المساوي العجلاوي يفكك كواليس التصويت الأممي: عزلة روسية وزخم دولي لصالح التوجه المغربي
سياسة

المساوي العجلاوي يفكك كواليس التصويت الأممي: عزلة روسية وزخم دولي لصالح التوجه المغربي

اعتبر المساوي العجلاوي، الخبير في العلاقات الدولية والأستاذ الباحث بمركز إفريقيا والشرق الأوسط، أن التطورات الأخيرة التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء المغربية تمثل لحظة تاريخية في مسار تدبير هذا الملف على المستوى الأممي، مؤكدا ضمن حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق” أن بلاغ الديوان الملكي جاء لتسجيل تحول مهم في طريقة التعاطي الدولي مع القضية، في ضوء التراكمات السياسية والدبلوماسية التي حققها المغرب خلال السنوات الماضية.

وأوضح العجلاوي، خلال حديثه عن دلالات التصويت الأخير بمجلس الأمن، أن فهم ما جرى يقتضي استحضار السياق التاريخي الذي انتقلت فيه قضية الصحراء إلى أروقة الأمم المتحدة، مشيرا إلى أن النقاش الأممي حول الملف انطلق في أكتوبر 1975، عقب صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الذي أقر بوجود روابط قانونية وبيعة بين قبائل الصحراء وسلاطين المغرب.

وأضاف الخبير أن المغرب كان قد اقترح، سنة 1974، اللجوء بشكل مشترك إلى محكمة العدل الدولية، بمشاركة موريتانيا وإسبانيا والجزائر، من أجل الحسم في الوضع القانوني للإقليم، غير أن هذا المقترح لم يحظ بقبول جميع الأطراف باستثناء موريتانيا، قبل أن تتطور الأحداث مع إعلان المسيرة الخضراء، وطلب إسبانيا إحالة القضية على مجلس الأمن الدولي.

وسجل المتحدث أن خصوصية قضية الصحراء تكمن في كونها من الملفات القليلة التي ظلت مطروحة بشكل متزامن أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبارها قضية مرتبطة بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وأمام مجلس الأمن، من زاوية انعكاساتها على الأمن والاستقرار الإقليميين.

وفي تقييمه لنتائج التصويت الأخير، شدد العجلاوي على ضرورة التمييز بين الموقف السياسي والنتيجة القانونية، معتبرا أن المغرب نجح في الدفع نحو صياغة توجه أممي يستحضر التحولات التي عرفها الملف، منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، وصولا إلى تحيينها وتفصيل مضامينها خلال يناير 2026.

وأوضح أن مشروع القرار الأمريكي حظي بدعم 11 عضوا من أعضاء مجلس الأمن، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، في حين استخدمت روسيا حق النقض، معتبرا أن هذه النتيجة تعكس وجود دعم دولي واسع للتوجه الذي تضمنته المسودة الأمريكية، رغم عدم اعتمادها بسبب الفيتو الروسي.

وأضاف أن أهمية هذه المعطيات تكمن أيضا في أن المشروع الروسي المقابل لم يتمكن من حشد سوى ثلاثة أصوات، وهو ما يكشف، بحسبه، محدودية التأييد الذي حظي به داخل المجلس، داعيا إلى التركيز إعلاميا على هذه المفارقة عند قراءة نتائج التصويت، بدل الاكتفاء بالحديث عن استخدام روسيا حق النقض.

وفي السياق ذاته، اعتبر العجلاوي أن محاولة الإبقاء على بعثة المينورسو بصيغتها الحالية ترتبط، في جانب منها، برغبة بعض الأطراف في الحفاظ على مرجعية الاستفتاء، التي ظلت حاضرة في طبيعة اشتغال البعثة منذ إحداثها، مشيرا إلى أن مشروع القرار الأمريكي سعى إلى نقل التراكمات السياسية التي عرفها الملف إلى مرحلة جديدة من التعاطي الأممي.

