وجهة نظر

الرد على “لوموند” بين محاولة التطبيب والإعوار

أثارت مقالات جريدة لوموند الفرنسية حول المغرب الكثير من ردود فعل يغلب عليها الانفعال المتهِم. وأينما اتجهت تجد محتويات تنتقد وتهاجم وتشكك و … ونشأت دينامية على مواقع التواصل الاجتماعي تتغذى من توجهات معارضة وأخرى مساندة لما كتبته الصحيفة الفرنسية، “انتهزت” الفرصة لتوسيع قاعدة الأتباع والمعجبين. وبرز توجه عام يصور الأمر على أنه مؤامرة خارجية لزعزعة استقرار المغرب. وينتاب المتابع إحساس بأن مقالات في جريدة فرنسية قد أحدثت رجة حقيقية في المغرب.

وبالطبع لا يمكن قبول التعاطي الإعلامي الرخيص مع مؤسسة عريقة مثل الملكية في المغرب، ولا مقاربة قضايا لها حساسية بالغة لدى الشعب المغربي من مثل استقرار النظام الملكي، بمزاعم منقولة عن مصادر مجهولة. غير أنه لا بد من إبداء ملاحظات منهجية حول التعاطي المنفعل مع مقالات الصحيفة الفرنسية.

أول ملاحظة تفرض نفسها في السياق الحالي، هي أنه إذا تعلق الأمر بمؤامرة ضد المغرب فإن الدينامية الإعلامية المناهضة لها، قد حولت مقالات لوموند إلى عامل تهديد فعلي بفعل المبالغة في التعاطي مع الموضوع. فالمغاربة الذين يتابعون صحيفة لوموند فئة قليلة جدا من النخبة، لكن ردود الفعل على مقالاتها أعطتها زخما شعبيا واسعا لم تكن لتحلم به.

ثانيا، المغاربة الذين يتابعون ردود الفعل الرافضة والمنددة والمتهمة في الصحافة المغربية وفي مواقع التواصل الاجتماعي يدفعهم الفضول إلى معرفة “الحقيقة”، وهنا تكمن خطورة “التضخيم الإعلامي” للموضوع. ذلك أنه في مثل تلك الوضعيات تكون مصداقية الجهات التي تولت الرد على المحك لدى هؤلاء المغاربة. فالجميع يعلم المقولة الشعبية الشهيرة التي يشهرها المغاربة في مثل هذه النوازل التي يكون فيها الخطاب ضعيف المصداقية، حيث يكتفون بالقول “وخا هاكاك .. شي حاجة تما”. أي أنه رغم اطلاعهم على الانتقادات، فضعف مصداقية المنتقدين، أو ضعف حجتهم، أو بعدهم عن مصادر المعلومة الحقيقية، تجعلهم أقرب إلى تصديق الشائعات من الاقتناع برأي من يحاربها.

ثالثا، صحيفة لوموند لا تكتب للمغاربة، فمبيعاتها اليومية قاربت 450 ألف نسخة في اليوم، (إحصاءات تعود لسنة 2020)، وردود الفعل المغربية لن تؤثر في قاعدة قرائها ولا في سوقها الفرنسية والفرانكفونية، مما يطرح أسئلة منهجية حول جدوى “التضخيم الإعلامي” لجريرة لوموند وحول الهدف من مواجهة صحيفة خارج وسطها الإعلامي وسوق قرائها الفعلي والحقيقي. فهل يتعلق الأمر بالخوف من أن يصدق المغاربة مزاعم الصحيفة الفرنسية؟

وهذه الملاحظة المتعلقة بجغرافية المواجهة تدفع المهتم إلى طرح بعض الأسئلة من مثل أين “أصدقاء” المغرب في فرنسا؟ بل أين سفيرة المغرب في فرنسا التي سجلت خرجات إعلامية سابقة؟ لماذا لا تستثمر علاقاتها الواسعة مع الاعلام الفرنسي لتسفه مزاعم لوموند على أرضها ولدى قرائها؟

إن مواجهة لوموند في ساحتها هو ما يعطي لرد الفعل أهميته، أما ردود الفعل التي تفتقد للمصداقية فهي لن تزيد الأمر إلا سوءا، على غرار المثل القائل: أراد أن يطبه فأعوره!

رابعا، غياب الموقف الرسمي يضعف مواجهة التداعيات السلبية المحتملة لمقالات لوموند داخليا، فقد عودتنا الدولة المغربية أن تواجه الأعمال الصحافية المتآمرة ببلاغات وزارة الخارجية واللجوء إلى القضاء. ومثل هذه الإجراءات تعزز جهود منتقدي لوموند ومسفهي مقالاتها ومتهميها بالتآمر، داخليا، وتعطي الإحساس للمواطن المغربي أن الدولة تدافع عن نفسها.

والمؤسسة الملكية عودت المغاربة على التواصل في كل القضايا الحساسة، مثل ما يتعلق بصحة الملك، وبلاغات الديوان الملكي حول صحة الملك وغيرها تكفي دائما في تحصين المغاربة من التلاعبات التي تركب على مثل مقالات لوموند للإضرار بالمملكة. فمصداقية المؤسسة الملكية لدى المغاربة أقوى من أي مؤسسة أخرى كما تؤكد ذلك دراسات عدة في المجال.

وفي هذا السياق، للمرء أن يتساءل لماذا لم تصدر وزارة الخارجية بلاغا تستنكر فيه التعامل التآمري المفترض للصحيفة الفرنسية ضد المغرب، وتضرب لها موعدا لدى القضاء الفرنسي؟

خامسا، يبدوا، في غياب الرد الرسمي، أن الهم الأكبر في موجة الرد على مقالات لوموند هو منع تأثر الرأي العام المغربي بها، في حين أن مثل تلك الردود لا يمكن أن تقنع الفاعلين من سياسيين وباحثين ودبلوماسيين، وغيرهم. مما يطرح أسئلة حول الكيفية التي سوف يتعامل بها هؤلاء الفاعلون مع مقالات لوموند.

سادسا، رغم ما سبقت الإشارة إليه، فلا يمكن لردود الفعل المغربية، ما لم تكن مؤسساتية، أن تواجه استسهال نشر الأكاذيب ونسج الروايات المضللة من طرف مؤسسات إعلامية كبيرة أجنبية مثل صحيفة لوموند، وغيرها من المؤسسات. بل بالعكس فالانتشار الواسع الذي لقيته مقالات لوموند ومضامينها بسبب ردود الفعل المبالغة وغير الفعالة قد يغريها ويغري غيرها بالمزيد.

بالرجوع إلى المثل القائل: أراد أن يطبه فأعوره، نجد أن كثيرا من ردود الفعل على مقالات لوموند، في ظل الملاحظات الست السابقة، لا تعالج المشكلة الأصلية المتعلقة بممارسة صحيفة لوموند، والتي ينبغي أن تواجه في وسطها الإعلامي ووسط قرائها الفعليين، عن طريق عمل إعلامي فعال وإجراءات رسمية رادعة، بل تطرح احتمال مساهمتها في نشر عدم اليقين لدى القارئ المغربي، وتقديمه كبش فداء للدعاية التي ركبت على أمواج مقالات الصحيفة الفرنسية للإضرار بالمملكة.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *