ملف

“إمبراطورية الحظ”.. هكذا تضخ “ماكينة MDJS” المليارات في شرايين الرياضة المغربية

MDJS

من قلب مدينة الدار البيضاء، ومن خلف شاشات الحواسيب العملاقة والخوارزميات المعقدة، تُدار واحدة من أكثر العمليات المالية حيوية وحساسية في المغرب. إنها “المغربية للألعاب والرياضة” (MDJS)، المؤسسة التي تحولت من مجرد هيئة لتنظيم الرهانات إلى “الرئة المالية” التي تتنفس بها الرياضة الوطنية.

وبين شغف المغاربة بكرة القدم وهوس التوقعات، تتدفق المليارات سنويا لتصب في خانة “تنمية الرياضة”. لكن هذا التدفق المالي الضخم لا يخلو من جدل، ولا يسلم من ملاحظات رقابية صارمة وتحديات اجتماعية عميقة.

هذا التقرير يغوص في عمق هذه المؤسسة، مستعرضا تاريخها، نموذجها الاقتصادي، الطفرة الرقمية، وصولا إلى الوجه الآخر للعملة: الاختلالات المرصودة والمخاطر المحدقة.

من “الورقة والقلم” إلى العصر الرقمي

لفهم واقع الـ MDJS اليوم، يجب العودة إلى البدايات. تأسست الشركة سنة 1962 كشركة مجهولة الاسم (S.A) تملك الدولة رأسمالها بالكامل، وذلك بهدف تنظيم قطاع الرهان الذي كان منتشرا بشكل عشوائي.

الفلسفة الأساسية التي بنيت عليها الشركة هي “احتكار الدولة للرهان الرياضي”، ليس بهدف الربح التجاري البحت، بل لغرضين أساسيين؛ حماية النظام العام من خلال تقنين القمار، وتوجيه أرباح هذا القطاع لخدمة المصلحة العامة وتمويل الرياضة.

ظلت الشركة لعقود تعمل بنمط تقليدي يعتمد على الكوبونات الورقية والمعالجة اليدوية، مما جعل مداخيلها محدودة وتأثيرها متواضعا. لكن المنعطف الحقيقي حدث في نهاية العقد الأول من الألفية الثانية، وتحديدا مع تعيين الإدارة الحالية بقيادة يونس المشرفي في عام 2009.

شهدت هذه المرحلة ما يمكن وصفه بـ “الثورة الهادئة”. تم التخلي عن الأنظمة القديمة لصالح نظام معلوماتي مركزي متطور يعمل في الوقت الآني (Real Time)، مما سمح بربط آلاف نقاط البيع بشبكة موحدة.

هذا التحول لم يرفع فقط من رقم المعاملات، بل عزز الشفافية ومكن من تتبع كل درهم يدخل أو يخرج من خزينة الشركة. انتقلت الـ MDJS من مؤسسة كلاسيكية إلى شركة تعتمد التكنولوجيا المالية (FinTech) في قلب عملياتها، ما مهد الطريق لتحقيق أرقام فلكية في السنوات اللاحقة.

يونس المشرفي.. “مهندس الحظ”

في الطابق العلوي لمقر “المغربية للألعاب والرياضة” بالدار البيضاء، لا يدير يونس المشرفي مجرد شركة لليانصيب والرهانات، بل يدير شريانا حيويا يضخ دماء التمويل في جسد الرياضة المغربية.

ومنذ توليه المنصب في نونبر 2009، استطاع الرجل، الذي يجمع بين صرامة المهندس وحنكة المسير، أن يحول مؤسسة عمومية كلاسيكية إلى نموذج اقتصادي رقمي حديث، وأن يضع المغرب على خارطة “دبلوماسية الرياضة” العالمية من خلال محاربة التلاعب بالمباريات.

ولفهم أسلوب إدارة المشرفي، يجب العودة إلى جذوره الأكاديمية. فهو ليس إداريا بيروقراطيا تقليديا، بل هو “تقنوقراطي” بامتياز، حيث تخرج من المدرسة المتعددة التقنيات بليل (Polytech’Lille) في فرنسا، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة (DESS) في هندسة الكمبيوتر المطبقة على التسيير (MIAGE).

هذه الخلفية الهندسية لم تكن مجرد شهادات، بل شكلت عقليته في التعامل مع الأرقام والاحتمالات بلغة الرياضيات لا بلغة التخمين، حيث كان هاجسه الأول عند توليه المسؤولية هو نقل المؤسسة من العصر الورقي إلى العصر الرقمي، وهو ما نجح فيه بامتياز، حيث أصبحت MDJS اليوم تعتمد بنية تحتية تكنولوجية تضاهي نظيراتها الأوروبية.

قبل التحاقه بـ MDJS، راكم المشرفي خبرة في القطاع الخاص وشغل مناصب إدارية في شركات عائلية وصناعية، مما منحه مرونة القطاع الخاص التي طبقها بصرامة داخل القطاع العام.

وعندما تسلم المشرفي القيادة في 2009، كانت “المغربية للألعاب والرياضة” مؤسسة هادئة، غير أنها اليوم، هي المؤسسة المانحة الأولى للصندوق الوطني لتنمية الرياضة (FNDS).

وتحت إدارته، تضاعف رقم معاملات المؤسسة عدة مرات، وذلك بفضل استراتيجيته التي ارتكزت على ثلاث دعائم، أولها تنويع الألعاب وعصرنة نقاط البيع، وثانيهاإطلاق تطبيقات ومنصات للعب عبر الإنترنت لمواكبة الجيل الجديد، في حين تمثل المرتكز الثالث في الحصول على شهادات الجودة الدولية (ISO 27001 لأمن المعلومات) وشهادات “اللعب المسؤول” من الجمعية العالمية لليانصيب (WLA).

ولعل أبرز ما يميز حقبة المشرفي هو خروجه بالمؤسسة من النطاق المحلي إلى الساحة الدولية، حيث أصبح شخصية وازنة في الهيئات العالمية، حيث انتُخب رئيسا للجنة التدقيق، ثم عضوا في اللجنة التنفيذية، ولفترة رئيسا لـ “نظام مراقبة اليانصيب العالمي” (GLMS).

هذا النظام هو “الشرطي العالمي” الذي يراقب تحركات الرهانات المشبوهة لكشف التلاعب بنتائج المباريات (Match-fixing). ووجود مغربي على رأس هذه الهيئة كان اعترافا دوليا بنزاهة الاستراتيجية المغربية.

كما يشغل المشرفي منصب الأمين العام لجمعية اليانصيب الإفريقية (ALA)، حيث يلعب دور “العراب” في نقل الخبرة المغربية إلى الدول الإفريقية الصديقة، معززا بذلك القوة الناعمة للمغرب في القارة، كما يعد عضوا نشطا في اللجنة التنفيذية للجمعية العالمية لليانصيب (WLA)، مما يضع المغرب في طاولة القرار العالمي لهذا القطاع الحساس.

وبدلا من تشجيع الإدمان، ركز المشرفي في استراتيجية المؤسسة على منع القاصرين بصرامة، ومحاربة الرهان غير القانوني (الذي لا يخضع لأي ضوابط ويمول شبكات مشبوهة)، وتسويق فكرة أن MDJS هي أداة لخدمة الرياضة وليست مجرد كازينو مفتوح.

ماكينة ضخ الأموال في الصندوق FNDS

تعتبر الآلية المالية لـ MDJS فريدة من نوعها في المشهد الاقتصادي المغربي. فالشركة لا توزع أرباحا على مساهمين خواص، بل تعمل كـ “جابي ضرائب طوعية” من المراهنين لضخها في ميزانية الدولة.

يعتمد النموذج المالي للمؤسسة على معادلة دقيقة لتوزيع المداخيل (رقم المعاملات) تضمن استدامة اللعبة وتنافسيتها؛ حيث تخصص الشركة الحصة الأكبر والتي تعادل حوالي 66% لفائدة اللاعبين الفائزين، وهي نسبة مرتفعة تهدف أساساً إلى الحفاظ على جاذبية اللعبة ومواجهة إغراءات السوق السوداء.

وإلى جانب ذلك، يتم اقتطاع جزء من المداخيل لتغطية نفقات التسيير والتشغيل، بما يشمل عمولات شبكة نقاط البيع كأصحاب المقاهي والأكشاك، بالإضافة إلى مستحقات الشريك التكنولوجي المسؤول عن صيانة وتطوير البرمجيات والأجهزة.

أما ما يتبقى من هذه المداخيل بعد استخلاص حصص الفائزين وتكاليف الإدارة، فيُشكل “الربح الصافي” الذي لا يؤول إلى جهات خاصة، بل يتم تحويله بالكامل إلى الدولة.

ويصب هذا الفائض المالي مباشرة في “الصندوق الوطني لتنمية الرياضة” (FNDS)، مما يجعل من هذا النموذج أداة تمويلية محورية للمشاريع الرياضية الوطنية، حيث يعاد استثمار الأرباح في تطوير البنية التحتية ودعم الأنشطة الرياضية في مختلف أنحاء البلاد.

وتشير البيانات المالية المتاحة (وفق التقارير السنوية الأخيرة) إلى أن رقم معاملات الشركة تجاوز حاجز 10 مليارات درهم في السنوات الأخيرة. هذا الارتفاع الصاروخي مكن الشركة من ضخ مبالغ تتراوح بين 2 إلى 2.5 مليار درهم سنويا في صندوق تنمية الرياضة.

هذه الأموال هي التي تمول بشكل مباشر بناء ملاعب القرب، وتدعم الجامعات الملكية (بما فيها جامعة كرة القدم)، وتغطي مصاريف مشاركة المنتخبات الوطنية في المحافل الدولية، وتساهم في البنية التحتية الرياضية الكبرى. باختصار، بدون أموال الـ MDJS، ستعاني ميزانية وزارة الرياضة من عجز هيكلي قد يشل الحركة الرياضية في البلاد.

السيادة التكنولوجية بين Sisal وIntralot

لا تدير MDJS الجانب التقني بمفردها، بل تعتمد على نموذج “التفويض” لشركات عالمية متخصصة في تكنولوجيا الرهان. هذا الجانب كان دائما محط اهتمام وتنافس دولي شرس.

لسنوات طويلة، كانت الشركة اليونانية Intralot هي الشريك التكنولوجي والمشغل لألعاب MDJS، حيث وفرت الشركة اليونانية البنية التحتية، الأجهزة الطرفية في المقاهي، والأنظمة البرمجية. ومع انتهاء العقد، طرحت MDJS طلب عروض دولي جديد تميز بمعايير صارمة وتنافسية عالية.

أسفرت هذه العملية عن فوز الشركة الإيطالية العملاقة Sisal بالصفقة الجديدة (ابتداء من يناير 2024)، حيث يعتبر هذا الانتقال محطة مفصلية، إذ تعهدت Sisal بتقديم تكنولوجيا أكثر تطورا، مع التركيز على تعزيز “اللعب المسؤول” وتطوير الرهان عبر الإنترنت.

وعلى الصعيد الدولي، نجحت MDJS في انتزاع اعتراف عالمي، حيث يشغل مديرها العام مناصب قيادية في “الجمعية العالمية لليناصيب” (WLA) و”الجمعية الأوروبية لليناصيب”.

كما انضمت الشركة إلى نظام (GLMS) العالمي لمراقبة نزاهة الرياضة، وهو نظام إنذار مبكر يرصد أنماط الرهان المشبوهة لكشف التلاعب بنتائج المباريات (Match Fixing). هذا الانخراط يمنح المغرب “قوة ناعمة” في المؤسسات الرياضية الدولية ويؤكد التزام المملكة بمحاربة الفساد الرياضي.

تحديات مستقبلية

تقف “المغربية للألعاب والرياضة” اليوم عند مفترق طرق حاسم، حيث تواجه تحديات تتجاوز الجانب المالي لتمس الجوانب الاجتماعية والتكنولوجية. فالمستقبل لم يعد في القسائم الورقية.

فالتحدي الأكبر للشركة هو تحويل قاعدتها الجماهيرية نحو التطبيقات الرقمية بشكل آمن. هذا التحول ضروري لمواجهة المنافسة الدولية الشرسة، ولكنه يتطلب استثمارات ضخمة في الأمن السيبراني (Cybersecurity) لحماية بيانات المستخدمين والأموال.

مع تزايد سهولة الوصول للرهان عبر الهواتف، يرتفع خطر الإدمان، خاصة في صفوف الشباب. تواجه MDJS ضغطا متزايدا من المجتمع المدني والبرلمان لتعزيز إجراءات “الرهان المسؤول”.

ويكمن التحدي في تحقيق التوازن الصعب؛ كيف يمكن للشركة زيادة أرباحها (لتمويل الرياضة) دون أن تتسبب في خلق جيل من المدمنين على القمار؟ تتطلب هذه المعادلة استثمارا أكبر في حملات التوعية وآليات الحظر الذاتي (Self-exclusion) وتدريب الباعة.

ولتجاوز ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات، تسعى الشركة لتنويع محفظتها عبر دخول عالم “الرياضات الإلكترونية” (E-Sport). هذا المجال ينمو بسرعة هائلة ويستقطب الجيل الجديد (Gen Z). الرهان على مباريات FIFA و League of Legends قد يكون منجم الذهب القادم، لكنه يتطلب فهما عميقا لثقافة هذا الجمهور الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تعليقات الزوار

  • ouahid
    منذ 8 أشهر

    لعنة القمار تصيب كرة القدم المغربيه والإقتصاد المغربي