https://al3omk.com/109774.html

هل يكون “البريكسيت” مدخلا لتحطيم البناء الأوروبي أم فرصة لإعادة بنائه؟

على الرغم من سلسلة التنازلات التي قدمها الاتحاد الأوروبي لفائدة بريطانيا والوضع الخاص الذي تحظى به هذه الأخيرة داخل الاتحاد بغية محاولة ثنيها عن الانسحاب، إلا أن ما بات يعرف بالبريكسيت(Brexit) أو الاستفتاء الذي تعتزم حكومةدايفد كامرون تنظيمه في 23من يونيو /حزيران الجاري حول انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو البقاء ضمن أعضاءه، يكتسي أهمية كبرى بالنظر إلى أبعاده الكثيرة و رمزيته وأيضا تداعياته المحتملة على البناء الأوروبي في شموليته.

فالاستفتاء المثير للجدل والسجال الذي يكتنفه وحالة الترقب التي تسود كبار قادته، جاء ليكشف من جديد، أن الاتحاد الأوروبي يمر هذه الأيام من أصعب فتراته وأكثرها حساسيةمنذ تأسيسه، بالنظر لتراكم جملة من العوامل والمؤثرات التي باتت تؤرق كبار قادته كوزير الخارجية الألماني “فرانك فالتر شتاينماير” الذي عبر عن هذا القلق بشكل واضح في تصريح لجريدة دير شبيغل. غير أن أكثر هذه العواملخطورة يظل ملف الهجرة والنازحين، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة والتيارات القومية، والنزوع إلى تبني سياسة الانغلاق والحمائية وغلق الحدود ضدًّا على المبادئ و القيم التي تأسس عليها الاتحاد، فضلا عن مشاكل فضاء شنغن(Schengen) ومنطقة اليورو و الإرهاب، والتفاوت الكبير بينأعضاءه الذي يصل حد التناقض أحيانا، لا سيما بين دول شرق ووسط أوروبا وبين غربها، حيث نجد أن الحد الأدنى للأجور في بريطانيا يضاعف عشر مرات نظيره في رومانيا مثلا، وحيث نجد أن دولا بالكاد تكافح للاستجابة لمتطلبات ومعايير الاتحاد الصارمة والبيروقراطية عبر إجراءات تقشفية “مؤلمة” كاليونان أو البرتغال أو أيسلندا وما لذلك من آثار على الاستقرار و السلم الاجتماعي لتلك الدول.

هذه العوامل وغيرها هي التي دفعت على ما يبدو دولة مثل سويسرا لأن تسحب طلب عضويتها المتقادم بشكل نهائي، ولربما هي من جعلت دولة مثل الدانمارك بأن تنسحب من الاتحاد نهائيا قبل ذلك، وقد تخفف من حماسة تركيا ثاني أكبر قوة في حلف الشمال الأطلسي و القوة الاقتصادية السادسة أوروبيا و ال 17 عالميا للانضمام، أو على الأقل قد تحسن من شروطها التفاوضية في اتجاه طريق هذا الانضمام الطويل والشاق.

وبالعود إلى الاستفتاء البريطاني الذي يشكل منعطفا هاما ليس بالنسبة للجزيرة البريطانية فحسب ، بل بالنسبة للمشروع الأوروبي برمته،و الذي من الصعب التكهن بنتائجه، بالنظر لتقارب نسب المؤيدين والمعارضين وارتفاع نسب المترددين أو الذين لم يحسموا خيارهم بعد، إلا أن سيناريوهات ما بعد الاستفتاء قد باتت تناقش منذ الآن، سواء من خلال محاولة احتواء تداعيات الانسحاب في حال إقراره، حيث من المرتقب أن تحدو دول أخرى حدو بريطانيا خصوصا تلك التي تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة ولم تجني من عضويتها في الاتحاد الشيء الكثير كاليونان أو البرتغال أو دول البلطيقعلى سبيل المثال، فضلا عن إعادة النظر في سلسلة من الاتفاقيات وتكييفها مع الواقع الجديد، أو من ناحية طرائق التعاطي مع الشركاء الاقتصاديين التقليديين خارج الاتحاد كالولايات المتحدة أو الصين أو روسيا، مع الاستعداد لتحمل التبعات والأعباء الاقتصادية الناجمة عن ذلك، حيث من المرجح أن تلعب فيها ألمانيا المعنية كثيرا بإنقاذه دورا محوريا في سبيل ذلك، أو من خلال سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي سيتم إدخالها على بنية الاتحاد ومؤسساته حتى في حالة التصويت لصالح البقاء كاستجابة لمتطلبات المرحلة التي تتسم بكثير من الصعوبة والضبابية والتعقيد.

وأيًّا كانت نتيجة التصويت، إلا أنه يمكن اعتبار أن”البريكسيت” ليس سوى النقطة التي أفاضت الكأس،أو محطة من المحطات التي يمكن اعتبارها بمثابة فرصة سانحة لإعادة تقييم مشروع الوحدة الأوروبي، في أفق تكييفه مع سلسلة التحديات الجديدة التي تجابه دول الاتحاد، إن على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي، حتى لا تتكرر تجربة الاتحاد السوفياتي مجددا لكن هذه المرة في أوربا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي هيئة تحرير جريدة العمق المغربي وإنما تعبّر عن رأي صاحبها.

تعليقات الزوّار (0)
لا يوجد تعليق!

لا توجد تعليقات في الوقت الراهن، هل تريد إضافة واحد؟

اكتب تعليق
أضف تعليقك