لماذا يعد الانغلاق انتحارا استراتيجيا وهدية مجانية لخصوم الوحدة الترابية؟
لم تكن صافرة نهاية كأس أمم إفريقيا بالمغرب مجرد إعلان عن بطل جديد، بل كانت شرارة لانطلاق معركة موازية في الفضاء الرقمي، حيث اختلطت مشاعر الخيبة الرياضية بدعوات مسمومة للانكفاء على الذات. لقد تحولت التصرفات غير الرياضية لبعثة المنتخب السنغالي، من محاولات انسحاب وتشنج في الممرات، إلى ذريعة استغلها “وزراء الكراهية” لمحاكمة قارة بأكملها والتشكيك في جدوى الانتماء للعمق الإفريقي.
هذا الضجيج، وإن بدا في ظاهره دفاعاً عن كرامة وطنية جرحها سوء سلوك الخصم، إلا أنه في جوهره يحمل بذور تهديد حقيقي للنموذج المغربي الذي تأسس على الانفتاح والريادة القارية، وهو ما يستدعي تفكيك هذه الدعوات بعيداً عن عواطف “المستطيل الأخضر” المتقلبة.
فخ الانكفاء.. طروادة لضرب السيادة الوطنية؟
إن أخطر ما يواجه الدول في لحظات الأزمات العاطفية هو السقوط في “فخ الانغلاق”، فالدعوات التي تطالب بمقاطعة الأفارقة أو التضييق عليهم داخل المملكة هي في الواقع “خدمة استراتيجية” تُقدم على طبق من ذهب لأعداء الوحدة الترابية.
هذا المغرب العريق، الذي استطاع خلال العقد الأخير سحب البساط من تحت أقدام الانفصاليين في القارة السمراء بفضل سياسة اليد الممدودة والقوة الناعمة، يجد نفسه اليوم أمام محاولات اختراق داخلي تريد تدمير هذا الرصيد الدبلوماسي. إن أي انزلاق نحو العنصرية أو الخطاب الإقصائي سيتم توظيفه فوراً في أروقة الاتحاد الإفريقي والمنظمات الدولية لتشويه صورة المغرب، وتقديمه ككيان منعزل لا يؤمن بالمصير المشترك، مما قد يؤدي إلى تآكل الدعم الإفريقي الواسع لمغربية الصحراء، وهو دعم لم يتحقق إلا بفضل التلاحم الإنساني والمؤسساتي مع شعوب القارة.
استراتيجية الدولة مقابل تشنج المنصات..
لقد أثبت المغرب من خلال استضافة هذه البطولة أنه بات يمتلك بنية تحتية وقدرة تنظيمية تضاهي القوى العالمية، وهو مكسب يتجاوز بكثير نتيجة مباراة نهائية أو لقبا ضائعا. إن الطموح الدولي للمملكة، المتمثل في تنظيم مونديال 2030، يفرض عليها أن تظل “منارة” للتعايش والأمان، لا أن تنساق وراء ردود أفعال لحظية قد تهدم ما بناه العقل الاستراتيجي للدولة لسنوات. فالاستفادة من هذا الدرس تكمن في القدرة على الفصل الصارم بين “النوازل الرياضية” التي تعالجها القوانين والاتحادات، وبين “الخيارات الكبرى” للمملكة التي تعتبر إفريقيا عمقاً حيوياً لا رجعة فيه.
إن النجاح في تنظيم هذا العرس الكروي، رغم غصة الخسارة، هو شهادة ميلاد للمغرب كوجهة عالمية موثوقة، وأي تراجع نحو الخطاب الانغلاقي سيفرغ هذا الإنجاز من محتواه القيمي أمام المجتمع الدولي.
تحصين الوعي الجماعي من سموم “وزراء الكراهية” وأدوات التفرقة
في خضم هذه الموجة، يبرز دور النخبة والمثقف والمواطن الواعي في كبح جماح الخطابات التي تقتات على الغضب، حيث يجب إدراك أن “الفساد الرياضي” أو “سوء السلوك” ليس له عرق أو جنسية، بل هو ظاهرة عارضة تُجابه بالروح الرياضية والصرامة القانونية.
إن محاولات بعض الأطراف استغلال هذه الأحداث لضرب “الوحدة التربية” والقيمية للمغاربة، تهدف أساساً إلى عزل المملكة عن محيطها الطبيعي وجعلها لقمة سائغة للمناورات الجيوسياسية. لذا، فإن الرد الحاسم لا يكون بالانغلاق، بل بتعزيز الانفتاح الواعي الذي يفرق بين الدفاع عن الحقوق الرياضية وبين السقوط في مستنقع العنصرية.
إن قوة المغرب التاريخية استمدت دائماً من قدرته على استيعاب الآخرين وقيادتهم، وليس في الخوف منهم أو الانكفاء خلف أسوار التوجس، لأن التاريخ يؤكد أن الأمم الكبرى لا تبني أمجادها بردود أفعال الصغار.
اترك تعليقاً