شقق الكراء اليومي بأكادير.. حين تتحول “الإقامات العائلية” إلى وكور للدعارة وملاذ للتهرب الضريبي
مجتمع

شقق الكراء اليومي بأكادير.. حين تتحول “الإقامات العائلية” إلى وكور للدعارة وملاذ للتهرب الضريبي

لم تعد أزمة السكن في مدينة أكادير مرتبطة فقط بارتفاع أسعار العقارات وتزايد الطلب على الشقق المعدة للكراء، بل برزت خلال السنوات الأخيرة إشكالية أخرى مرتبطة بالانتشار المتزايد للشقق المفروشة الموجهة للكراء قصير المدة، سواء باليوم أو بالساعة، وما يرافق ذلك من شكاوى بشأن استغلال بعض الوحدات السكنية في أنشطة غير قانونية، من بينها الدعارة، وتحول بعض الإقامات العائلية إلى فضاءات تستقبل أشخاصا غرباء على مدار اليوم والليلة.

وبين من ينظر إلى هذا النشاط باعتباره فرصة لتحقيق مداخيل مالية أكبر من الكراء الشهري، ومن يعتبره استغلالا تجاريا للعقار خارج الضوابط القانونية، تجد أسر عديدة نفسها في مواجهة وضع تقول إنه بات يمس خصوصيتها وراحة أبنائها وإحساسها بالأمان داخل مساكنها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوسطاء يتولون استقطاب الزبائن وتوفير الشقق، بعيدا عن أعين المراقبة، وفق إفادات متضررين.

شكاية أمام وكيل الملك تتهم وسطاء بتسهيل استغلال شقق في الدعارة

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الشكاوى بشأن ممارسات من هذا القبيل في عدد من أحياء المدينة، من بينها السلام والداخلة والحي المحمدي، حصلت جريدة “العمق المغربي” على شكاية جماعية تقدم بها سكان إقامة “أ.2” بحي السلام إلى وكيل الملك، تتضمن اتهامات خطيرة بشأن استغلال شقق في الدعارة والوساطة فيها، إلى جانب الحديث عن تهديدات وممارسات مرتبطة بتدبير الإقامة، دفعت أصحاب الشكاية إلى المطالبة بفتح تحقيق والاستماع إلى الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها.

وتكشف الوثيقة، التي تتوفر جريدة “العمق المغربي” على نسخة منها، عن حجم الاحتقان الذي تقول أسر الإقامة إنها تعيشه، حيث تتهم أشخاصا، من بينهم السنديك “م.ع”، إلى جانب سماسرة وردت أسماؤهم في الشكاية، بتسهيل كراء شقق باليوم والساعة لأشخاص غرباء عن الإقامة، في ظروف يربطها المشتكون بممارسات الدعارة والوساطة فيها.

وحسب رواية أصحاب الشكاية، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عمليات كراء عادية، وإنما بنشاط تقول الأسر إنه يقوم على التنسيق بين الوسطاء والراغبين في استغلال الشقق، بما يتيح توافد أشخاص غرباء على الإقامة بشكل متكرر، ويحول بعض الوحدات السكنية إلى فضاءات لممارسات يعتبرها السكان منافية لطبيعة المكان باعتباره إقامة عائلية.

وتتحدث الشكاية عن تكرار أصوات وصراخ وعبارات ذات إيحاءات جنسية، إلى جانب سلوكات وصفتها الأسر بالمخلة بالحياء، فضلا عن ادعاءات بشأن تعاطي بعض الأشخاص للمخدرات والممنوعات داخل بعض الشقق أو بمحيطها.

كما تشير إفادات المشتكين إلى أن هذه الأوضاع تسببت، بحسب تعبيرهم، في الإزعاج والحرج أمام أفراد أسرهم وأبنائهم، وأثرت على العلاقات بين الجيران، في ظل تخوف بعض السكان من الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو الانتقام.

وإلى جانب الأسماء الواردة في الشكاية، توصلت الجريدة، من خلال تصريحات عدد من السكان، بأسماء أشخاص آخرين قالوا إنهم ينشطون في مجال الوساطة في كراء الشقق باليوم والساعة، من بينهم شخص “و.ح”، وسيدة تدعى “ل.ف”، فضلا عن آخرين، وهي أسماء ومعطيات مستقلة عن الوثيقة الرسمية، لم يتسن للجريدة التحقق بشكل مستقل من طبيعة الأدوار المنسوبة إلى أصحابها.

شهادات تكشف كواليس سوق الكراء قصير المدة

وفي شهادات تعكس، بحسب أصحابها، جانبا من كواليس هذا النشاط، قالت شابة تبلغ من العمر 25 سنة، عرّفت نفسها بالأحرف الأولى من اسمها “ف.ج”، في حديثها مع جريدة “العمق المغربي”، إن عددا كبيرا من عمليات كراء الشقق بشكل يومي في حيي السلام والداخلة يرتبط، وفق ما عاينته، بأغراض الدعارة.

وأوضحت المتحدثة أنها سبق أن تعاملت مع عدد من الوسطاء في هذا المجال، مشيرة إلى أن بعض عمليات الكراء تتم خارج أي ضوابط قانونية، وأن عددا من صديقاتها اللواتي ينشطن في الدعارة يلجأن إلى كراء شقق بعقود شهرية، قبل إعادة تأجيرها للغير باليوم أو بالساعة، في إطار ما وصفته بنشاط متكرر يدر مداخيل مالية.

من جهته، أكد السمسار “أ.ك”، في تصريح للجريدة، أن ظاهرة إعادة كراء الشقق المفروشة بعد استئجارها بشكل شهري انتشرت بشكل ملحوظ، موضحا أن بعض الشابات والشبان يلجؤون إلى كراء شقق لمدة شهر، ثم يعيدون عرضها للكراء باليوم أو بالساعة، لأغراض وصفها بالمشبوهة.

وأضاف المتحدث أن بعض مالكي الشقق يكونون على علم بطبيعة الأنشطة التي تتم داخل وحداتهم السكنية، بما فيها ممارسات مرتبطة بالدعارة، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مسؤولية المالكين الذين قد يكونون على علم باستغلال عقاراتهم في أنشطة مخالفة للقانون.

ولم تقتصر الشكاية السالفة الذكر الموجهة إلى وكيل الملك على اتهامات الوساطة في الكراء قصير المدة، بل امتدت إلى طريقة تدبير المرافق المشتركة للإقامة، حيث تحدث أصحابها عن تحكم السنديك “م.ع” في كاميرات المراقبة، من خلال تشغيلها وإطفائها، إلى جانب إطفاء الإنارة في بعض الفترات الليلية.

ويعتبر المشتكون أن هذه الممارسات تثير تساؤلات بشأن ظروف مراقبة مداخل الإقامة ومدى توفير الحماية اللازمة لقاطنيها، خصوصا في ظل الحركة المتواصلة لأشخاص غرباء، وفق ما جاء في إفاداتهم.

كما أثاروا ما وصفوه بغياب قانون داخلي واضح ينظم الحياة المشتركة، وعدم تعليق القواعد المنظمة للإقامة، فضلا عن عدم عقد جموع عامة منتظمة، مشككين في الوضعية القانونية للسنديك وطريقة تدبيره لشؤون المجمع السكني.

وتطرح هذه المعطيات، في حال ثبوتها، أسئلة بشأن مسؤولية الجهات المكلفة بتدبير الإقامات السكنية في ضمان سلامة المرافق المشتركة واحترام القواعد المنظمة للملكية المشتركة، ومدى إمكانية استغلال بعض الاختلالات في التدبير لتسهيل أنشطة تضر بمصالح السكان.

تهديدات ومخاوف تدفع أسر إلى مغادرة مساكنها

ومن أكثر الجوانب إثارة في الشكاية حديث أصحابها عن أجواء من الخوف والتوتر داخل الإقامة، حيث تحدثوا عن تهديدات وتخويف ومخاوف من المساس بسلامة أبنائهم أو ممتلكاتهم وسياراتهم، فضلا عن التخوف من التعرض لاتهامات كيدية أو الانتقام بسبب الاعتراض على ما يجري.

وذهبت الشكاية إلى الحديث عن أسر اضطرت إلى مغادرة الإقامة وبيع شققها بأثمان تقل، بحسب أصحابها، عن قيمتها الحقيقية، بسبب الأوضاع التي تقول إنها لم تعد توفر شروط السكن المريح والآمن.

وتعكس هذه الإفادات حجم التوتر الذي يتحدث عنه المشتكون، خصوصا أن الأمر يتعلق بإقامة سكنية تضم أسرا وأطفالا، يفترض أن توفر لهم الحد الأدنى من الهدوء والخصوصية والأمن، بعيدا عن الأنشطة التي قد تتعارض مع طبيعة الفضاء السكني.

ولتعزيز مطالبهم، أرفق السكان شكايتهم بلائحة تضم أسماء وتوقيعات عدد منهم، إلى جانب قرص مدمج قالوا إنه يتضمن تسجيلات توثق جانبا من الممارسات التي يشتكون منها داخل المركب السكني.

والتمس أصحاب الشكاية من النيابة العامة فتح تحقيق في مضمونها، والاستماع إلى الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها، مع تكليف الشرطة القضائية بإجراء تحريات ميدانية بشأن الوقائع المبلغ عنها، والتدخل عند الإشعار بحالات التلبس، وترتيب الآثار القانونية على كل من تثبت مسؤوليته.

كما طالبوا باتخاذ إجراءات تتعلق بتدبير الإقامة، من بينها تغيير السنديك والحراس، وإبعاد الوسطاء الذين يتهمونهم باستغلال الشقق في الكراء اليومي والساعي وتسهيل ممارسات غير قانونية.

أرباح الكراء اليومي.. أسئلة ضريبية وأزمة الإيجار الشهري

وبعيدا عن النزاع الذي تفجر داخل إقامة “أ.2″، تفتح هذه الشكاية النقاش حول سوق الشقق المفروشة الموجهة للكراء قصير المدة بأكادير، وما يحققه بعض المتدخلين فيه من مداخيل مالية مهمة، في ظل توجه عدد من الملاك إلى تفضيل الكراء اليومي والساعي على الإيجار الشهري، بالنظر إلى العائد المالي الذي يمكن أن يوفره هذا النمط من الاستغلال.

ويرى متضررون أن بعض أصحاب الشقق يحققون أموالا طائلة من خلال هذا النشاط، خصوصا عندما يتم استغلال الوحدات السكنية خارج الضوابط القانونية، بما في ذلك وضعها رهن إشارة أشخاص لاستعمالها في أنشطة مرتبطة بالدعارة، وفق الاتهامات التي تضمنتها الشكايات وإفادات السكان.

وتبرز، في هذا السياق، تساؤلات بشأن مدى احترام أصحاب هذه الشقق للالتزامات الجبائية، وما إذا كانت المداخيل المتأتية من عمليات الكراء المتكررة يتم التصريح بها لدى المصالح المختصة، أم أن جزءا من هذا النشاط يجري خارج منظومة التصريح والمراقبة، بما يطرح إشكالية احتمال التهرب من أداء الضرائب المستحقة.

كما يثير انتشار الوسطاء والسماسرة الذين يتولون ترتيب عمليات الكراء باليوم والساعة أسئلة بشأن طبيعة نشاطهم ومدى خضوعه للقواعد القانونية والجبائية المنظمة للوساطة العقارية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعمليات متكررة تدر مداخيل مالية على مختلف المتدخلين.

ولا تتوقف تداعيات هذه الظاهرة عند الجوانب الأمنية والاجتماعية والجبائية، بل تمتد إلى سوق الإيجار السكني، الذي يجد فيه آلاف المواطنين والأسر صعوبة متزايدة في العثور على شقق للكراء الشهري، في ظل ارتفاع الطلب وتوجه عدد من الملاك إلى استغلال عقاراتهم في الكراء قصير المدة.

ويرى متتبعون أن تحويل وحدات سكنية من الكراء طويل الأمد إلى الكراء اليومي والساعي، بحثا عن عائد مالي أكبر، يساهم في تقليص العرض المتاح أمام الأسر الباحثة عن سكن قار، ويزيد من حدة المنافسة على الشقق المعروضة للإيجار الشهري، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين والعمال والطلبة والأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.

وتبرز هنا مفارقة اجتماعية لافتة؛ ففي الوقت الذي تجد فيه أسر عديدة صعوبة في توفير سكن شهري يتناسب مع إمكانياتها المادية، تتحول شقق أخرى إلى مصدر لمداخيل يومية متكررة، قد تكون أكبر بكثير مما يمكن تحصيله من خلال عقود الكراء التقليدية.

وبالنسبة إلى مدينة أكادير، التي تعرف توسعا عمرانيا واستقطابا متواصلا للسكان والباحثين عن فرص العمل والدراسة، فإن اتساع هذا النمط من الاستغلال العقاري يطرح تساؤلات حول تأثيره على توازن سوق الكراء، ومدى الحاجة إلى وضع آليات أكثر فعالية لتنظيم الشقق المفروشة وضبط شروط استغلالها، بما يضمن عدم الإضرار بحق الأسر في الحصول على سكن قار وبأثمنة معقولة.