
يشكل التراث الثقافي اللامادي، بصفته الذاكرة الحية للمجتمعات ومرآة هويتها الضاربة في جذور التاريخ، ركيزة أساسية في بناء الشخصية الوطنية المغربية، حيث يختزن المعارف والمهارات وأشكال التعبير التي صاغها الإنسان في تفاعله المستمر مع محيطه عبر العصور. ويمثل هذا الموروث الحضاري ليس فقط جسرا يربط الحاضر بالماضي، بل وأيضا رافعة حقيقية للتنمية المستدامة وعاملا محوريا في تعزيز ارتباط المواطن المغربي بإرثه وتوفير الاستقرار الوجداني والمعرفي الضروري للفرد والمجتمع.
وتتعالى اليوم أصوات الخبراء والباحثين محذرة من المخاطر المحدقة بهذا الكنز الوطني، داعية إلى ضرورة إرساء سياج من الحماية الفعالة لتحصينه ضد كل أشكال التوظيف الظرفي والاستغلال الانتهازي. ويبرز في صدارة هذه التحديات، الاستغلال المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، والذي يهدد بتحويل الفضاءات الاحتفالية من مناسبات لتكريم الذاكرة الجماعية وصون التقاليد الأصيلة، إلى مجرد أدوات دعائية تخدم أجندات سياسية ضيقة، مما يفرغها من قيمتها الرمزية والمجتمعية العميقة.
وقد تم تسجيل العديد من الممارسات التي يصفها متتبعون بـ”المقلقة” في مختلف مناطق المغرب، حيث تحولت عدد من المهرجانات والتظاهرات التي تنظم تحت شعار الحفاظ على التراث من الاندثار، إلى منصات للاستغلال السياسي، لا سيما في المناطق التي تعاني من هشاشة اقتصادية وخصاص تنموي واضح. ويتم هذا التوظيف عبر تحويل هذه المناسبات الثقافية إلى منابر لإطلاق حملات انتخابية سابقة لأوانها، وحشد الأصوات، وتقديم وعود انتخابية، مستغلين بذلك الارتباط العاطفي والوجداني للمواطنين بتراثهم، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية القرار الثقافي في المغرب وضرورة وضع آليات رقابية تمنع هذا الانزلاق الخطير.
وتعليقا على الموضوع، أكد حميد مسافي، وهو طالب باحث بجامعة القاضي عياض ومهتم بمجال الثقافات والفنون المعاصرة، على الأهمية القصوى للتمييز الدقيق بين الأثر السياسي الإيجابي الذي يمكن أن تحققه المهرجانات الثقافية في بعدها العميق والاستراتيجي، وبين المحاولات الانتهازية لاستغلالها لأغراض انتخابية أو دعائية ضيقة ومحدودة الأثر.
وأوضح المصدر ذاته في تصريح لجريدة “العمق” أن الثقافة في جوهرها ليست مجالا محايدا أو معزولا عن الشأن العام كما قد يعتقد البعض، بل هي على العكس من ذلك تماما، إذ تعتبر رافعة أساسية للتنمية الشاملة ووسيلة فعالة لترسيخ قيم الانفتاح والتسامح والعيش المشترك داخل المجتمع، وبالتالي فمن الطبيعي والمنطقي أن تكون ضمن دائرة اهتمامات الفاعلين السياسيين والمنتخبين، باعتبارها عنصرا جوهريا في عملية صياغة السياسات العمومية.
وكشف مسافي أن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يتم اختزال هذا الاهتمام المشروع في استغلال ظرفي وموسمي، وهو ما يؤدي حتما إلى إفراغ المهرجانات من قيمتها الحقيقية ورمزيتها العميقة، ويحولها من فضاءات للإبداع والتعبير الحر إلى مجرد منصات للدعاية الانتخابية.
وشدد المتحدث على أن الرهان الكبير المطروح اليوم على جميع الفاعلين، من مؤسسات ومجتمع مدني ومثقفين، هو البحث عن السبل الكفيلة بتحصين الموروث الثقافي المغربي وحماية استقلالية المهرجانات والتظاهرات الفنية، مع ضرورة الحفاظ على بعدها الرمزي والمجتمعي، وضمان ألا تتحول إلى أدوات سياسوية عابرة يتم استخدامها عند كل استحقاق انتخابي. وأضاف أن الحاجة باتت ماسة اليوم إلى خلق وعي جماعي راسخ بأن الثقافة ملك للجميع، وأن وظيفتها الأسمى هي خدمة المجتمع والإنسان وتنميتهما، لا خدمة أجندات انتخابية قصيرة الأمد.
واقترح المهتم بمجال الثقافات والفنون المعاصرة مجموعة من الاستراتيجيات العملية التي اعتبرها كفيلة بتحقيق هذا الهدف، حيث يبرز في المقام الأول تعزيز استقلالية الهيئات المشرفة على تنظيم المهرجانات، وذلك عبر إشراك فعلي وحقيقي للأكاديميين والفنانين والباحثين والفاعلين المدنيين المتخصصين في عملية صياغة الرؤية العامة والبرامج الفنية.
