وجهة نظر

المسيرة الخضراء بين السيرورة التنموية والحركية الدبلوماسية

تعتبر المسيرة الخضراء من بين المسيرات القلائل التي نجحت في تحقيق أهداف سياسية وانتصارات دبلوماسية، لأنها كانت في جوهرها سيرورة سياسية ودبلوماسية وتنموية لم تتوقف لأكثر من نصف قرن وفق رؤية ملكية استراتيجية متواصلة.

المسيرة الخضراء كسيرورة سياسية

نجحت المسيرة الخضراء التي تزعمها الملك الحسن الثاني في استرجاع الأقاليم الصحراوية التي كانت تحت السيطرة الإسبانية منذ بداية العشرية الثانية من القرن الماضي، والتي رفض الجنرال فرانكو التنازل عنها حتى بعد استقلال المملكة. وحتى بعدما سلم إقليمي طرفاية وسيدي إفني، زاد تشبثه بمنطقة الساقية الحمراء، خاصة بعد اكتشاف الفوسفاط، حيث حاول التشجيع على استقلال هذه الأقاليم لمواصلة تكريس تواجده الاستعماري هناك.

لكن الملك الحسن الثاني استغل احتضار الجنرال فرانكو وأعلن عن انطلاق المسيرة الخضراء للضغط على النظام الإسباني الذي كان يعيش فترة انتقالية من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي يريد التخلص من إرثه الاستعماري على غرار النظام السياسي بالبرتغال. حيث أمر الملك، بعد قرار المحكمة الدولية بلاهاي الذي نص على روابط البيعة التي تجمع تاريخيا هذه الأقاليم الجنوبية بالمملكة، باقتحام الحدود الوهمية ورفع راية المغرب على مؤسساتها بعد التوصل إلى اتفاق مدريد مع إسبانيا بشأن استرجاع هذه الأراضي المستعمرة، الذي نص على اقتسامها مع موريتانيا قبل أن يستردها سنة 1979 بعد تخلي السلطات الموريتانية إثر الانقلاب العسكري على نظام الرئيس ولد داداه ومحاولة قوات جبهة البوليساريو احتلالها.

بعد خمسين سنة من الصراع مع كل من ليبيا القذافي، التي استغلت القضية لمحاولة إضعاف النظام الملكي ومحاولة الإطاحة به قبل أن يتم تحييدها من هذا الصراع من خلال اتفاق وجدة، ومع النظام الجزائري الذي وظف هذه القضية لوضع شوكة في خاصرة المغرب وقطعه عن عمقه الإفريقي في إطار تنافس إقليمي بين الدولتين، سعى فيه النظام الجزائري إلى تكريس هيمنته الإقليمية، نجح المغرب بعد خمسة عقود من إعلان المسيرة وإطلاقها في ضمان تكريس بسط سيادته على أقاليمه الجنوبية ودمجها ضمن النسيج الوطني، حيث يسعى حاليا إلى الطي النهائي لهذا الملف من خلال تجسيد مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد لهذا النزاع، كما أكدت على ذلك إدارة ترامب ودبجتها كدولة صاحبة القلم ضمن مسودة القرار التي أعلن عنها مجلس الأمن في نهاية أكتوبر 2025.

المسيرة الخضراء كحركية تنموية

لجأ المغرب في تدعيم موقفه الدبلوماسي بشأن قضية الصحراء إلى جعل هذه القضية أولوية وطنية حظيت بإجماع كل القوى السياسية والشعبية، ومن ثم نهج سياسة تنموية في مختلف الأقاليم الصحراوية من خلال الإعلان، بعد نجاح المسيرة الخضراء، عن الاكتتاب الشعبي في ما سمي بقرض الصحراء الذي خصص لتدشين مشاريع إدارية واقتصادية، مع نهج سياسة اجتماعية تقوم على تدعيم المواد الأساسية وإنعاش الشغل، ليتم بعد ذلك الدخول في حرب دفاعية لحماية ساكنة هذه الأقاليم من هجمات البوليساريو من خلال بناء جدران على طول الحدود مع الجزائر التي تحتضن وتدعم هذه الميليشيات وتدافع عن “جمهورية المخيمات” بالمحافل الدولية والإقليمية، بل سعت إلى فرض عضويتها بمنظمة الوحدة الإفريقية رغم انتفاء شروط العضوية، مما اضطر الملك الحسن الثاني إلى الانسحاب من هذه المنظمة والدعوة إلى استفتاء ثبت استحالة تطبيقه بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار سنة 1991.

لكن بتولي الملك محمد السادس تم الإعلان عن مبادرة الحكم الذاتي التي لقيت قبولا من طرف الدول الوازنة عالميا، التي رأت فيه آلية لتحقيق مبدأ تقرير المصير دون أن يؤثر ذلك على الوحدة السياسية للمملكة أو يزعزع الاستقرار بالمنطقة التي تعاني دولها من الهشاشة الأمنية وتداعيات التقسيم الاستعماري الذي اصطنع في الكثير من الأحيان حدودا لا تتوافق مع حقيقة الوضع الإثني والقبلي للعديد من الدول الإفريقية.

ولعل مما زاد من تدعيم المبادرة الملكية حول الحكم الذاتي هو الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء الذي أعلنت عنه إدارة ترامب من خلال اتفاقية أبراهام، حيث تم تجديد هذا الاعتراف مع ولاية الرئيس ترامب الثانية، مما أدى بالملك إلى الضغط على شركائه الأوروبيين للخروج من المنطقة الرمادية والإعلان الصريح عن موقفهم من مغربية الصحراء، حيث تبنت دول أوروبية، بعد فترة من التوتر، موقفا إيجابيا من مبادرة الحكم الذاتي كإسبانيا وألمانيا ودول أخرى من الاتحاد الأوروبي، لتعلن فرنسا اعترافها بمغربية الصحراء وتقتفي بريطانيا نفس النهج.

في حين عمدت العديد من الدول الإفريقية والعربية والآسيوية إلى فتح قنصلياتها في كل من العيون والداخلة، مما أضفى شرعية قانونية ودبلوماسية على بسط المغرب لسيادته على المنطقة. بينما شكل الإعلان الملكي عن المبادرة الأطلسية نقلة بالقضية من قضية وطنية إلى قضية دولية وإقليمية، حولت الصحراء إلى منصة اقتصادية وتجارية منفتحة على دول المنطقة، بما فيها دول الساحل الحبيسة. في حين شكل مشروع أنبوب الغاز مشروعا طاقيا واقتصاديا سيربط دول القارة الإفريقية مع دول الاتحاد الأوروبي، مما سيشكل قطبا تنمويا ستنعكس إيجابياته على أكثر من 11 دولة إفريقية أطلسية، وآلية لتدعيم التنمية في هذه المناطق التي تعاني من خصاص أمني بانتشار حركات انفصالية وإرهابية، وخصاص اقتصادي واجتماعي عادة ما يساهم في تسارع موجات الهجرة وما يستتبعها من نشاط عصابات التهريب والاتجار في البشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *