للعبرة من أجل المستقبل.. شراكة مغربية موريتانية استراتيجية لتعزيز السيادة الغذائية للبلدين
وجهة نظر

للعبرة من أجل المستقبل.. شراكة مغربية موريتانية استراتيجية لتعزيز السيادة الغذائية للبلدين

في ظل التحديات الجيوسياسية والغذائية المتعددة التي تواجه البلدين وتستوجب تكتلاً وازناً، تكتسي الشراكة الاستراتيجية الثنائية أهمية بالغة كرافعة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الاقتصادية والاجتماعية.

ويعزز هذا التوجه الاستراتيجي القرب اللوجيستي الجغرافي الذي يقلل بشكل ملحوظ كلفة النقل ويختصر مسالك التبادل، مستفيدين في ذلك من المؤهلات الهائلة والمتنوعة التي يزخر بها البلدان على الأصعدة الطبيعية والعقارية والنباتية والبحرية والبشرية. وفي ظل التقلبات الدولية المتلاحقة، بات التكامل المشترك خياراً سيادياً لا بديل عنه لترسيخ التنمية المشتركة ومواجهة مختلف التحديات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، يعرض هذا المقال مساهمة إضافية في الحوار الجاري بين نخب البلدين حول آفاق الشراكة الثنائية، عبر محاور وأبعاد إنتاجية وصناعية ولوجستية وبشرية ومؤسساتية.

محور الركائز الإنتاجية الأساسية

أولا: الزراعة المستدامة

– التكامل الفلاحي: تطوير مشاريع زراعية مشتركة تستثمر المؤهلات الطبيعية والأراضي المتاحة لإنتاج المحاصيل الاستراتيجية وتقليص الاعتماد على الخارج.
– الأسمدة الملائمة: توفير الإمدادات المخصصة خصيصاً لأنواع التربة في المنطقة، مستفادة من الخبرة والريادة المغربية في صناعة الأسمدة لدعم الإنتاجية الزراعية ورفع مردودية التربة بموريتانيا.

ثانيا: الثروة الحيوانية
– تنمية قطاع المواشي: إحداث وحدات عصرية لتسمين المواشي وتطوير سلاسل إنتاج وتثمين اللحوم الحمراء والبيضاء وفق معايير الجودة العالية.
– قطاع الحليب: الاستثمار في وحدات تجميع وتصنيع الحليب ومشتقاته لتغطية حاجيات السوق المحلي وتلبية الطلب المتزايد على المواد الاستهلاكية الأساسية.

ثالثا: المكملات الغذائية والأغذية الوظيفية
– تثمين التنوع البيولوجي: استثمار المؤهلات النباتية الغنية والمتنوعة التي تتوفر عليها بلدان المنطقة (النباتات المحلية والعطرية، الأعشاب الصحراوية، الصمغ العربي، والمستخلصات الطبيعية).
– الصناعات الاستخلاصية: الانتقال من تصدير المواد النباتية الخام إلى إحداث وحدات متطورة لاستخلاص الزيوت الأساسية والمركبات الحيوية الغذائية وصناعة المكملات الغذائية والأغذية الوظيفية الموجهة للتغذية الصحية.

محور الصناعة واللوجيستيك

أولا: صناعة المعدات والآلات
– وحدات التجميع والتصنيع المحلي: إحداث منصات ومصانع مشتركة لتجميع وتصنيع الآلات والمعدات الأساسية (الجرارات، آلات الحصاد والجني، معدات الحرث، أنظمة الري، آلات التحويل، مكونات التبريد،…)
– نقل التكنولوجيا والصيانة: تكييف الابتكارات مع الظروف المحلية والفلاحة الصحراوية والواحاتية، وإحداث شبكة إقليمية لصيانة المعدات وتوفير قطع الغيار الأصلية.

ثانيا: اللوجستيك المندمج والسلامة الصحية
– النقل العابر للحدود: استثمار القرب الجغرافي لتأمين النقل عبر محاور طرقية ولوجستية استراتيجية لتقليص كلفة النقل وضمان انسيابية السلع.
– التخزين والتبريد: إحداث منصات ومستودعات تبريد استراتيجية لحفظ المواد الغذائية وتقليص نسب الهدر والتلف وتطوير التوزيع.
– المختبرات المتخصصة: اعتماد مختبرات متطورة للسلامة الصحية وجودة المنتجات الغذائية لضمان حماية المستهلك وتسريع وتيرة المراقبة والتصدير.
– خدمات اللوجيستيك: تشجيع الاستثمار في شركات الخدمات الفلاحية التي توفر الآلات الضرورية للمزارعين وايضا وسائل التخزين.

محور عوامل التحفيز والنجاح
أولا: الموارد البشرية
– التكوين من أجل الاحترافية: تأهيل جميع الفاعلين والأطر التقنية والمخبرية عبر برامج تكوين مستمر تزاوج بين الموروث الميداني والتقنيات الحديثة.
– كفاءات ملائمة: إحداث معاهد مشتركة للتكوين في التخصصات الآنية والمستقبلية.
– الكرامة المهنية والإدماج: ضمان الحماية الاجتماعية، ظروف العمل اللائقة، واستقطاب الشباب والمهندسين عبر حاضنات المشاريع.

ثانيا: التمويل والتأمين
– الاندماج المالي والبنكي: فتح أفق لتواجد مؤسسات بنكية وصندوق استثماري لصالح الإنتاج وسلاسل القيمة الغذائية
– تطوير حلول مبتكرة لتأمين الاستثمارات ضد المخاطر.

ثالثا: البحث العلمي والجودة
– البحث العلمي: توقيع اتفاقيات شراكة بين مراكز البحث الزراعي والبحري لتطوير حلول تقنية مبتكرة ملائمة لخصائص المنطقة.
– الجودة: إحداث آليات مشتركة للتنسيق بين المؤسسات المعنية بالسلامة الصحية لتسريع مساطر الاعتماد المتبادل.

إن الشراكة المغربية الموريتانية ليست مجرد تبادل تجاري تقليدي، بل هي نموذج تكاملي استراتيجي متكامل يربط بين مواجهة التحديات المشتركة، تعزيز السيادة الغذائية، وتثمين الرأسمال البشري والمؤهلات الطبيعية الهائلة، ليؤسس مستقبلاً مزدهراً يرتكز على التنمية المشتركة والمصالح المتبادلة للأجيال القادمة.