كما اعتبر أن الشفافية المطلقة في مصادر التمويل واعتماد عقود واضحة ومفصلة مع الشركاء من القطاعين العام والخاص، يشكل ضمانة إضافية وحاسمة لقطع الطريق أمام أي محاولة للتوظيف الانتخابي. وأشار إلى أن وزارة الداخلية، في إطار حرصها الدائم على نزاهة ومصداقية الاستحقاقات الانتخابية، تقوم بواجبها في مراقبة ورصد أي محاولة لاستغلال الأنشطة الثقافية لأغراض دعائية، وهو ما يساهم، حسب قوله، في حماية العملية الانتخابية من أي انزلاقات قد تمس بمصداقيتها.
من جهته، اعتبر عبد الهادي زيدان، الباحث في التاريخ والتراث الجهوي، أن الالتفات الجاد والمسؤول لموضوع التراث في علاقته العضوية بالهوية الوطنية كمين بأن يسهم بشكل كبير في تعزيز ارتباط المواطن المغربي بإرثه الثقافي الغني، وأن يشيع الوعي بأهمية الهوية في توفير ذلك الاستقرار الوجداني والمعرفي الضروري للفرد والمجتمع.
وأوضح زيدان ضمن تصريح لجريدة “العمق” أن التنمية المستدامة الحقيقية تستدعي بالضرورة إرادة جماعية قوية نابعة من وضوح الأهداف المراد تحقيقها على كافة الأصعدة، وقبل كل هذا وذاك، لا بد من بلورة قناعة جماعية راسخة تنزل تراثنا المعرفي والقيمي والمعماري والفني منزلته القيّمة التي يستحقها، تلك المنزلة التي تعطينا شخصيتنا المتميزة كمغاربة، وتجعلنا في نفس الوقت منفتحين بكرامة واعتزاز على الإنجاز الحضاري الإنساني.
وذكر الباحث في التراث الجهوي بتعريف اتفاقية اليونسكو للحفاظ على التراث غير الملموس لعام 2003، والذي يعتبره “مجموع الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية”، مشددا على أن بعض الممارسات التي نشاهدها اليوم تهدد استمرارية هذا التراث، خصوصا في ظل استغلاله الفج من طرف بعض السياسيين الذين يرون فيه مناسبة موسمية لحشد الأصوات والقيام بحملات انتخابية سابقة لأوانها. وانتقد زيدان تنظيم هذه التظاهرات في مناطق لازالت تعاني من نقص حاد في البنى التحتية وتعيش أوضاعا اجتماعية صعبة، وترتفع فيها معدلات الفقر والهشاشة في ظل غياب تنمية حقيقية وملموسة.
وأوضح أستاذ التاريخ أن التطرق لهذا الموضوع من هذه الزاوية النقدية لا يعني بأي شكل من الأشكال الاصطفاف إلى جانب كارهي الفرح ونابذي الحياة، مضيفا أن الثقافة الأمازيغية، وهو المنتمي إلى إقليم أزيلال، تعتبر فصل الصيف فصلا للأعراس والأفراح والسهر على نغمات فنون “العامت” أو “أحواش”. كما أشار إلى أن مثل هذه المناسبات تلعب دورا مهما في خلق رواج اقتصادي محلي وتشجيع المنتوجات المجالية وإعادة الاعتبار للصناعة التقليدية، فضلا عن دورها في تعزيز الهوية الوطنية لدى الأجيال الصاعدة.
وتساءل في ختام تصريحه بشكل استنكاري: “عندما يزور رئيس الجهة منطقة معينة لحضور حفل أحواش ويشاهد بعينيه الخصاص الذي تعرفه هذه المناطق ألا يخجل من نفسه ومن ولايته التي فشل فيها فشلا ذريعا في تنزيل برامج تنموية لإقليم يعاني من لعنة الجغرافيا ولعنة التدبير الفاشل؟”. ودعا إلى ترك التراث بعيدا ليظل في بعده الفني والجمالي والفرجوي، وأن تتم المحافظة عليه بعيدا عن التوظيفات السياسية المشبوهة.
وفي سياق متصل، أشار الباحث في التاريخ والتراث، لحسن الصديق، ضمن تصريح أدلى به لجريدة “العمق” إلى الأهمية الكبرى للتراث اللامادي في حفظ الهوية الثقافية للمجتمع، باعتباره يعكس ذاكرة المجتمع وما يتضمنه من معارف بناها الإنسان عبر الزمن. وأبرز الصديق في تصريحه إمكانية توظيف التراث المادي واللامادي في تحقيق التنمية الاقتصادية المحلية والوطنية، مشيرا إلى أن الكثير من الدول تعمد إلى توظيفه لتنشيط الحركة السياحية الدولية لما يجسده من خبرة للإنسان المحلي في مختلف أشكال التعبير الفني والثقافي.
وقدم الباحث في التراث نماذج لدول مثل تركيا وإسبانيا التي اعتمدت استراتيجيات بعيدة ومتوسطة الأمد للاستفادة مما تمتلكه من تراث عبر آليات سياحية، وذلك بعد تأهيل مواقع التراث المادي وتكوين الرأسمال البشري القادر على فهم هذا التراث والاعتزاز به. وشدد الصديق على أن الترويج للتراث والتعريف به يعد من أهم آليات حفظه ونقله من جيل إلى آخر، وهو ما يجعل استغلاله في غير أهدافه التنموية والثقافية الحقيقية أمرا يهدد قيمته واستمراريته بشكل مباشر، ويحول أداة للحفظ إلى وسيلة للتبديد.
اترك تعليقاً