المؤسسات الدستورية بين الصمت والمساءلة: المغرب في اختبار دولة القانون :
بينما يزداد صدى حركة GZ 212 في الشارع المغربي، ترتفع الأصوات المطالبة بالمساءلة والشفافية والإصلاح الحقيقي.
الصحة، التعليم، التشغيل، والعدالة الاجتماعية هي العناوين الكبرى لهذه المطالب، لكن خلفها يتجلى سؤال أعمق:
هل ما تزال مؤسسات الرقابة والمحاسبة في المغرب قادرة على القيام بدورها الدستوري، أم أنها استسلمت للصمت؟
غضب يتجاوز السياسة :
انبثقت حركة GZ 212 من رحم الإحباط الشعبي الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة.
شباب، أساتذة، موظفون، وطبقات متوسطة ومتضررة من غلاء المعيشة، كلهم يرفعون نفس الشعارات: الكرامة والحق في الخدمات الأساسية.
تقول سلمى، أستاذة من فاس:
«نحن لا نطلب المستحيل، فقط أن تُحترم حقوقنا الأساسية في التعليم والصحة والعمل الكريم.»
منذ تولي حكومة عزيز أخنوش مسؤولية التسيير، يتحدث الشارع عن فشل واضح في الاستجابة لانتظارات المواطنين، وسط انتقادات حادة لضعف التواصل الحكومي وغياب حلول ملموسة.
لكن خلف هذا السخط السياسي، تتجه الأنظار اليوم نحو المؤسسات الرقابية التي يفترض أن تكون صمام الأمان أمام الانحراف وسوء التدبير.
مؤسسات تمتلك الصلاحيات... لكنها تفتقد الجرأة :
يمتلك المغرب ترسانة مؤسساتية متقدمة من حيث النصوص:
المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مجلس المنافسة، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة.
كلها مؤسسات خُصص لها الدستور دور أساسي في تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك.
تقارير المجلس الأعلى للحسابات، رغم ما تتضمنه من معطيات دقيقة حول سوء التدبير المالي والإداري، نادراً ما تُتبع بإجراءات عملية.
أما الهيئة الوطنية للنزاهة، فرغم امتلاكها حق التبليغ والتدخل التلقائي (auto-saisine)، ما زال حضورها خافتاً أمام قضايا تضارب المصالح والصفقات العمومية المشبوهة.
في المقابل، يظل دور القضاء محدوداً في تتبع هذه الملفات الحساسة، رغم ما يُعلن من استقلالية مؤسساتية.
يقول أحد القضاة السابقين:
«ما ينقصنا ليس القانون، بل الإرادة في تطبيقه. النصوص موجودة، لكن الجرأة غائبة.»
نداء ملكي لم يجد صداه :
لم يكن الملك محمد السادس بعيداً عن هذا التشخيص.
ففي خطاب 29 يوليوز 2023، قال بوضوح:
«إن فعالية العمل العمومي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، فكل من يتحمل مسؤولية، عليه أن يكون في مستوى الثقة وأن يجيب عن أعماله أمام الأمة.»
لكن رغم هذا التوجيه الملكي الواضح، ما تزال الهوة واسعة بين الخطاب والممارسة.
فالإصلاح الحقيقي لن يتحقق ما لم تُفعَّل آليات الرقابة، ويُحاسب المسؤولون عن التقصير والفساد، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
الشفافية كآخر خطوط الدفاع :
حركة GZ 212 ليست مجرد احتجاج عابر، بل هي إنذار مجتمعي واضح.
إنها تعبّر عن حاجة ملحّة إلى استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وإلى إحياء دور المؤسسات التي خُلقت لحماية الصالح العام.
ولتحقيق ذلك، بات ضرورياً:
تفعيل المتابعة في الملفات التي كشفتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات؛
ممارسة الهيئة الوطنية للنزاهة لصلاحياتها في التتبع والمساءلة؛
مراقبة الصفقات العمومية والتعيينات في المناصب الحساسة؛
ضمان استقلال القضاء وشفافية عمل النيابة العامة في القضايا ذات الطابع المالي والسياسي.
الشفافية لم تعد ترفاً مؤسساتياً، بل شرطاً لبقاء الثقة في الدولة ومؤسساتها.
المغرب أمام مفترق طرق :
المغرب لا يفتقر إلى القوانين ولا إلى الأجهزة، بل إلى الإرادة في تفعيلها.
حركة GZ 212 أعادت إلى السطح سؤال المساءلة:
من يحاسب من؟ وكيف يمكن أن نؤسس لمستقبل سياسي واقتصادي يقوم على الكفاءة والنزاهة؟
يقول ناشط من الرباط:
«عندما تسكت المؤسسات، يتكلم الشارع. وحين تغيب المحاسبة، تفقد الدولة شرعيتها المعنوية.»
المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة مؤسساتية قبل أي إصلاح سياسي.
إما أن تختار الدولة طريق الشفافية والمحاسبة،
أو تترك الفراغ يتسع بين الشعب ومؤسساته، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار والثقة.
خاتمة :
المسؤولية اليوم ليست على الشارع وحده، بل على المؤسسات التي أقسمت على حماية المال العام والعدالة.
فإن لم تتحرك هذه المؤسسات لتطبيق الدستور ومبادئ دولة القانون، ستفقد تدريجياً مصداقيتها ودورها التاريخي.
لقد آن الأوان لتتحول الشعارات إلى قرارات، والقرارات إلى أفعال،
حتى يبقى المغرب وفياً لجوهر الإصلاح الذي نادى به دستوره وملكه وشعبه.
تعليقات الزوار
المؤسسات الدستورية بين الصمت والمساءلة: المغرب في اختبار دولة القانون : بينما يزداد صدى حركة GZ 212 في الشارع المغربي، ترتفع الأصوات المطالبة بالمساءلة والشفافية والإصلاح الحقيقي. الصحة، التعليم، التشغيل، والعدالة الاجتماعية هي العناوين الكبرى لهذه المطالب، لكن خلفها يتجلى سؤال أعمق: هل ما تزال مؤسسات الرقابة والمحاسبة في المغرب قادرة على القيام بدورها الدستوري، أم أنها استسلمت للصمت؟ غضب يتجاوز السياسة : انبثقت حركة GZ 212 من رحم الإحباط الشعبي الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة. شباب، أساتذة، موظفون، وطبقات متوسطة ومتضررة من غلاء المعيشة، كلهم يرفعون نفس الشعارات: الكرامة والحق في الخدمات الأساسية. تقول سلمى، أستاذة من فاس: «نحن لا نطلب المستحيل، فقط أن تُحترم حقوقنا الأساسية في التعليم والصحة والعمل الكريم.» منذ تولي حكومة عزيز أخنوش مسؤولية التسيير، يتحدث الشارع عن فشل واضح في الاستجابة لانتظارات المواطنين، وسط انتقادات حادة لضعف التواصل الحكومي وغياب حلول ملموسة. لكن خلف هذا السخط السياسي، تتجه الأنظار اليوم نحو المؤسسات الرقابية التي يفترض أن تكون صمام الأمان أمام الانحراف وسوء التدبير. مؤسسات تمتلك الصلاحيات... لكنها تفتقد الجرأة : يمتلك المغرب ترسانة مؤسساتية متقدمة من حيث النصوص: المجلس الأعلى للحسابات، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، مجلس المنافسة، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة. كلها مؤسسات خُصص لها الدستور دور أساسي في تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة. إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك. تقارير المجلس الأعلى للحسابات، رغم ما تتضمنه من معطيات دقيقة حول سوء التدبير المالي والإداري، نادراً ما تُتبع بإجراءات عملية. أما الهيئة الوطنية للنزاهة، فرغم امتلاكها حق التبليغ والتدخل التلقائي (auto-saisine)، ما زال حضورها خافتاً أمام قضايا تضارب المصالح والصفقات العمومية المشبوهة. في المقابل، يظل دور القضاء محدوداً في تتبع هذه الملفات الحساسة، رغم ما يُعلن من استقلالية مؤسساتية. يقول أحد القضاة السابقين: «ما ينقصنا ليس القانون، بل الإرادة في تطبيقه. النصوص موجودة، لكن الجرأة غائبة.» نداء ملكي لم يجد صداه : لم يكن الملك محمد السادس بعيداً عن هذا التشخيص. ففي خطاب 29 يوليوز 2023، قال بوضوح: «إن فعالية العمل العمومي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، فكل من يتحمل مسؤولية، عليه أن يكون في مستوى الثقة وأن يجيب عن أعماله أمام الأمة.» لكن رغم هذا التوجيه الملكي الواضح، ما تزال الهوة واسعة بين الخطاب والممارسة. فالإصلاح الحقيقي لن يتحقق ما لم تُفعَّل آليات الرقابة، ويُحاسب المسؤولون عن التقصير والفساد، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم. الشفافية كآخر خطوط الدفاع : حركة GZ 212 ليست مجرد احتجاج عابر، بل هي إنذار مجتمعي واضح. إنها تعبّر عن حاجة ملحّة إلى استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وإلى إحياء دور المؤسسات التي خُلقت لحماية الصالح العام. ولتحقيق ذلك، بات ضرورياً: تفعيل المتابعة في الملفات التي كشفتها تقارير المجلس الأعلى للحسابات؛ ممارسة الهيئة الوطنية للنزاهة لصلاحياتها في التتبع والمساءلة؛ مراقبة الصفقات العمومية والتعيينات في المناصب الحساسة؛ ضمان استقلال القضاء وشفافية عمل النيابة العامة في القضايا ذات الطابع المالي والسياسي. الشفافية لم تعد ترفاً مؤسساتياً، بل شرطاً لبقاء الثقة في الدولة ومؤسساتها. المغرب أمام مفترق طرق : المغرب لا يفتقر إلى القوانين ولا إلى الأجهزة، بل إلى الإرادة في تفعيلها. حركة GZ 212 أعادت إلى السطح سؤال المساءلة: من يحاسب من؟ وكيف يمكن أن نؤسس لمستقبل سياسي واقتصادي يقوم على الكفاءة والنزاهة؟ يقول ناشط من الرباط: «عندما تسكت المؤسسات، يتكلم الشارع. وحين تغيب المحاسبة، تفقد الدولة شرعيتها المعنوية.» المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة مؤسساتية قبل أي إصلاح سياسي. إما أن تختار الدولة طريق الشفافية والمحاسبة، أو تترك الفراغ يتسع بين الشعب ومؤسساته، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار والثقة. خاتمة : المسؤولية اليوم ليست على الشارع وحده، بل على المؤسسات التي أقسمت على حماية المال العام والعدالة. فإن لم تتحرك هذه المؤسسات لتطبيق الدستور ومبادئ دولة القانون، ستفقد تدريجياً مصداقيتها ودورها التاريخي. لقد آن الأوان لتتحول الشعارات إلى قرارات، والقرارات إلى أفعال، حتى يبقى المغرب وفياً لجوهر الإصلاح الذي نادى به دستوره وملكه وشعبه.