وأوضح أن النقاش حول مستقبل المينورسو لا يمكن فصله عن التطورات التي أعقبت القرار الأممي رقم 2797، وما تلاه من مشاورات وجولات دبلوماسية، فضلا عن الإحاطة التي قدمها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، في 8 أكتوبر 2026، والدراسة الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل البعثة التي قدمها الأمين العام للأمم المتحدة في 14 أكتوبر من السنة نفسها.

وبحسب المتحدث، فإن هذه المعطيات تطرح خيارين أساسيين أمام مستقبل البعثة الأممية، يتمثل الأول في مراجعة مهامها وطبيعة اشتغالها بما يتلاءم مع التحولات الجديدة، فيما يتعلق الثاني بإنهاء مهمتها إذا لم تعد الصيغة الحالية منسجمة مع طبيعة المرحلة السياسية التي دخلها الملف.

وبخصوص الموقف الروسي، استبعد العجلاوي وجود اتفاق مسبق بين موسكو وواشنطن والرباط بشأن مآل التصويت، معتبرا أن المعطيات المتاحة لا تدعم هذا الطرح، ومشيرا إلى أن روسيا لم تقدم مشروعها إلا صباح يوم الجمعة، في وقت كانت فيه مؤشرات التصويت بالرفض قد بدأت تتضح.

كما توقف عند ما وصفه بالسلوك غير المألوف للمندوب الروسي خلال جلسة مجلس الأمن، مشيرا إلى أن التغطية الإعلامية الأممية تحدثت عن أجواء مشحونة، وأن المندوب الروسي وجه انتقادات إلى الأعضاء الذين دعموا المشروع الأمريكي، وهو ما اعتبره مؤشرا على حدة الخلافات التي رافقت النقاش بشأن مستقبل المينورسو.

وفي قراءته لمضامين بلاغ الديوان الملكي، اعتبر العجلاوي أن المغرب يوجد أمام تحول استراتيجي في مسار تدبير قضية الصحراء، مشددا على أن هذا التحول لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد توظيف سياسي للحظة دولية عابرة، بل باعتباره نتيجة لمسار طويل من المواجهة الدبلوماسية والتراكمات الميدانية والسياسية.

واستحضر الخبير السياق التاريخي لاسترجاع الصحراء، مشيرا إلى أن موازين القوى خلال سنة 1975 لم تكن تسمح بتوقع المسار الذي انتهت إليه القضية، في ظل ما وصفه بالتنسيق بين إسبانيا والجزائر، ومحاولات توظيف جبهة البوليساريو في سياق إقليمي معقد.

وأضاف أن المسيرة الخضراء شكلت منعطفا حاسما في تغيير مرجعيات التعامل مع القضية، قبل أن يدخل المغرب مرحلة صعبة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تميزت بالمواجهة العسكرية وبناء الجدار الأمني، وما رافق ذلك من تطورات سياسية واجتماعية في المنطقة.

وأشار العجلاوي إلى أن التحولات التي شهدتها مخيمات تندوف والجزائر سنة 1988، إلى جانب المقترحات الأممية المتعلقة بوقف إطلاق النار، ساهمت في الانتقال إلى مرحلة جديدة من تدبير النزاع، مبرزا أن مسار التسوية الأممية ظل منذ ذلك الحين محكوما بتوازنات إقليمية ودولية متغيرة.

وخلص المتحدث ذاته، أن قراءة التطورات الأخيرة ينبغي أن تنطلق من استحضار هذا المسار التاريخي الطويل، معتبرا أن ما تحقق على المستوى الأممي يعكس تحولا في طبيعة النقاش الدولي حول قضية الصحراء، وأن الرهان المطروح اليوم يتمثل في ترجمة هذا التراكم إلى واقع سياسي ودبلوماسي يواكب التحولات الجديدة، بما يخدم الموقف المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي.