وجهة نظر

وسائل التواصل الاجتماعي: من ساحة الحوار إلى سوق الملهيات

لم تعد بعضُ وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات للتواصل وتبادل الأفكار، ومناقشة قضايا الساعة بقدر ما تحوّلت إلى ما يشبه ساحة سوق شعبي مفتوح مثل ساحة جامع لفنا بمراكش أو بوجلود بفاس أو سيدي عبد الوهاب بوجدة، تختلط فيه الأصوات، وتتداخل الصور، وتتزاحم العروض، ويضيع فيه المعنى وسط الضجيج.

في هذا السوق الرقمي، يطل علينا الطبيب، من وراء نظارتين زجاجيتين، مدعيا علاج كلّ الأمراض، والمنجّمُ أو العراف الذي يقرأ الكفوف والأبراج، والمهرج الذي ينتزع، قسرا، الضحكات من الصدور، والبهلواني الذي يقفز على الحبال، ويفتعل حركات غريبة للفت الأنظار، والواعظ، بلحيته الكثة التي تكاد تلامس سرته موزعا النصائح وكأنّه يمتلك في قبعة ساحر مفاتيح كلّ الأزمات، والمحلل الخبير في كلّ شي الذي له رأي في السياسة، وفي الرياضة، وفي التحولات المناخية، وفي التغذية، وفي التعليم، وفي عالم الحيوانات.

كل يعرض بضاعته، وكل يطلب انتباهك، مستجديا منك إشارة إعجاب أو تعليقا. كل ذلك يُحتسب له مالا يدخل رصيده في البنك، ولكن على حساب العقل والذوق والوعي.

وبين هؤلاء وأولئك، تنبثق من الشاشة، شاشة حاسوب أو هاتف نقال، صور منتقاة لنسوة من مختلف الأعمار، في وضعيات مدروسة، يتفنن في عرض أجسادهن، وكأنّنا في سوق نخاسة رقمي مغلف بالأضواء والفلاتر والألوان، حيث يتحول الجسد، بكل حميميته، إلى مجرد سلعة، تباع وتشترى في سوق المتع الرخيصة. وتصبح المشاهدة العابرة عادة، ويغدو الاعتياد إدمانا.

إن الفرق بين السوق الشعبي والسوق الرقمي فرق جوهري. في السوق الشعبي، أنت من يختار الذهاب، وقد تتقاعس عن زيارته إذا كان الجو ممطرا، وأنت من يقرّر متى تدخل، ومتى تغادر. وحتى إن وجدت نفسك هناك، فلن يكون لك لا الوقت ولا الإمكانيات لمتابعة جميع العروض، فضلا عن خشيتك من نظرة عابر أو متلصص، وأنت تتسلّل، بخفة صبي يافع، بين الجموع لمشاهدة منجّم أو طبيب شعبي.

أمّا في سوق وسائل التواصل الاجتماعي، فكل شروط السرية متوفرة، يكفي الانزواء في ركن قصي، ويكفي الضغط على زر واحد لتنهال عليك العروض من كل اتجاه، هذا يجرك إلى ذاك فيما يشبه دوامة حقيقية، لا تشعر إلا وقد مضت الساعات الطوال، وأنت محلّق، مسلوب الإرادة، في عوالم لا تمنحك بقدر ما تَسلبك. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: فإذا عجز الإنسان عن مقاومة الفراغ القاتل، أو الوحدة التي لا ترحم، أو الفضول الفطري تحول شيئا فشيئا إلى عبد لهذه الملهيات، وأسير لهذه الخزعبلات، يستهلك وقته الثمين ووعيه دون أن يشعر، ولا تلبث أن تنعكس هذه العادة سلبًا على مسار حياته، وعلاقاته، وقدرته على التفكير النقدي. وتصغر المرأة في عين زوجها، ويصغر الرجل في عين زوجه، وينتقص الشاب من نفسه، وتستصغر الشابة نفسها، ويضيع الأطفال بين أرجل هؤلاء وأولئك.

إنّ الإشكال ليس في هذه الوسائط ذاتها، بل في تحولها من أدوات للتواصل الإنساني والمعرفة البناءة إلى فضاءات للاستهلاك اللامحدود، حيث يُقاس الحضور بعدد المشاهدات واللايكات، وتُختزل القيمة في الإثارة، ويُقصى العقل لفائدة الخوارزميات. ويبقى هذا الموضوع مشرعا على أسئلة شائكة: هل نملك حقا الشجاعة لنغادر هذا السوق من تلقاء أنفسنا حين نشعر أنّه يستهلكنا أكثر ممّا يخدمنا؟ أم أننا سنظل نضغط على الزرّ ذاته، مرّة بعد أخرى، إلى ما لا نهاية؟

* د. سعيد كفايتي، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • احمد دوكلز
    منذ 8 أشهر

    جميل جدا