منتدى العمق

نشر معطيات المتابعين غيابيا: فعل إداري على تخوم الدستور

أقدمت وزارة العدل المغربية على نشر معطيات أشخاص متابعين في إطار المسطرة الغيابية عبر منصة رقمية عمومية على بوابة “محاكم”، وذلك تفعيلا لمقتضيات المادة 445 من قانون المسطرة الجنائية 03.23. وعلى الرغم من وضوح السياق الإجرائي الذي صدر في إطاره، فإن النقاش القانوني الذي يثيره ينبغي أن ينطلق من الفعل ذاته، أي نشر معطيات مرتبطة بمتابعة جنائية لأشخاص محددين في فضاء رقمي مفتوح للعموم.

هذا الفعل، من حيث طبيعته، لا يقتصر على كونه مجرد تدبير تقني أو وسيلة للتواصل الإداري، بل يمثل معالجة ونشرا لمعطيات شخصية مرتبطة بوضعية جنائية. وبمجرد وضع هذه المعطيات في فضاء رقمي مفتوح، فإنها تنتقل من نطاق الاستعمال القضائي المحدد إلى المجال العمومي، حيث تصبح متاحة للاطلاع والتداول من قبل جمهور غير محدد.

ومن هذه الزاوية، يضع هذا الفعل نفسه على تماس مباشر مع جملة من الحقوق والمبادئ الدستورية.

وتشكل قرينة البراءة أول هذه المبادئ. فالإفصاح العلني عن هوية أشخاص مقرونة بكونهم موضوع متابعة جنائية في المجال العمومي، في وضعية اقتران رمزي بالفعل الجرمي. وبذلك ينتقل الشخص من وضعية المتابع قضائيا داخل مسطرة لم تستنفد مراحلها إلى وضعية شخص معروض أمام الرأي العام باعتباره مرتبطا بالفعل الجنائي. وفي هذه النقطة بالذات يبرز احتمال تجاوز مضمون قرينة البراءة التي تفترض أن يظل الشخص بريئا في نظر المجتمع إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.

المبدأ الثاني الذي يمسه هذا الفعل يتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. فالمعطيات المتعلقة بالهوية المقترنة بوضعية جنائية تُعد من أكثر المعطيات حساسية، ويحيطها القانون بضوابط صارمة من حيث المعالجة والنشر. غير أن وضع هذه المعطيات في منصة رقمية مفتوحة للعموم يؤدي إلى إخراجها من دائرة التداول القضائي المحدود إلى فضاء عام قابل للانتشار والأرشفة، وهو ما يثير، من حيث المبدأ، فرضية تجاوز الحدود التي يفترض أن تضبط معالجة هذه المعطيات تحت رقابة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، علما أن هذا الفعل يكتسب صفة الجريمة إذا ما أقترف من قبل الأشخاص، تبعا للفصل 447-1 من مجموعة القانون الجنائي.

كما أن هذا الفعل يضع نفسه أيضا في تماس مع مبدأ التناسب الذي يشكل أحد المعايير الضابطة لتدخل السلطة العمومية في مجال الحقوق والحريات. فحين يتم نشر معطيات شخصية مرتبطة بمتابعة جنائية في فضاء رقمي مفتوح، يثور التساؤل حول مدى بقاء هذا التدخل في الحدود التي يقتضيها الهدف الإجرائي، أو ما إذا كان يتجاوزها إلى مستوى أوسع من الكشف العلني للمعطيات.

وفي السياق الرقمي تحديدا، يبرز أيضا إشكال آخر يتصل بما أصبح يعرف بـالحق في النسيان. فالمعطيات المنشورة على الإنترنت لا تبقى محصورة في لحظة النشر، بل تكون قابلة للأرشفة والاسترجاع عبر محركات البحث، وقد تستمر في التداول حتى بعد زوال السبب الذي برر نشرها، وانصرام مدتها القانونية. وفي مثل هذه الحالة، قد يجد الشخص نفسه بعد سنوات ما يزال مرتبطا في الفضاء الرقمي بمتابعة جنائية سابقة، حتى وإن تغيرت وضعيته القانونية أو انتهت المتابعة في حقه بالبراءة. وهنا يطرح التساؤل حول مدى قدرة النظام القانوني على ضمان احترام حصرية المدة القانونية، وألا يظل ماضيه القضائي أو وضعيته الإجرائية موضوع عرض دائم في المجال العام.

هكذا يظهر أن الفعل المتمثل في نشر معطيات المتابعين غيابيا لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد وسيلة إجرائية للإشعار، بل يمثل تدخلا مباشرا في الحقوق الأساسية للأفراد. وبمجرد وقوع هذا التدخل، يبرز سؤال قانوني جوهري، فيما يظل هذا الفعل داخل الحدود التي ترسمها المبادئ الدستورية، أم أنه يلامس تخومها وربما يتجاوزها، لا سيما فيما يتعلق بـقرينة البراءة، وحماية المعطيات الشخصية، وإمكان تمتع الأفراد بحقهم في ألا يتحول حضورهم الرقمي إلى سجل دائم لمراحل قضائية لم تَستنفد سبل الانتصاف، ولم يُحسم أمرها بحكم نهائي.

وتذكيرا بالمعلوم، فإن ما أقدمت عليه الوزارة المومأ إليها، أتى في سياق تفعيل مقتضيات قانون المسطرة الجنائية، الذي يبدو بدوره حافلا بسجالات دستورية وقانونية متعددة. وقد انفلت بفعل فاعل، من الرقابة القبلية على دستوريته، بخلاف تَوأمه قانون المسطرة المدنية الذي دخل حيز النفاذ بعد استيفاء مَسيره التشريعي، في انتظار حلول موعد التنفيذ الكامل لمقتضياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *