منتدى العمق

اغتيال تشارلي كيرك: نموذج للتجاذبات الداخلية والاستغلال الصهيوني

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية في العاشر من شتنبر 2025 حادث اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك في ولاية يوتاه خلال أحد اللقاءات المفتوحة التي اعتاد على تنظيمها في رحاب الجامعات الأمريكية. يبدو للوهلة الأولى أن هذا الحادث المأساوي هو شأن أمريكي خالص لا يستدعي إثارة أي نقاش حوله على الصعيد الدولي، لكن المتتبع للشأن الأمريكي يعلم أن مثل هذه الحوادث لها دلالاتها وانعكاساتها العميقة على السياسات الامريكية الداخلية أو الخارجية، خاصة بعد الاطلاع على ردود الأفعال الصادرة من مختلف الجهات.

يعتبر تشارلي كيرك، 31 سنة، من أكثر الشخصيات الشابة المنتمية لليمين الأمريكي تأثيرا، فقد دأب منذ سنوات على الترويج لأفكار اليمين المحافظ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كقناته على اليوتوب التي يبلغ عدد المشتركين فيها 5،18 مليون مشترك، أو من خلال عقده للقاءات مفتوحة داخل الحرم الجامعي في مختلف مناطق البلاد، والتي خصصها لمناقشة مختلف المواضيع المثيرة للجدل، خاصة ما له علاقة بالتيار اليساري في أمريكا وحركة WOKE التي تتبنى أكثر الأفكار تحررا، سواء على مستوى الحريات الشخصية أو الاختيارات السياسية، كما كان لتشارلي كيرك حضور بارز في العديد من البرامج التليفزيونية الأكثر شهرة، مما يعكس التنامي الكبير لشعبيته وتأثيره داخل الفضاء الإعلامي الأمريكي. ساهم تشارلي بشكل كبير في دعم الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي عن الحزب الجمهوري اليميني دونالد ترامب، فقد كان من أشد المدافعين عن ترشيحه في مواجهة الرئيس الديمقراطي جو بايدن ونائبته كامالا هاريس التي عوضته في السباق الرئاسي لسنة 2024. مثل ترامب بالنسبة لتشارلي النموذج الوحيد القادر على هزيمة المعسكر الساري الذي أدخل المجتمع الأمريكي في صراعات كبيرة بين مكوناته العرقية والأيديولوجية والثقافية، خاصة مع دفاعه المتواصل عن الهوية المسيحية للمجتمع الأمريكي وعن المكون الأبيض الذي أصبح تحت نيران الانتقادات من بقية الأقليات في البلاد، وكذلك مواجهاته المتواصلة مع دعاة المثلية الجنسية وحركة LGBTQ+ التي ما فتئت تنعته بأقذع الأوصاف كلما ناضر دعاتها وأتباعها حول المواضيع الشائكة التي تطرحها، مثل موضوع الإجهاض والتحول الجنسي وغيرها.

جسد تشارلي كيرك نموذج الشاب المؤثر المثقف، صاحب الأسلوب السلس المقنع والطلاقة المميزة في الكلام، مؤثر إعلامي نشأ في أحضان الفكر اليميني المحافظ واكتشف أنه قادر على جذب فئات عريضة من الشباب الأمريكي من خلال مناقشتهم في أكثر الأفكار تطرفا وأشدها إثارة للجدل، شباب لم يعد يجد مخاطبا يحاوره أو يستحق سماعه داخل الأحزاب الأمريكية الموجهة من طرف أقلية متحكمة، ولا حتى في وسائل الاعلام التقليدية من قنوات تلفزيونية أو جرائد كبرى، الساعية دائما إلى توجيه الرأي العام الأمريكي بشكل سلطوي من خلال احتكار المعلومة وتحويرها حسب مصالح هذا الطرف أو ذاك. لهذا استطاع تشارلي كيرك تحقيق شهرة كبيرة في منصات التواصل الاجتماعي، مما جعله من المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أشاد به في العديد من المناسبات.

أدلى تشارلي كيرك بدلوه كذلك في المواضيع التي تهم الأحداث الدولية، فكانت مقولاته منسجمة في مضمونها مع اليمين الجمهوري بخصوص الحرب الروسية الأكرانية والصراع الاقتصادي مع الصين، إضافة إلى الدعم اللامشروط للكيان الصهيوني في سياساته تجاه الفلسطينيين ودول الشرق الأوسط، وهو على كل حال من المواضيع النادرة التي لم يكن يتناطح حولها كبشان في الساحة السياسية الأمريكية، إلى غاية اندلاع حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة، والتي ساهمت تداعياتها وردود الأفعال حولها في زعزعة ثقة الأمريكيين في الرواية الإسرائيلية والتعاطف المتزايد مع الضحايا الفلسطينيين القتلى والجرحى والمجوعين.

علمتنا الأحداث البارزة في الولايات المتحدة الأمريكية أن مختلف الأطراف تسعى لاستغلال المشاعر الجارفة التي تنتج عنها من أجل تحقيق أهدافها وأجندتها الخاصة، سواء كانت مشاعر حزن أو غضب أو خوف، ولنا في أحداث نيويورك في الحادي عشر من شتنبر 2001 وما تلاها من استغلال لمشاعر الحزن والغضب لإطلاق العنان للسعار الحربي الأمريكي وغزو أفغانستان والعراق بشكل انفعالي سريع يتجاوز القوانين الدولية، وصولا إلى حادث مقتل جورج فلويد الأمريكي الأسود على يد شرطي أبيض، والذي أدى إلى اندلاع أحداث عنف وتخريب ونشأة حركة BLACK LIVES MATTER المدافعة عن حقوق السود. في هذا السياق بدأت التحركات الهادفة إلى استغلال حادث اغتيال تشارلي كيرك من مختلف الأطراف، فظهرت دعوات غاضبة من اليمين الأمريكي للانتقام من “القتلة”، والحديث هنا عن اليسار الأمريكي وحركة Woke التي ينتسب إليها القاتل، فهي مناسبة فتحت المجال للأصوات اليمينية المتطرفة منها والمعتدلة لكيل أبشع التهم والأوصاف لليسار الأمريكي، متوعدة بالانتقام لتشارلي كيرك المحاور المسالم المتسامح، الذي راح ضحية تيارات متطرفة تلجأ للعنف ضد معارضيها مستغلة مساحة الحرية الكبيرة التي منحت لها، خاصة على عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، وهو ما لن يتكرر حسب تصريحاتهم. الملاحظ هنا أن مشاعر الغضب والانتقام لم تقف عند مرتكبه، وهو شاب يساري غاضب من الآراء اليمينية لتشارلي، بل أصبح الأمر مواجهة بين اليمين المحافظ واليسار التحرري، بين الجمهوريين والديمقراطيين، بين ترامب ومعارضيه، إذ سارع هذا الأخير لإعلان خبر الاغتيال وأمر بتنكيس الأعلام الأمريكية حدادا وفاته، ليقوم نائبه د.ج.فانس بتقديم حلقة أخيرة على قناة تشارلي كيرك على اليوتوب، وغيره من الأصوات المعزية والمتوعدة المنتمية إلى اليمين الأمريكي.

لكن على الجانب الآخر ظهرت العديد من الأصوات على مواقع التواصل الاجتماعي مهللة فرحة بحادث الاغتيال، مؤكدة أن تشارلي حصل على ما يستحق نتيجة آراءه ومهاجمته لمعارضيه، ومنهم المتحولون جنسيا الذين كانوا موضوع آخر سؤال يجيب عنه قبل تلقيه رصاصة في عنقه أودت بحياته.

كان لهذه القضية تداعيات كذلك على الصعيد الخارجي، وصلت أصداؤها إلى الشرق الأوسط، فقد سارع بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية المنخرط في أكبر جريمة إبادة يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين في غزة، والمتابع من طرف محكمة الجنايات الدولية بجرائم حرب، سارع إلى نعي وفاة تشارلي كيرك وعبر عن حزنه الشديد هو وزوجته وابنه بسبب حادث الاغتيال، واصفا القتيل بالصديق المقرب -وهو ما كذبه الصحافي الشهير طوماس كارلسون- وأنه كان محبا لإسرائيل، قبل أن يعرج على مقصوده الأساسي، وهو أن تشارلي تعرض لعملية اغتيال إرهابية مشابهة لما يتعرض له الإسرائيليون، مما يجعل الأمريكيين والاسرائيليين ضحايا لنفس الجرائم، ويتوجب عليهم التضامن والتعاون للقضاء على الإرهاب حيثما كان، فإسرائيل تنوب عن الولايات المتحدة في مواجهة الكيانات الإرهابية في الشرق الأوسط، ممثلة في إيران وحماس وغيرها. يسعى نتانياهو من خلال هذا الخطاب إلى استغلال حادث الاغتيال للحصول على دعم إضافي لسياساته العدوانية في المنطقة، وهو ما يذكرنا بمحاولة اغتيال ترامب خلال الحملة الانتخابية السابقة، حيث سارع نتانياهو إلى إلصاق التهمة فيها بإيران، متهما إياها بالوقوف وراء تلك المحاولة الفاشلة.

تلعب الأحداث المماثلة دور المحفز للتجاذبات الأيديولوجية التي تتحكم في الرأي العام الأمريكي، والتي تبرز على السطح في أشد تجلياتها وتعبيراتها تطرفا، كما يوضح هذا الحادث النفوذ الكبير الذي أصبحت تمثله وسائل الاعلام البديل، التي أصبحت تتجاوز في تأثيرها ونفوذها نظيرتها التقليدية. وعلى العموم يبقى المجتمع الأمريكي ساحة سجال متواصل بين مختلف الأطياف، والتي توظف كل الوسائل المتاحة لها، بل وتبتكر أخرى جديدة يوما بعد يوم، لاستمالة الرأي العام الأمريكي. لكن هذا الانفتاح والحرية اللذين يطبعان الساحة الإعلامية والسياسية الأمريكية يجعل المواطن الأمريكي عرضة للتأثيرات التي تمارسها جماعات الضغط المختلفة لتوجيه مسار السياسات والثقافة والرأي في البلاد، وهنا يبرز النفوذ الكبير للوبي الصهيوني المسمى AIPAC الذي يعتبر الأقوى في البلاد، وله اليد الطولى في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية لصالح الكيان الصهيوني، بل وفي الانتخابات الامريكية نفسها، على مستوى الولايات أو الكونغرس، مما يجعل القوة العظمى في العالم عرضة لتوجيه سياساتها في المنطقة العربية حسب أهواء ومصالح تل أبيب، وهنا تبرز أهمية العمل الإعلامي الهادف والرصين للدفاع عن القضايا العادلة للبلدان العربية والإسلامية داخل الساحة الأمريكية، وضرورة دعم المؤثرين والفاعلين التي تشق طريقها في منصات التواصل الاجتماعي لإيصال صوت شعوب المنطقة بشكل أفضل إلى الأمريكي الذي قضى عقودا من الزمن تحت تأثير البروباغاندا الصهيونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *