حركة صحراويون من أجل السلام: مشروع واقعي يكسر الاحتكار ويواجه حملات التشويه بثبات ومسؤولية
تُعد حركة صحراويون من أجل السلام إطارًا سياسيًا صحراويًا حديث النشأة، جاء استجابةً لحاجة ملحّة إلى تجديد الفعل السياسي الصحراوي على أسس واقعية وتعددية، بعيدًا عن منطق الاحتكار والإقصاء. ومنذ انطلاقتها، اشتغلت الحركة على ترسيخ شرعيتها التنظيمية عبر عقد مؤتمراتها التأسيسية والتنظيمية، التي أفرزت قيادة سياسية جماعية واضحة المعالم، يتقدمها السكرتير الأول السيد الحاج أحمد باريكلى. وتحمل الحركة مشروعًا سياسيًا يقوم على مبادئ السلم، واحترام التعدد داخل المجتمع الصحراوي، والدفاع عن حقوق الإنسان، والسعي إلى حل سياسي متوافق عليه ينهي حالة الجمود ويصون كرامة الصحراويين بعد عقود طويلة من المعاناة.
وعلى المستوى الدبلوماسي، تبنت الحركة نهجًا منفتحًا وفاعلًا، تُرجم بحضورها في المنتديات الدولية، ومشاركتها في اجتماعات الأمم المتحدة، وانخراطها داخل فضاءات سياسية دولية وازنة مثل الأممية الاشتراكية، بما في ذلك اللقاءات التي احتضنتها مالطا. وقد عزز هذا الحضور موقع الحركة كفاعل سياسي صحراوي مسؤول، يُراكم المصداقية ويحظى بالإنصات داخل دوائر القرار الدولي، ويكرس فكرة التعدد في التمثيلية الصحراوية.
غير أن هذه المجهودات، وما راكمته الحركة من حضور ونجاحات، جعلت أطرافًا متعددة تدخل في حالة استنفار وتباشر حملات منظمة لتشويهها. ففي مقدمة من لهم مصلحة في ذلك، تقف قيادات جبهة البوليساريو و المرتبطين بها، الذين رأوا في بروز الحركة تهديدًا مباشرًا لمواقعهم ونفوذهم، وضربة لخطاب “الممثل الشرعي والوحيد” ، الذي طالما استُعمل لتبرير الإقصاء واحتكار القرار.
فمجرد حضور حركة صحراويون من أجل السلام في نفس المحافل الدولية جنبًا إلى جنب مع ممثلي قيادة البوليساريو، أسقط وهم الاحتكار، وكشف أن التعدد داخل المجتمع الصحراوي حقيقة راسخة لا يمكن إنكارها، وأن هناك أصواتًا أخرى تعبّر عن تطلعات مختلفة، أقل أيديولوجية وأكثر التصاقًا بمعاناة الصحراويين اليومية، سواء في مخيمات تندوف أو في الشتات.
إلى جانب ذلك، تلعب أجهزة الجزائر المخابراتية دورًا محوريًا في محاولات التشويه، لأن مشروع الحركة وخطابها القائم على “لا غالب ولا مغلوب” يقوّض سردية استُثمرت فيها أموال وجهود سياسية وإعلامية لعقود. فالدعوة إلى حل واقعي ومتوافق عليه تُضعف منطق الصراع دون نتيجة، وتهدد استدامة الوضع القائم الذي خدم مصالح إقليمية معروفة، خصوصًا في ظل تزايد الدعوات الدولية لإنهاء المأساة الإنسانية في مخيمات تندوف.
وفي إسبانيا، تتقاطع هذه الحملات مع مصالح بعض الجيوب السياسية والإعلامية التي اعتاشت طويلًا على “الاتجار بالقضية”. فوجود المقر الرئيسي للحركة في مدريد، وحركيتها داخل الفضاء السياسي الإسباني، جعلاها هدفًا لهجمات تسعى إما إلى كسب ودّ تيارات يسارية بعينها، أو إلى الحفاظ على قنوات تمويل باتت مهددة بالجفاف إذا ما انتصر منطق الحل الواقعي وانتهت مرحلة الابتزاز السياسي.
ويزداد انزعاج خصوم الحركة حين يتعلق الأمر بشخص سكرتيرها الأول، السيد الحاج أحمد باريكلى، لما يتمتع به من وضوح في الخطاب، وقدرة على بناء جسور تواصل داخل إسبانيا وخارجها، بما في ذلك علاقات مع دوائر قريبة من السلطات الاسبانية، هذا الحضور السياسي والدبلوماسي يمنح الحركة مصداقية إضافية، ويُخرجها من الصورة النمطية التي حاول خصومها حصرها فيها كـ”ظاهرة هامشية”.
كما لا يمكن فصل تصاعد حملات التشويه عن السياق الدولي العام، حيث تزامنت مع ضغوط أمريكية عقب المهلة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب لدفع الجزائر نحو التفاوض وإيجاد حل عملي ومتوافق عليه. فكلما اقترب أفق الحل، ازداد ارتباك المستفيدين من الجمود، وتسارعت عودتهم إلى أساليب قديمة تقوم على التخوين، والتشهير، وصناعة الزوابع الإعلامية لإرباك الرأي العام.
وفي المحصلة، فإن استهداف حركة صحراويون من أجل السلام يعكس خوفًا حقيقيًا من تجربة نضالية جديدة تحمل أفكارًا واقعية، وتضع مصلحة الصحراويين فوق الحسابات الضيقة. وهي تجربة تنسجم مع التوجه الدولي الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما أكدته خطابات جلالة الملك محمد السادس، وتسعى إلى طي صفحة معاناة دامت أكثر من خمسين سنة، وفتح أفق العودة الكريمة للصحراويين إلى وطنهم، بعد انتظار طال أكثر مما يحتمل.
غير أن ما يجب أن يفهمه الجميع هو أن الحركة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافها، ولن يثنيها عن ذلك أي تشويش أو محاولات تشويه. فهي ماضية في تنفيذ برنامجها، مدفوعة بإصرار قادتها وأعضائها المنتشرين في مختلف الدول، وخصوصًا في إسبانيا وموريتانيا ومخيمات تندوف والمملكة المغربية، محافظين على التزامهم بمبادئ الحركة ورؤيتها السلمية والواقعية.
اترك تعليقاً