتساب المؤشر.

وأكد أن الحكومة تتوفر على تصور لمراجعة هذه الآلية، تعتزم عرضه للنقاش مع ممثلي الأمة، بالنظر إلى اطلاع البرلمانيين على الحالات والإشكالات التي تبرز على أرض الواقع، مشددا على أن الهدف هو تحسين منظومة الاستهداف وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

وعلى مستوى الاختيارات الاقتصادية، نفى لقجع أن تكون الحكومة قد تبنت توجها إيديولوجيا يستهدف المبادرة الحرة أو يحد من دور القطاع الخاص، مؤكدا أن المقاربة المعتمدة تقوم على التمييز بين اختصاصات الدولة ومجالات تدخل المقاولة الخاصة، في إطار من الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص.

واستدل المسؤول الحكومي بالقرار الضريبي المتعلق برفع الضريبة على الشركات العاملة في قطاع المحروقات التي يتجاوز رقم معاملاتها 100 مليون درهم إلى 40 في المائة، معتبرا أن هذا الإجراء يندرج في تطبيق مقتضيات القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، الذي ينص على مراجعة الضريبة المفروضة على الأنشطة التي تحقق مستويات مرتفعة من الأرباح.

وأوضح أن النقاش بشأن اعتماد رقم المعاملات أو مستوى الأرباح معيارا لتحديد الشركات المعنية بهذا الإجراء يظل مفتوحا، مؤكدا أن الغاية ليست استهداف مقاولات بعينها، وإنما إرساء قواعد اقتصادية أكثر إنصافا.

وكشف لقجع أن الحكومة تشتغل على إعداد قانون إطار يتضمن إصلاحا اقتصاديا عميقا، يقوم على مراجعة نظام التراخيص المعتمد في عدد من القطاعات، وتعويضه بدفاتر تحملات تتيح للمستثمرين الولوج إلى الأنشطة الاقتصادية وفق شروط واضحة، مع مراعاة اختلاف أحجام المقاولات وقدراتها.

وأضاف أن هذا التوجه من شأنه توسيع مجال المبادرة والاستثمار، مع ضمان احترام القواعد القانونية والمؤسساتية، والحد من الامتيازات غير المستندة إلى القانون.

تقنين التصدير لضمان تموين السوق الوطنية

وفي ما يتعلق بالسياسة الفلاحية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، اعتبر لقجع أن الوضع الحالي يستدعي إعادة النظر في عدد من آليات تنظيم السوق، خصوصا في ما يرتبط بالتصدير، مشيرا إلى أن المغرب لا يمكنه، في ظل مروره بسبع سنوات من الجفاف، أن يضاعف مستويات صادراته الفلاحية في الوقت الذي تسجل فيه السوق الداخلية ارتفاعا غير مسبوق في الأسعار.

وأكد أن الحكومة لا تتجه إلى العودة إلى نظام احتكار الدولة للتجارة أو التحكم المباشر في عمليات البيع والشراء، وإنما تسعى إلى تقنين أنشطة التصدير وتأطيرها بشكل جماعي، بتنسيق مع المنتجين والفاعلين في القطاع، بما يضمن إعطاء الأولوية لحاجيات السوق الوطنية.

وشدد على أن تشجيع التصدير يظل أمرا إيجابيا، غير أن ذلك ينبغي أن يتم في إطار يراعي متطلبات تموين السوق الداخلية، وضمان وفرة المواد الأساسية بأسعار معقولة وفي متناول المواطنين.

وبخصوص أسواق الجملة، كشف لقجع أن الحكومة تتوفر على تصور لتطوير 12 سوقا، بهدف تحديث بنياتها وآليات اشتغالها، والانتقال بها إلى نموذج أكثر عصرية، يتيح للتجار حرية أكبر في اختيار مصادر التزود بالسلع وتحديد أسعار البيع، بما يعزز المنافسة داخل هذه الفضاءات.

وأوضح أن التصور الحكومي يتجه إلى مراجعة عدد من الرسوم والإجراءات، من بينها الرسم المحدد في 7 في المائة، والتي يرى أنها تساهم في تعقيد مسارات التسويق وتؤثر في الأسعار النهائية للمنتجات.

وأضاف أن تحديث أسواق الجملة يستهدف أيضا الحد من الاختلالات التي تطبع عمليات الوساطة والتوزيع، وتمكين التجار من الاشتغال في ظروف تنافسية أفضل، بعيدا عن القيود التي تحد من حرية المبادرة.

وفي السياق ذاته، أشار الوزير إلى أن العلاقة بين أحواض الإنتاج وأحواض الاستهلاك تعرف اختلالات وتكاليف مرتفعة، بسبب تعدد حلقات الوساطة ومسارات نقل وتوزيع المنتجات، معتبرا أن هذا الوضع يستدعي إيجاد آلية أكثر نجاعة لتنظيم الربط بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك.

ولفت إلى أن الحكومة تدرس تصورا لإحداث شركات أو آليات متخصصة في هذا المجال، مع ترك المجال مفتوحا للنقاش بشأن عددها وطبيعة الفاعلين الذين يمكن أن يساهموا فيها، سواء تعلق الأمر بست شركات أو ثمان، أو بصيغ تنظيمية أخرى.

وأكد لقجع أن هذا التوجه لا يستهدف التدخل في أنشطة التجار أو الفلاحين أو المساس بحرية اشتغالهم، وإنما يروم معالجة الاختلالات التي ترفع تكاليف التسويق وتنعكس بشكل مباشر على الأسعار التي يؤديها المستهلك.

وفي معرض دفاعه عن هذه الاختيارات، استحضر لقجع نماذج من تدخلات الدول التي تعتمد اقتصاد السوق، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، معتبرا أن تنظيم الأسواق وحمايتها لا يتعارضان مع المبادرة الحرة والاختيارات الليبرالية.

وأشار إلى أن الحماية الجمركية تعد بدورها شكلا من أشكال حماية السوق، مستحضرا تجارب بعض الولايات الأمريكية، ومن بينها نيويورك، التي اتخذت خلال شهر يوليوز قرارات لإحداث محلات عمومية لبيع المواد الأساسية بأسعار محددة.

وشدد على أن التقنين الذي تدعو إليه الحكومة لا يعني العودة إلى نماذج الاقتصاد الموجه أو ضرب المقاولة الخاصة، بل يهدف إلى ضمان التوازن بين حرية الاستثمار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وأضاف أن المقاربة الاقتصادية الحكومية لا تقتصر على الجانب الميزانياتي، بل تشمل أيضا دعم المقاولة والاستثمار العمومي، وتحسين آثار السياسات العمومية على مختلف الفئات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز دخل الطبقة المتوسطة بما يساهم في تنشيط الطلب الداخلي.

النمو الاقتصادي.. الحكومة تتمسك بفرضية 3.7 في المائة

وفي ما يتعلق بفرضية النمو الاقتصادي المعتمدة في مشروع قانون المالية لسنة 2027، والمحددة في 3.7 في المائة، أوضح لقجع أن الحكومة تتمنى تحقيق معدلات تفوق 5 في المائة، بالنظر إلى أهمية النمو في تحقيق تراكم اقتصادي إيجابي ووضع البلاد على مسار الارتقاء الاقتصادي.

غير أنه أكد أن اعتماد فرضية 3.7 في المائة يستند إلى مقاربة تقوم على الواقعية والحذر، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، والصعوبات التي تواجه الاقتصاد الدولي في ظل التحولات المتسارعة.

واعتبر أن إعداد التوقعات الاقتصادية ينبغي أن يستحضر مختلف المخاطر الخارجية والداخلية، بدل بناء الفرضيات على تطلعات غير مضمونة، مؤكدا أن طموح الحكومة يظل تحقيق معدلات نمو أعلى، بما يسمح بتعزيز الدينامية الاقتصادية وتحسين الأوضاع الاجتماعية.