بعد الجدل بـ”المستشارين”.. المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدافع عن مكتسبات هيئة الإنصاف والمصالحة
سياسة

بعد الجدل بـ”المستشارين”.. المجلس الوطني لحقوق الإنسان يدافع عن مكتسبات هيئة الإنصاف والمصالحة

على خلفية الجدل الذي أثارته تصريحات خلال جلسة مجلس المستشارين المنعقدة في 21 أكتوبر الجاري، دافع المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن المكتسبات التي راكمتها تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، مؤكدا أن تقييم هذه التجربة الوطنية، يظل حقا مشروعا، شريطة التمييز بين النقد المسؤول والتشكيك الذي يبخس منجزاتها وينتقص من مشروعية إنصاف ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأكد المجلس، في بلاغ له، أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة تشكل مكتسبا وطنيا في مجال العدالة الانتقالية، وخطوة مؤسساتية لترسيخ مسؤولية الدولة في مواجهة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، مشددا على أن صون منجزات هذه التجربة لا يتعارض مع تقييم حدودها وإثارة النقائص التي شابت مسارها، شريطة أن يستند النقاش العمومي إلى الوقائع والبحث الموضوعي واحترام كرامة الضحايا.

وأوضح المجلس أن مناقشة هذه التجربة وتقييم منجزاتها وحدودها حق مشروع، ويشكلان جزءا من الممارسة الديمقراطية، غير أنهما يقتضيان التمييز بين النقد المسؤول الذي يثير مكامن النقص والإشكالات التي تستدعي المعالجة، وبين التشكيك الذي يبخس المكتسبات ويحجب الإرادة الرامية إلى القطع مع الانتهاكات وينتقص من مشروعية إنصاف المتضررين منها.

واعتبر المجلس أن الرهان الحقوقي والسياسي المرتبط بهذا النقاش يتجاوز الاختلاف في قراءة الماضي، ليتعلق بمكانة حقوق الإنسان في حاضر المغرب ومستقبله، وبمدى قدرة المؤسسات والمجتمع على صيانة المكتسبات وتحويل الالتزام بعدم التكرار إلى ضمانات فعلية ومستدامة.

وفي استحضاره للسياق الذي أفرز التجربة المغربية، أشار المجلس إلى أن إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة في يناير 2004 جاء تتويجا لمسار وطني تفاعلت فيه الإرادة الملكية مع ترافع الحركة الحقوقية ومطالب الضحايا وأسرهم وديناميات المجتمع المدني، في إطار استمرارية الدولة واختيار سيادي يروم معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وتعزيز بناء دولة الحق والقانون.

وشدد على أن خصوصية التجربة المغربية لا تختزل في مدى مطابقتها لتجارب تاريخية عرفتها بلدان أخرى، وإنما تستمد معناها من طبيعة القضايا التي تصدت لها والغايات التي سعت إلى تحقيقها، وفي مقدمتها الاعتراف بالانتهاكات، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا وجبر أضرارهم، وحفظ الذاكرة، وإرساء ضمانات عدم التكرار.

وفي هذا السياق، أبرز المجلس أن الهيئة اشتغلت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، وفق مقاربة حقوقية وإنسانية وضعت الضحايا ومعاناتهم في صلب عملها، من خلال الاعتراف بمعاناة المتضررين وذوي حقوقهم، وجبر الأضرار الحقوقية والاجتماعية والإدارية والصحية، فضلا عن إعمال جبر الضرر الجماعي بالمناطق التي عانت من آثار الانتهاكات، والعمل على رفع العوائق التي حالت دون استفادتها من التنمية.

وأكد أن حقوق الضحايا لا ينبغي أن ترتبط بانتماءاتهم السياسية أو الفكرية أو الجغرافية، ولا أن تخضع لمنطق الاصطفاف أو موازين الخلاف السياسي، مبرزا أن هذا المبدأ يشمل مختلف الملفات، بما فيها تلك المرتبطة بالأقاليم الجنوبية، حيث تظل كرامة الإنسان وحقه في الإنصاف أساس المعالجة الحقوقية، بصرف النظر عن تعقيدات السياق.

كما لفت إلى أن الإنصاف يقتضي استحضار الآثار المتفاوتة للانتهاكات على النساء والرجال، فضلا عن معاناة الأسر والمجتمعات المحلية، بما يجعل جبر الضرر مسارا لاستعادة الكرامة والحقوق وتحقيق الإدماج الاجتماعي، ولا يحصره في التعويض المالي وحده.

وبخصوص إشكالية الحقيقة التاريخية، أشار المجلس إلى أن الهيئة واجهت صعوبات مرتبطة بنقص المعطيات وتعدد الروايات وتضارب التأويلات بشأن عدد من الأحداث التي شهدها المغرب، وهو ما فرض التمييز بين مهام آلية الإنصاف والمصالحة وبين مجال البحث العلمي المفتوح أمام المؤرخين والباحثين.

وأوضح أن الهيئة لم يكن من اختصاصها فرض رواية نهائية للتاريخ أو إغلاق باب البحث فيه، مؤكدا أهمية إتاحة الأرشيف وصون الشهادات وتوفير شروط البحث المستقل، مع مراعاة حماية المعطيات الشخصية وخصوصية الضحايا وأسرهم.

واعتبر المجلس أن فهم السياقات التاريخية والسياسية يساعد على تفسير الظروف التي وقعت فيها الانتهاكات واستخلاص الدروس منها، غير أن الاختلاف بشأن تفسير حدث تاريخي لا يمكن أن يسقط حق الضحية في الحقيقة والإنصاف، بل إن استيعاب تلك السياقات يشكل مدخلا لتحديد مرتكزات الإصلاح.

وفي ما يتعلق بمسؤولية الدولة، أبرز البلاغ أن الإقرار بها شكل مدخلا مؤسساتيا لتحمل تبعات الانتهاكات وجبر الأضرار الناجمة عنها، وترجمة الاعتراف إلى التزامات تجاه الضحايا والمجتمع، موضحا أن هذا الاختيار لا ينبغي تأويله باعتباره حكما تاريخيا شاملا على جميع الوقائع والفاعلين أو إغلاقا لأسئلة المسؤولية.

كما شدد على ضرورة التمييز بين اختصاصات الهيئة، باعتبارها آلية غير قضائية، وبين وظائف القضاء والبحث التاريخي، تفاديا للخلط بينها أو تحميلها ما يتجاوز نطاق ولايتها، مذكرا بأن المقاربة الشاملة للعدالة الانتقالية تقوم على ترابط الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، باعتبارها مكونات متكاملة تستهدف إعادة الاعتبار للضحايا وتعزيز الثقة في المؤسسات وسيادة القانون.

وعلى مستوى الإصلاحات المؤسساتية، أكد المجلس أن قيمة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة تتجلى في قدرتها على توجيه الإصلاح وترسيخ ضمانات حماية الحقوق، من خلال تعزيز استقلال القضاء، وتحسين حكامة الأجهزة الأمنية، وحماية الحريات، وصيانة الأرشيف والذاكرة، والنهوض بالتربية على حقوق الإنسان.

وأشار إلى أن نشر التقرير الختامي للهيئة سنة 2006 وإسناد متابعة تنفيذ توصياتها إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان شكّلا امتدادا مؤسساتيا لهذا المسار، الذي يتواصل حاليا من خلال عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مجددا التزامه بمتابعة تنفيذ التوصيات وتقييم ما تحقق منها، وإبراز الجوانب التي لا تزال تستدعي الاستكمال أو المعالجة، مع الإنصات إلى انتظارات الضحايا وأسرهم.

وفي سياق إبراز مكانة التجربة المغربية على المستوى الدولي، ذكر المجلس بأنها حظيت بالتنويه في تقارير صادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة، فضلا عن تقارير المقررين الخاصين، بما في ذلك المقرر المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار. كما أشار إلى أن التجربة المغربية وردت ضمن التجارب التي تميزت بمركزية الضحايا في المشاورات، واستندت إلى توافق جماعي وخبرة وطنية.

وأضاف أن التجربة المغربية اعتمدت آليات العدالة الانتقالية باعتبارها هيئات رسمية مؤقتة وغير قضائية، تتولى التقصي والتحقيق في أنماط انتهاكات حقوق الإنسان ضمن اختصاصات نوعية وزمنية محددة، وتتمحور حول الضحايا، وتقدم تقارير وتوصيات بشأن مداخل الإصلاح الدستوري والمؤسساتي، وتعزيز سيادة حكم القانون وضمانات عدم التكرار.

وختم المجلس الوطني لحقوق الإنسان بلاغه بالتأكيد على أن المصالحة ليست محطة منتهية، وإنما سيرورة مستمرة تتعزز كلما اتسعت الحريات وتوطدت الثقة في المؤسسات وأصبحت الحماية من التعسف واقعا ملموسا في حياة المواطنات والمواطنين.

ودعا مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمدنيين إلى الارتقاء بالنقاش العمومي حول تجربة الإنصاف والمصالحة، بالاستناد إلى الوقائع والبحث الموضوعي واحترام الضحايا، وجعل الدروس المستخلصة منها منطلقا لاستكمال الإصلاح وتعزيز المساءلة، مؤكدا أن حقوق الإنسان التزام دائم يحكم ممارسة السلطة وتدبير الاختلاف وصياغة السياسات العمومية، وأن صون كرامة الضحايا مسؤولية وطنية، وكشف الحقيقة حق، وضمان عدم التكرار واجب مستمر على الدولة ومؤسساتها.