رد الاعتبار “لجغرافيات المغرب” مدخل لتعزيز الانتماء وتحصين الهوية
يستأنس التلميذ المغربي بجغرافية المغرب الاقليمية بشكل مبكر، منذ السنة السادسة بالسلك الابتدائي ويمتد هذا الحضور عبر السنوات الدراسية بمتغيرات الغلاف الزمني وعدد الوحدات الدراسية والمواضيع المعالجة. إذ يلاحظ هيمنة مستوى الثانية إعدادي والأولى باكالوريا على ثيمات جغرافية المغرب الاقليمية. حيث يتعامل المتلقي مع ألفاظ ومفردات جغرافية ذات صلة بالتراب المغربي سواء تسميات طبيعة كالأطلس، والريف، والهضبة الوسطى، زيز، توبقال…أو بشرية كسوس، جبالة، بني مطير، حاحا …أو مجالية كتافيلالت، سايس، الحوز…تكتسي هذه الطبونيميا أهمية قصوى في بناء الهوية فهي جزء محوري في تركيبة الشخصية المغربية لا تقل أهمية عن الدين والتاريخ والتراث والتنوع العرقي والاثني. علاوة على أنها تندرج ضمن العقل الجمعي والذاكرة المشتركة للمغاربة قاطبة. طبونيميا غنية كهاته (سيل من تسميات أولاد…وأيت…و سوق…و رأس …فضلا عن المتشابه من الأسماء الجغرافية) لا تنحصر أهميتها في الاسم الجغرافي والذاكرة فقط بل تمتد إلى تقوية الحس الوطني والانتماء في تراتبيته من المحلي إلى الوطني.
إن المتصفح لمقررات الجغرافيا المدرسية (ما بعد 2003)، بخصوص ثيمة جغرافية المغرب الإقليمية يمكن أن يسجل ثلاث ملاحظات أساسية:
– تشتت وهزالة المحتوى الخاص بجغرافبة المغرب الإقليمية، إذ يلاحظ غياب تام لهذا المكون في عدة مستويات (الرابع والخامس ابتدائي، الأولى والثالثة ثانوي إعدادي، والجدع المشترك والثانية باكالوريا بالثانوي التأهيلي) هذا الغياب يفرز قطيعة زمنية تعيق التراكم المعرفي لدى المتلقي، إلى جانب المحتوى المبعثر يسجل برمجة دروس جغرافية المغرب في مستويات غير اشهادية، وموضعة ملفات جغرافية المغرب الإقليمية في نهاية المجزوءات مما يحيلها أنشطة ثانوية تكميلية.
– تراجع كبير لمحتوى جغرافية المغرب الإقليمية في المقررات الدراسية، حيث إذا ما قارنا هذا المحتوى مع كتب الجغرافيا المدرسية لسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، يظهر بشكل جلي حدة التراجع ففي الوقت الذي كانت فيه الجهوية محدودة لا تعدو أن تكون تقطيعا إداريا بمبادرات اقتصادية و اجتماعية بسيطة ، كان حضور جغرافية المغرب الإقليمية في كتب الجغرافيا وازنا، واليوم بعدما أضحت الجهوية خيارا استراتيجيا وواقعا ملموسا بترسانة قانونية مهمة و بميزانيات ضخمة ،ظلت الجغرافيا المدرسية خارج هذا التحول و غير مواكبة له ،في تناقض غير مقبول، ففي سلك الثانوي الاعدادي ( الثانية إعدادي) يلامس التلميذ الخصائص الطبيعية والبشرية للمجال المغربي علاوة على مميزات القطاعات الاقتصادية، وهي وحدات دراسية أقرب إلى مكون جغرافية المغرب، منها إلى جغرافية المغرب الإقليمية حيث تعالج المجال المغربي في كليته دون الخوض في تفاصيل الجهات. أما في سلك الثانوي التأهيلي (الأولى باكالوريا) يتوسع التلميذ نسبيا في خصائص المجال المغربي طبيعيا وبشريا، مع الانفتاح على التقطيعات الجهوية ومميزاتها والتقطيعات المجالية وفق منظور إعداد التراب الوطني.
– التراجع لم يمس فقط عدد الدروس ومضامينها بل أيضا امتد إلى المفردات (الشاوية، تادلة، ملوية، طريفة، النجود العليا، بلاد الهبط، الوارقزيز، الخطارات، بني موسى، بني عمير، أسامر، تمازيرت، الميس، تيزي، الشياضمة، هضبة الفوسفاط، الجبيلات، اشراكة، الحياينة، بلاد زيان، تافيلالت، قصر السوق، فضالة، غمارة، زعير، تساوت..) مما يفقر الرصيد المعرفي من أعلام الأماكن لدى المتلقي وبالتالي تتلاشى معرفته الطبيعية والبشرية بإقليمه وتحصيلا تضعف مقومات الارتباط به، وتنحسر مبادرات تنميته.
يمكن رد الاعتبار لمكون جغرافية المغرب الإقليمية ضمن الجغرافيا المدرسية -على أمل المراجعة الشاملة للبرامج والمناهج – عبر المقترحات التالية:
– الحرص على برمجة درسين على الأقل في كل مستوى دراسي في جميع الاسلاك، درس أول حول جغرافية المغرب في ارتباط بالموضوع الأساسي لبرنامج المستوى المعني (دراسة طبيعية، بيئية، بشرية، اقتصادية) ، ودرس ثان حول الشأن المحلي يتدرج من الحي والمدينة القرية بالسلك الابتدائي إلى الإقليم بالسلك الاعدادي ثم الجهة بالثانوي التأهيلي مع التركيز على خصوصيات المجال المحلي ومدى تجانسه.
– تضمين كل مستوى دراسي ملفا واحدا يهم الشأن المحلي، حيث يتدرج المبحوث فيه تبعا للمستوى الدراسي والتراكم المعرفي المرتبط بمكون الجغرافية، ويفضل أن يكون الموضوع من اختيار التلاميذ، ففي انجاز الملفات ينفتح المتلقي على سبل جمع المعلومات ويربط ما راكمه نظريا بالجانب العملي وبهذا يمنح قيمة إضافية لمكون الجغرافيا ويزكي لديه مهارات “التربية المجالية”.
– برمجة خرجة ميدانية موجهة في كل سلك دراسي، مما يتيح للمتلقي الارتباط بالمجال ومكوناته الطبيعية والبشرية، ورصد التفاعلات من أوجهها البسيطة إلى الأكثر تعقيدا. فضلا عن تنمية مهارة كتابة التقارير.
– إعداد دلائل مفصلة (ورقية والكترونية) خاصة بجغرافية المغرب الإقليمية، تتضمن معطيات إحصائية وخرائط وصور وجرد لأسماء الأماكن.
هذا تصور أولي قابل للتطوير، منطلقه الأساسي ” لا يمكن أن تحب مجالا دون معرفته” فالارتباط الوجداني بالمجال والرغبة في حمايته وتحصينه تمر لزاما بضرورة معرفته حق المعرفة ومن مختلف الجوانب وعلى كل المستويات. هذا المبتغى وللأسف الشديد لا تخدمه مقررات الجغرافيا المدرسية المعتمدة اليوم، من هذا المنطلق أضحى من الضروري تحريك بركة النقاش حول الدرس الجغرافي المغربي (موضوعا وأهدافا وامتدادات) ليس من باب الترف الفكري وحفر المحفور. بل من بوابة جسامة مسؤولية بناء المواطن والهوية.
اترك تعليقاً