رصد البرلماني عن حزب العدالة والتنمية نوفل الناصري، عدة أسباب حالت دون نجاح النموذج التنموي بالمغرب، وهو النموذج الذي قال الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة التشريعية البرلمانية الجديدة، إنه أصبح غير قادر على الاستجابة للمطالب الملحة، والحاجيات المتزايدة للمواطنين، وغير قادر على الحد من الفوارق بين الفئات ومن التفاوتات المجالية ، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
وأوضح الناصري الذي كان يتحدث مؤخرا في لجنة المالية بمجلس النواب، على هامش مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2018، أن أول اختلال يعرفه النموذج التنموي المغربي هو أن “النمو الاقتصادي لا يعرف منحى تصاعديًا ثابتًا كما هو الحال بالنسبة للدول الصاعدة، وإنما هو نمو متقلب بسبب اعتماد المغرب بشكل كبير على عدد محدود من القطاعات من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والمتمثلة في الفلاحة والتجارة والخدمات والعقارات”.
أما الاختلال الثاني فحدَّده برلماني البيجيدي، في أن المغرب “يواجه مشكلة النمو المندمج. ففي عام 2015، كان معدل النمو 4.5٪ ولكننا خلقنا فقط 33 ألف وظيفة فقط؛ في حين على مدى الفترة 2003-2006، كانت نقطة نمو واحدة إضافية تمكن من إحداث أزيد من 38000 منصب شغل في المتوسط، غير أن هذا الأمر عرف انخفاظا بشكل مطرد إذ بلغ 25000 منصب شغل لكل نقطة نمو طيلة الفترة 2007-2011.
وأضاف أنه في الفترة بين 2012-2016 كل نقطة إضافية في النمو تحدث 12000، معتبرا أن هذا الضعف في خلق فرص الشغل بالمغرب يكتسي طابعا بنيويا في نموذجنا التنموي، ويتفاقم مع توالي السنوات، مبرزا أن “هذا المؤشر يؤكد مرة أخرى أن نموذجنا التنموي الحالي قد بلغ مداه فعلا، وهنا نتساءل كيف يمكن، في ظل هذه الظروف، توفير فرص عمل للخريجين الشباب والنساء؟”.
أما ثالث اختلال سجله الناصري بشأن النموذج التنموي المغربي، فيمكن في أن “هناك ارتفاع مستمر في بطالة الشباب (%23 حاليا) وخصوصا من حاملي الشهادات، وبالأخص من المدارس العليا والتكوين المهني”، متسائلا: “ما هو الحل؟”، داعيا إلى تشجيع الاستثمارات، كآلية لتحفيز النمو وخلق فرص شغل، منبها في السياق ذاته إلى أن “حتى هذا الحل، فقد وصل إلى مداه في نموذجنا”.
البرلماني المذكور، سجل أن الاختلال الرابع الذي يواجهه النموذج التنموي بالمملكة أنه “بالرغم من أن المغرب يحقق معدل استثمار يعد من بين أعلى المعدلات في العالم (33 بالمائة من الناتج الداخلي) إلا أن معدل النمو يظل دون المتوقع، كما أن حجم هذا الاستثمار لا يؤثر في التحول الهيكلي للاقتصاد الذي يبقى بطيئًا”.
كما لاحظ نوفل الناصري ضمن ملاحظته الخامسة بشأن تعثر النموذج التنموي المغربي أن “هناك تراجعا مستمرا في مردودية الاستثمارات العمومية، ووقعها على وثيرة النمو”، مضيفا ضمن المؤشر السادس أن “قطاع التصنيع يظل ضعيفًا على الرغم من النتائج المقنعة لبعض المهن العالمية في المغرب مثل السيارات أو الطائرات، إذ أن حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، لا تتجاوز 16%”.
وأبرز ضمن المؤشر السابع أن “النسيج الصناعي ضعيف جدا، وأن %95 من المقاولات هي مقاولات صغيرة ومتوسطة، إن لم نقل مقاولات صغيرة جدا”، مسجلا ضمن ملاحظته الثامنة أن “تنافسية وإنتاجية الاقتصاد المغربي تعاني من الضعف، حيث إن النسبة بين الحد الأدنى للأجور مقسومة على القيمة المضافة لليد العاملة وصلت إلى 0,8٪ في المغرب مقابل 0,2٪ بالنسبة لتونس، مما يعني أنها تتجاوزنا أربع مرات”.
أما المؤشر التاسع الذي يعيق تقدم النموذج التنموي بالمغرب، فهو حسب البرلماني ذاته، أن المغرب يحاول أن يعوض الصين في جذب الاستثمار الأجنبي بحجة أن الأجور في الصين أصبحت أكثر تكلفة مما هي عليه في المغرب، غير أنه أبرز أن أي بلد في تاريخ الصناعة لم يقم ببناء اقتصاد مستدام على أجور منخفضة، وإذا حصل ذلك فإنه يعمل فقط لفترة من الوقت!
وأوضح ضمن ملاحظته العاشرة أن “البحث والتطوير العلمي يمثل إحدى أبرز المعوقات التي يعاني منها نموذجنا الوطني، فالمغرب ينفق 0.8٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، في حين يبلغ المتوسط العالمي 2.1٪”، مشددا على أنه لا بد من بذل المزيد من الجهود في هذا الصدد من أجل إحداث خطة وطنية للبحث والتطوير، مضيفا، نقلا عن دراسة أمريكية حديثة، أن 60 في المائة من نوعية المهن التي ستمارس في أفق سنة 2030، لا وجود لها حاليا.
أما المعيق الحادي عشر فيمكن، بحسب المصدر ذاته، في الرشوة باعتبارها أول إكراه يواجه المستثمرين الأجانب الذين يريدون الاستثمار في المغرب، في حين يعتبر تراجع نسبة الساكنة النشيطة (حوالي 7 نقط منذ 2007)، رغم أن بلادنا هي في صلب انتقالها الديمغرافي الذي يُوسع من قاعدة الشباب والساكنة في سن العمل؛ ضمن المعوقات التي تحول دون تطور النموذج التنموي المحلي.
أما المشكل الثالث عشر فيكمن في أن منظومة التربية والتكوين تعرف نواقص عدة، وعلى رأسها أن نسبة الأطفال الأقل من 10 سنوات التي تضبط قواعد القراءة لم يصل إلى 20 في المائة، وأن عدد المتمدرسين الذين يكملون دراستهم إلى الباكالوريا لا يتجاوز 4 في المائة (حسب التقييم الذي قام به المجلس الأعلى للتربية والتكوين)، بالإضافة إلى عدم توافق بين مخرجات التكوين مع حاجيات الاقتصاد، وضعف جودة اليد العاملة، وحاجاتها للتدريب.
أما المعيق الرابع عشر، فهو أن ضعف المغربية على مستوى التنمية البشرية، حيث المرتبة 126 من أصل 188 دولة، وهو ما يجعله في النصف السفلي من الترتيب؛ في حين يعد “غياب الالتقائية بين السياسات العمومية والبرامج القطاعية”، هو المشكل الخامس عشر الذي يعيق تطور النموذج التنموي المغربي، معتبرا أن هذا الأمر يُفقد بلادنا مجموعة من الفرص والموارد المالية والجهد.
وحذر المصدر ذاته، من أن “يحمل نموذجنا الوطني في أحشائه بذور الانتفاضات الاجتماعية والتقاطب الاجتماعي بفعل طابعه الاقصائي”، مذكرا بالسؤال الجوهري الذي طرحه الملك حول “أين هي الثروة”؟ وهل استفاد المغاربة جميعا؟ أم أنها همت فقط بعض الفئات؟”، داعيا إلى “ضرورة تنمية الرأسمال البشري من خلال الإنجاز الفعلي لإصلاح منظومة التربية والتكوين بشكل يتجاوز المقاربة القطاعية ويجعل من العنصر البشري الرهان الأساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا”.