الإغناء المغربي للفكر العربي الإسلامي من ناحية التنظير الفكر والسياسي والمنهجي.. قضايا الحرية والديمقراطية نموذجا (1)
تهدف هذه الدراسة إلى إبراز الإغناء المغربي للفكر الإسلامي المعاصر من حيث التنظير الفكري والسياسي والمنهجي، عبر التركيز على مختلف المواقف التي تبلورت حول فكرة الديمقراطية والحريات السياسية، منذ بدء الاصطدام بالغزو الاستعماري الفرنسي، وخلال السعي إلى بناء دولة حديثة، وذلك من خلال الرجوع إلى التراث العلمي والفكري لعدد من العلماء والمفكرين المغاربة، سواء من الجيل الأول الذي واجه التدخل الاستعماري، أو من خلال الأجيال المتلاحقة التي سعت إلى بناء معالم الدولة الحديثة.
وتهدف الدراسة إلى التأكيد على أن الفكر المغربي يزخر باجتهادات فكرية قدّمها عدد من العلماء والمفكرين المغاربة، ومنهم قيادات وزعماء من رواد الحركة الوطنية، فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات. ولن يقتصر اهتمامنا على المغرب الأقصى، بل سيشمل بحثنا الاجتهادات العلمية والفكرية التي ظهرت عند علماء المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، وقبل ذلك لدى الزعماء الأوائل لرواد النهضة في المغرب العربي، التي تفاعل علماء المغرب ومفكروه مع تراثهم العلمي والفكري، مع إبراز الإضافة المغربية والمغاربية في توطين عدد من مفاهيم الدولة الحديثة، وعلى رأسها الديمقراطية ودولة المؤسسات.
هي دراسة تحاول إعادة الاعتبار لاجتهادات الرعيل الأول من العلماء والمفكرين الذين جمعوا بين العمق الفكري والمعرفي والالتزام السياسي، خاصة أن ما أنتجوه تراث غني يتميز بالعمق العلمي والمعرفي، والقدرة على بلورة فكر ملتزم يعكس ما أصبح يعرف بـ”عضوية المثقف”. وهو تراث يستحق أن تتعرف إليه الأجيال الصاعدة، وأن يكون عنصرا ملهما في تكوين شخصية الجيل الصاعد معرفيا وسلوكيا.
فتلك الأجيال في حاجة ماسة إلى التعرف على الآباء المؤسسين للدولة الوطنية، ولمفهوم الأمة، وعلى الأسس العقدية والفكرية والتصورية التي بُنيت عليها، والتي كانت هي المحرك للروح الوطنية، وللتصدي لمحاولات الاستتباع الفكري والثقافي الذي حاول المستعمر التمكين له، ليس فقط على مستوى فرض التبعية السياسية والاحتلال العسكري والسياسي، بل أيضا على مستوى السعي إلى “الاحتلال الثقافي” و”الاختراق الفكري والقيمي”.
في هذا البحث سنسعى أساسا إلى إبراز الإضافة المغاربية للتجربة العربية والإسلامية على الصعيد الفكري والثقافي والسياسي، وهي مسألة ثابتة وحقيقة تاريخية وحضارية، وخاصة إسهامها في “توطين” فكرة “الديمقراطية” ونشر ثقافتها. وعلى الرغم من أن المغاربة والمغاربيين عموما لا يتكلمون كثيرا عن تلك التجربة، أو يزهدون في الحديث عنها أو الكتابة فيها إلا في حالات محدودة، فإنهم حين يؤلفون أو يتكلمون، يفعلون ذلك من باب استخلاص العبر من التجربة الإسلامية في المشرق ومن دروسها. والنموذج التاريخي الناصع هو تاريخ ابن خلدون، الذي لم يكتف بعملية “التأريخ”، بل توجه أكثر إلى استخلاص “العبر” والدروس والسنن أو القوانين الحاكمة للعمران البشري في كتابه “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”.
وليس المقصود هنا إنكار رصيد “المشرق الإسلامي”، إذ إن كثيرا من الأفكار والمدارس والتجارب الإصلاحية شقّت طريقها أولا في المشرق العربي والإسلامي قبل أن تجد لها صدى في المغرب الإسلامي. وفيما يتعلق بقضايا التحديث والتجديد والديمقراطية والتعامل مع رصيد بلاد المشرق العربي والإسلامي، لا يمكن غض الطرف عن رصيد كبير من القراءات ذات الصلة بقضايا التجديد والتحديث وبناء الدولة الحديثة لدى عدد من رواد الإصلاح، حيث كان الموقف الأولي نوعا من التحفظ والتساؤل حول كيفية التعامل مع هذا الوافد الجديد الذي لا يوجد فيه قول أو موقف ديني واضح. وهو ما أشار إليه الشيخ علي عبد الرازق، حين قال في محاضرة له عن “الدين والديمقراطية”:
“من الراجح أن دينا من الأديان التي نعرفها لم يتكلم عن الديمقراطية ولم يأت فيها بقول صريح، اللهم إلا أن تكون بعض الأديان الحديثة كالبهائية والأحمدية” (1).
فهذه إذن فئة من العلماء والمفكرين المسلمين حُسمت لديها مسألة الديمقراطية منذ أكثر من مئة سنة، وغدت أمرا مفروغا منه، بل مسلمة من المسلمات. غير أن أجيالا لاحقة ستجدد النظر في هذا الموقف، وستتخذ مواقف أقل توازنا في الموضوع، حيث سيعتبر البعض أن “الديمقراطية تعد الناس ولا تحصيهم”، في إشارة إلى أن الأغلبية العددية ليست هي جوهر العملية الديمقراطية، وإنما هي آلية من آلياتها، وأن تحقيق الأغلبية حول رأي أو توجه معين لا يفيد بالضرورة أن الصواب مع الأغلبية. صحيح أن جوهر الديمقراطية يكمن في احترام التفاف مجتمع معين، ونسبة عريضة منه، حول اختيارات وتوجهات معينة، دون أن ينفي ذلك حق الأقلية في تنظيم نفسها والتعبير عن توجهاتها. كما أن ذلك لا يفيد بالضرورة أن اختيارات الأغلبية تمثل دوما الاختيارات والتوجهات الأصح، لكن ما يميز الديمقراطية هو ضمان تعددية اتجاهات الرأي، فهي لا تكون راشدة إلا في ظل تعددية الآراء والتوجهات والمواقف، وحرية التعبير عنها، وضمان حق الجميع في المشاركة في الحياة السياسية وفي التنظيم، مع إقرار حق الأقلية أيضا في أن يكون لها الحق في التنظيم والتعبير عن أفكارها والدفاع عن برامجها.
وسيعمل البحث أيضا على استدعاء عدد من الإضافات التي قام بها مفكرون عرب مسلمون من المشرق، مع بيان أن الإضافة المغربية-المغاربية كانت إضافة نوعية، مما يؤكد ما يميز المغاربة من “ذكاء ثقافي ومعرفي”، أي الذكاء باعتباره قدرة على التلاؤم والملاءمة. وقد تأكدت الإضافة المذكورة من خلال الإسهام المغربي-المغاربي من لدن علماء ومفكرين وأعلام كبار من قبيل: الشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ ابن باديس، والأستاذ مالك بن نبي، والعلامة المختار السوسي، وأبي شعيب الدكالي، والشيخ عبد الله كنون، والشيخ العربي العلوي، وعلال الفاسي، والدكتور أحمد الريسوني، والدكتور عبد العزيز الحبابي الذي كتب عن الحرية والديمقراطية وأصّل لهما، والأستاذ مالك بن نبي رحمه الله الذي تناول المسألة من منظور ثقافي وحضاري، ونظر إليها باعتبارها ثقافة وسلوكا وشعورا يرجع إلى الروح التحررية التي جاء بها الإسلام.
الحلقة الأولى: الديمقراطية عند الرواد الأوائل في المشرق العربي
لقد شرع العالم العربي والإسلامي في نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر في اكتشاف التحولات التي تمر بها أوروبا والتعرف إليها، والأفكار التي تحملها نخبها، وشرع يلمس تدريجيا ما أنجزته أوروبا من نجاحات على مستوى ثورة الإصلاح الديني التي بدأت تثمر حرية الضمير والحرية السياسية، مما جعل عددا من الأسئلة الجديدة يُطرح، ومساءلة الأفكار القديمة، بل والثورة في كثير من الأحيان على الموروث الكنسي.
ولئن كان البعض قد نحا منحى الرفض والتحفظ على “الحداثة”، والبعض الآخر نحا نحو التهليل والترحيب بها وبمتعلقاتها، فإن فريقا ثالثا قد نحا منحى التوفيق و”التبيئة” لقيمها السياسية والاجتماعية. وقد سجل عدد من الرواد أن الفرق شاسع بين مظاهر التقدم والتحديث التي تحققت هناك، وبين واقع المسلمين، وأن المسلمين أمام تحدٍّ كبير يفرض طرح أسئلة من قبيل: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ ولماذا حقق الغرب استقراره السياسي وبنى دولته الحديثة التي استجمعت كل أسباب ومظاهر الاستقرار السياسي والاجتماعي، والرخاء الاقتصادي، والتقدم العلمي والمعرفي، في مقابل مختلف مظاهر العطالة والتخلف التي يعاني منها المسلمون من استبداد وفساد وفشل وفرقة وفقر وجهل ومرض وقابلية للاستعمار؟
وقد تبلورت، من خلال السعي إلى الجواب عن هذه الأسئلة، مقاربات ذهبت كل واحدة منها إلى التركيز على مدخل من مداخل الإصلاح وتأكيد أولويته؛ فمنهم من ركز على الإصلاح السياسي، أي إصلاح أعطاب السلطة وإعادة تقويم مسارها لأنها المؤثر الأكبر في حركة أفراد المجتمع، ومنهم من دعا إلى اعتماد التربية والتدرج، في حين ارتأى البعض الآخر أن الحل يكمن في فك الارتباط بالاستعمار على أساس أن التبعية هي أساس البلاء ورأس المشكلة. بينما دعا آخرون إلى الأخذ بمتطلبات الحداثة، والتخفف من عبء التقليد وتركته باعتباره عائقا أمام القيم الكونية الحديثة، وعلى رأسها قيم الديمقراطية والعلمانية، على اعتبار أنها الكفيلة بتحقيق قيم الحداثة وتطبيقها. غير أن الديمقراطية قد ارتبطت في ذهن عدد من الرواد الآخرين ببعض المذاهب الدينية الجديدة، من قبيل البهائية والأحمدية، أي إنها لبست لبوسا مذهبيا عقديا وليس لبوسا سياسيا إصلاحيا. وهو ما جعل الشيخ علي عبد الرازق، على سبيل المثال، يؤكد في محاضرة له أنه:
“من الراجح أن دينا من الأديان التي نعرفها لم يتكلم عن الديمقراطية ولم يأت فيها بقول صريح، اللهم إلا أن تكون بعض الأديان الحديثة كالبهائية والأحمدية” (2).
مفكرون مسلمون رحبوا مبكرا بالديمقراطية
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من المفكرين العرب والمسلمين كان تفكيرهم متقدما فيما يتعلق بالديمقراطية، وحسموا بطريقة استباقية بعض القضايا المفتعلة، من قبيل موضوع الخلاف المتعلق -كما ظهر لاحقا- بوجود تعارض بين نظام الشورى الإسلامي والنظام الديمقراطي الحديث. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر أكد مفكرو النهضة والإصلاح، أمثال رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وخير الدين التونسي (1820-1890)، هذا المعنى. ومن أوائل من رحب بالديمقراطية منذ العقد الثاني من القرن العشرين الأستاذ محب الدين الخطيب، مؤسس المطبعة والمكتبة السلفية، الذي كتب سنة 1922 عن “الديمقراطية في صدر الإسلام” في نشرته التي كان يصدرها تحت اسم “الحديقة”. ومنهم أيضا مفكرون وأعلام كبار أسهموا في إطلاق النهضة الحديثة وعدة مشاريع إصلاحية، من قبيل عبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم كثير، مما يعد استشرافا مبكرا وتفاعلا مع مكتسبات التجربة الإنسانية في المجتمعات الغربية، وتجاوزا للخلاف الموهوم والتعارض المزعوم بين نظام الشورى الإسلامي والنظام الديمقراطي الحديث.
وإذا ما انتقلنا إلى الجيل الثاني من تلامذة الرواد في عالمنا العربي والإسلامي، فسنجد أنهم تعاملوا مع مصطلح “الديمقراطية” بأريحية تامة، حتى إن بعض من كان مشهورا بينهم بنزعته السلفية المتشددة لم يكن يجد غضاضة في استخدام هذا المصطلح والدلالة من خلاله على رقي الإسلام وتطور أهله. ونقرأ بعد ذلك مقاربات عديدة حول “الديمقراطية والإسلام” بدءا من محاضرة علي عبد الرازق حول “الديمقراطية والدين” سنة 1935، ومقالات أحمد حسن الزيات حول الديمقراطية المنشورة في الرسالة سنة 1937، ومقالتي عبد المجيد نافع “الإسلام والديمقراطية” المنشورتين في الرسالة في السنة ذاتها، ومحمد البهي الذي أكد في بحث له نشر في الرسالة أيضا في السنة نفسها أن الإسلام يتضمن الملكية والديمقراطية.
وإذا ما انتقلنا إلى الجيل الثالث من الرواد في عالمنا العربي والإسلامي، نجد أنهم تعاملوا مع الديمقراطية مصطلحا ومفهوما بأريحية، ولم يجدوا حرجا في استخدام المصطلح والتأصيل له من داخل المرجعية الإسلامية، بحيث نجد أنهم يدللون على رقي الإسلام في احتضان الديمقراطية والتلاؤم معها. فقد كتب محمد فريد وجدي، مثلا، عن الإسلام والديمقراطية في مجلة الهلال سنة 1941، وألف عباس محمود العقاد كتابا تحت عنوان “الديمقراطية في الإسلام” سنة 1952، ونفس الشيء بالنسبة لعبد العزيز الحبابي الذي كتب عن الحرية والديمقراطية، ثم الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله الذي أصّل للديمقراطية ولما سماه بـ”أصالة وتجذر الشعور الديمقراطي في الإسلام” كما سيأتي بيانه، والدكتور عبد العزيز الحبابي، المفكر والفيلسوف المغربي رحمه الله، سنة 1960.
حسن البنا والديمقراطية: ليس في إقرار السيادة للشعب وآليات الحكم الجديدة ما يخالف الإسلام
وبالنسبة لأعلام الحركة الإسلامية المعاصرة، وعلى رأسهم حسن البنا رحمه الله، نجد أنهم قد نوهوا باعتماد مصر للتوجه الديمقراطي، وأن نظام الحكم الذي ارتضته وأعلنته على رؤوس الأشهاد، وسجلته في دستورها، هو النظام الديمقراطي، مع توضيح ماهية هذا النظام؛ حيث اعتبر أن الديمقراطية، في كل قواميس السياسة والسياسيين، هي “حكم الشعب بالشعب”، وأنه مهما اختلفت الأشكال والألوان والوسائل التي يتحقق بها هذا الحكم، فإن لب الديمقراطيات هو الاعتراف بسلطة الشعب وحقه في أن يحكم بالنظام الذي يختاره ويرضاه، مع التأكيد على أن الدستور المصري في مادته التاسعة والأربعين بعد المائة قد قرر أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.
حسن البنا: الديمقراطية المصرية مرجعيتها الإسلام، والنظام النيابي ليس غريبا عن روح الإسلام
إن الديمقراطية في منظور حسن البنا يجب أن ترتكز على تعاليم الإسلام وأن تستمد منها لتكون ديمقراطية صحيحة، مع التأكيد على أن روح الإسلام وتعاليمه لا تتعارض مع روح الديمقراطية الحديثة متى سلمت من الشهوات الحزبية والأهواء الاستعمارية. كما أن النظام النيابي ليس بعيدا أو غريبا عن روح النظام الإسلامي، فهو مبني على إرادة الأمة، كما أنه لا يوجد فيه ما يعيق الوحدة الوطنية وتناغمها، وليس فيه ما يتنافى مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم. كما أن مضمون مفهومي الديمقراطية والشورى، حسب حسن البنا، مضمون واحد، على الرغم من أن كلمة الديمقراطية قد ارتبطت بدخول الدول الاستعمارية إلى البلاد الإسلامية.
وعلى الرغم من الاختلاف في اللفظ، فإن المضمون والمعنى واحد؛ ففي الديمقراطية مبدأ الشورى وتبادل الرأي، وفيها إطلاق الحرية الفردية، لكنها جعلتها مشروطة بحقوق الجماعة وقيدتها بهذا.
إن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبدا الحكم الدستوري الشوري، وهي واضعة أصله، وهي التي تشهد لضرورة إقرار حرية الشعوب وحكم الشعب لنفسه. ومن ثم فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى، وللتناصح، ولحرية الرأي، ولسلطان الأمة، ولتبعة الحكام، وهي أركان الدساتير العصرية. ولكن الذي نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هو هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم (3).
البنا: الديمقراطية التي ينادي بها الغرب ستار لممارسات المستعمر
غير أن حسن البنا، إذ يشيد بالديمقراطية من حيث أصل الفكرة، فإنه يعترض اعتراضا واضحا وجليا على الديمقراطية التي ينادي بها الغرب؛ فالديمقراطية بالنسبة للغرب كانت بمثابة ستار لممارسات المستعمر الخبيثة ضد الشعوب. يقول حسن البنا:
“أما أغنية الديمقراطية والديكتاتورية فأنشودة نعتقد أن الحرب الحالية ستدخل عليها ألحانا جديدة وأنغاما جديدة، ولن يكون في الدنيا بعد هذه المحنة ديمقراطية كالتي عهدها الناس، ولا ديكتاتورية كهذه الديكتاتورية التي عرفوها.
ولن تكون هناك فاشية ولا شيوعية على غرار هذه الأوضاع المألوفة، ولكن سيكون هناك نظم في الحكم، وأساليب في الاجتماع تبتدعها الحرب ابتداعا، ويخترعها الساسة اختراعا، ثم يضعونها موضع التجربة من جديد. وتلك سنة الله ونظام المجتمع” (4).
ويقول أيضا:
“نحن لا نعترض على الحكم الشوري النيابي من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح ولحرية الرأي ولسلطان الأمة ولتبعة الحكام، وهي أركان الدساتير العصرية، ولكن الذي نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم” (5).
أما عن الحكم الدستوري الشوري فيقول:
“إن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبدا الحكم الدستوري الشوري، وهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى من أوصاف المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾” (آل عمران: 159).
وبناء على ذلك، ومن منطلق مبدئي، يؤكد حسن البنا على حرية الشعوب وضرورة حكمها لنفسها بنفسها، وعلى الحكم النيابي، حيث يقرر ما يلي:
“نحن لا نعترض على الحكم الشوري النيابي من حيث هو، فإنه قد وضع الأساس للشورى وللتناصح ولحرية الرأي ولسلطان الأمة ولتبعة الحكام، وهي أركان الدساتير العصرية، ولكن الذي نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم” (6).
دور الحاكم في الإسلام لا يختلف عن دوره في الديمقراطية والدول التي تعتمدها
إن الحاكم في الإسلام -حسب البنا- راعٍ معلم، ووالد، وقائد، وفي الديمقراطية نائب ووكيل وشريك ومساعد. ولن تتوافر هذه المعاني جميعا إلا إذا توافرت المشاركة الوجدانية الكاملة، فأصبح الحاكم يحس بإحساس المحكومين، ويشعر بشعورهم، ويتألم لألمهم، ويسر بسرورهم، ويصبح قلبه هو القلب الكبير المحيط بكل شؤونهم (7).
اليمين الدستورية لا تخالف الشرع
يستحضر حسن البنا اعتراضا قد يثيره البعض، ومفاده:
“ماذا تصنعون في اليمين الدستورية إذا نجحتم، وفيها النص على احترام الدستور، وأنتم معشر الإخوان تهتفون من كل قلوبكم: القرآن دستورنا؟”
والجواب على ذلك، حسب حسن البنا، واضح؛ فالدستور المصري بروحه وأهدافه العامة، من حيث التأكيد على الشورى وتقرير سلطة الأمة وكفالة الحريات، لا يتناقض مع القرآن ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه، خاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام. كما أنه نص على أن التعديل والنضوج من حق النواب بطريقة قانونية مرسومة، مقررا أن الإسلام لا يختلف أو يتعارض مع الديمقراطية الحقة، حيث يقول:
“إن معنى الديمقراطية الحقة هي التي تساوي بين الشعوب وتعطي حق تقرير المصير للشعوب، وأن الإسلام كفل ذلك، وليست المعاني الزائفة التي وردت في قاموس الدول الغربية الديمقراطية أو الدول الاشتراكية” (8).
ويوضح دور الحاكم في الإسلام مبينا أنه لا يختلف عن دوره في الديمقراطية التي تنادي بها الدول الديمقراطية، فهو في الإسلام راعٍ معلم ووالد وقائد، وفي الديمقراطية نائب ووكيل وشريك ومساعد. ولن تتوافر هذه المعاني جميعا إلا إذا توافرت المشاركة الوجدانية الكاملة، فأصبح الحاكم يحس بإحساس المحكومين، ويشعر بشعورهم، ويتألم لألمهم، ويسر بسرورهم، ويصبح قلبه هو القلب الكبير المحيط بكل شؤونهم (9).
حسن البنا: الديمقراطية المصرية ذات مرجعية إسلامية ومستمدة من أصول الإسلام وقواعده الحقة
لقد نظر الإمام حسن البنا إلى مصر على أنها دولة ديمقراطية تمارس الفكر الديمقراطي، لكن ليست الديمقراطية بحمولتها الغربية، وإنما ديمقراطية تتلاءم مع دين الدولة وثقافة المجتمع؛ فنظام الحكم الذي ارتضته مصر وأعلنته على رؤوس الأشهاد وسجلته في دستورها هو النظام الديمقراطي.
وفي هذا الصدد يؤكد حسن البنا ما يلي:
“ومن حسن الحظ أن روح الإسلام وتعاليمه لا تتعارض مع روح الديمقراطية الحديثة متى سلمت من الشهوات الحزبية والأهواء الاستعمارية… وإذا كان هذا النظام هو نظام الحكم في مصر، فمن هم الذين قلبوه في الحقيقة، وما زالوا مصرين على أن يظل النظام مقلوبا إلى الآن” (10).
ويؤكد من جهة أخرى أن الإسلام يحتضن القيمة السامية للديمقراطية الحقة، وليس الديمقراطية التي ترادف الفوضى والإباحية، حيث يقول:
“علينا أن نعلن الإسلام بأصوله السامقة وتعاليمه العالية وقواعده الحقة، أمام الديمقراطية التي ترادف الفوضى والإباحية، وأمام شيوعيتهم التي ترادف الإلحاد والدكتاتورية الدولية، وأن نأخذ بديمقراطية الإسلام، وليس بالديمقراطية الغربية” (11).
والحكم الديمقراطي، في كل قواميس السياسة والسياسيين، هو “حكم الشعب بالشعب”. ومهما اختلف السياسيون على الأشكال والألوان والوسائل التي يتحقق بها، فهم لم يختلفوا أبدا على هذه الحقيقة، وهي: أن لب الديمقراطيات الاعتراف بسلطان الشعب وحقه في أن يحكم بالنظام الذي يختاره ويرضاه. ولقد نص الدستور المصري في مادته التاسعة والأربعين بعد المائة على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، وكان في هذا صادقا محقا، ومصورا أدق تصوير لروح الشعب المصري ومشاعره. ومعنى هذا أن الديمقراطية المصرية يجب أن ترتكز على تعاليم الإسلام وأن تستمد منها لتكون ديمقراطية صحيحة (12).
وفي رسالة إلى رئيس مجلس الأمن (ليك سكس) أثناء عرض قضية مصر على المجلس، يؤكد الإمام حسن البنا على ديمقراطية مصر، حيث يقول:
“في هذا اليوم الذي تنظرون فيه قضية وادي النيل، تأمل الأمة المصرية حكومة وشعبا أن تظفر من المجلس بقرار يؤكد حقها الثابت في الجلاء والوحدة، ويعيد ثقة الشعوب بالعدالة الدولية ويصون الأمن والسلام في ربوع الشرق وديار العروبة والإسلام” (13).
ويخاطب الدول الغربية التي تريد أن تنشر هذه الديمقراطية التي تتوافق مع سياستهم الاستعمارية، بأن المسلمين يعرفون معنى الديمقراطية الحقيقية التي تنشر المودة بينهم، وليست ديمقراطية الغاب التي يتعامل بها الغرب، فيقول في ذلك:
“إنكم تريدون أن تثبتوا دعائم الديمقراطية الصحيحة وتقروا مبادئها في الأرض وتعلنوها في الناس شريعة العصر الجديد وثمرة هذا الجهد الجهيد والكفاح الشديد؛
ولكننا -نحن المسلمين- قد تلقيناها درسا أوليا في أبجدية ديننا وفي تاريخ أسلافنا، وطبقناها نظاما عمليا على أديم صحرائنا وفي ظل مضاربنا وخيامنا، وسجلها الله حكما عربيا في آيات كتابنا كما نظمناها أدبا رائعا في قصيد شعرائنا” (14).
معتبرا أن الدول الغربية تريد أن تنشر الديمقراطية التي تتوافق مع سياستهم الاستعمارية، وأن المسلمين يعرفون معنى الديمقراطية الحقيقية التي تنشر المودة بينهم، وليست ديمقراطية الغاب التي يتعامل بها الغرب، مؤكدا أننا نحن “المسلمين قد تلقيناها درسا أوليا في أبجدية ديننا وفي تاريخ أسلافنا، وطبقناها نظاما عمليا على أديم صحرائنا وفي ظل مضاربنا وخيامنا، وسجلها الله حكما عربيا في آيات كتابنا كما نظمناها أدبا رائعا في قصيد شعرائنا” (15).
ويوضح هذا المعنى أكثر، فيقول: “ويبدو هذا الصراع واضحا جليا عمليا في مناطق النفوذ والاحتلال، وسياسيا في مؤتمرات الصلح وجلسات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، والأمر ليس سوى مسوح الرهبان وجلود الضأن على قلوب الذئاب، ومحاولة التستر على الطمع المادي بدعوى رسالة السلام والإصلاح، تقدمها إنجلترا باسم الديمقراطية وتقدمها روسيا باسم الشيوعية، والعالم العربي والإسلامي والشرق كله يترقب وينظر في حيرة بين هذه الأطماع والآمال، ويتهيأ للعمل ولكن لم يعمل بعد” (16).
السيادة الإلهية والديمقراطية
وعن علاقة السيادة الإلهية بالديمقراطية، يؤكد حسن البنا أن هناك توافقا بينهما، لأن السيادة للشعب، وأن آليات الحكم الجديدة ليست مخالفة للإسلام، بما في ذلك النظام البرلماني، حيث يقرر رحمه الله ما يلي:
“نحن لا نعترض على الحكم الشوري النيابي من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح ولحرية الرأي ولسلطان الأمة ولتبعة الحكام، وهي أركان الدساتير العصرية، ولكن الذي نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هو هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم”.
كما يؤكد أنه “لا يوجد شيء في قواعد النظام البرلماني” يتعارض مع أحكام الإسلام في نظام الحكم، وبالتالي فإن “النظام البرلماني ليس بعيدا عن روح النظام الإسلامي ولا غريبا عنه”.
فدور الحاكم في الإسلام -حسب حسن البنا- لا يختلف عن دوره في الديمقراطية، مقارنة بين التصور الإسلامي لدور الحاكم وبين موقعه ودوره في النظم الديمقراطية، حيث يقول:
“والحاكم في الإسلام راعٍ معلم ووالد وقائد، وفي الديمقراطية نائب ووكيل وشريك ومساعد. ولن تتوافر هذه المعاني جميعا إلا إذا توافرت المشاركة الوجدانية الكاملة، فأصبح الحاكم يحس بإحساس المحكومين، ويشعر بشعورهم، ويتألم لألمهم، ويسر بسرورهم، ويصبح قلبه هو القلب الكبير المحيط بكل شؤونهم”.
والحاكم في الإسلام راعٍ معلم، ووالد وقائد، وفي الديمقراطية نائب ووكيل وشريك ومساعد، ولن تتوافر هذه المعاني جميعا إلا إذا توافرت المشاركة الوجدانية الكاملة، فأصبح الحاكم يحس بإحساس المحكومين، ويشعر بشعورهم، ويتألم لألمهم، ويسرّ بسرورهم، ويصبح قلبه هو القلب الكبير المحيط بكل شؤونهم. وأشد ما تكون الأمة حاجة إلى هذه المشاركة الوجدانية التي تدفع إلى المشاركة الفعلية إذا واجهتها المصاعب وأحاطت بها الأزمات من كل جانب، ورحم الله عمر حين وقف على المنبر عام المجاعة ولبطنه قرقرة من الزيت، فضرب عليه بيده (17).
الطبيعة المدنية للدولة
ومن أهم المراجعات في هذا المجال ما ورد في كتاب الدكتور يوسف القرضاوي “من فقه الدولة في الإسلام”، الذي سعى من خلاله إلى دفع شبهة “ثيوقراطية” الدولة في الإسلام، والتي قد تظهر من خلال كتابات بعض المنتسبين إلى الفقه في العصر الحالي، وشبهة “لا وجود للدولة في الإسلام” من جهة أخرى، والتي يدافع عنها العلمانيون. يقول الدكتور يوسف القرضاوي:
“إنه من بين هؤلاء وأولئك، يقف تيار الوسطية الإسلامية”.
وكتاب الدكتور القرضاوي المشار إليه هو تجسيد لفقه سياسي يتعلق بتصور الدولة في الإسلام، ومكانتها، وحكم إقامتها، ومعالمها المميزة لها، وطبيعتها: أهي دولة مدنية ملتزمة بالإسلام أم دولة ثيوقراطية دينية كهنوتية؟
وفضلا عن الرد على من يزعمون أنها دولة دينية تحكم باسم الحق الإلهي، يفصل القول في الموقف من التعددية والديمقراطية، ومن المرأة، ومن فقه العلاقة بغير المسلمين، وغير ذلك في تلك الدولة.
ويخلص القرضاوي إلى القول بأن:
“الدولة الإسلامية دولة مدنية تقوم على أساس الاختيار والبيعة والشورى، ومسؤولية الحاكم أمام الأمة، وحق كل فرد في الرعية أن ينصح لهذا الحاكم”.
كتابات أخرى نسجت على نهج القرضاوي
وعلى هذا المنوال نسجت كتابات أخرى، نذكر منها كتاب “الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية” لمحمد عمارة، وكتاب راشد الغنوشي “الإسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان”، ومنها أيضا كتابات الدكتور سعد الدين العثماني حول “التمييز بين الدعوي والسياسي”، وما كتبه الدكتور أحمد الريسوني الذي ذهب إلى التأصيل لـ”مبدأ الأغلبية” الذي تقوم عليه فكرة الديمقراطية من خلال كتابه “نظرية التقريب والتغليب وتطبيقاتها في العلوم الإسلامية”. دون أن ننسى عددا من العلماء والمفكرين المغاربة الذين سبقوا إلى تبني مفهوم الديمقراطية ومبادئ الحكم الديمقراطي منذ عقود، وقبل الاستقلال عن فرنسا وبعده، مما سنعرض له في فصول لاحقة.
وما يطمح إليه هذا البحث هو بيان تجذر مفهوم الديمقراطية في التراث الفكري الإسلامي عامة، وفي التراث المغربي خاصة، والسعي إلى مواءمته مع خصوصية المغرب ومرجعيته الإسلامية التي نهل منها كبار علمائه ومفكريه من الرواد الأوائل، من قبيل عبد الله كنون، وعلال الفاسي، وأبي شعيب الدكالي، وغيرهم.
مراجع ومصادر الحلقة الأولى
- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
- علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، مطبعة شركة مصر، يناير 1993.
- حسن البنا، جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365هـ – 22 أكتوبر 1946، ص 1.
- مجلة الشهاب، العدد (2)، السنة الأولى، 1 صفر 1367هـ – 14 ديسمبر 1947م، ص 27-32.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365هـ – 22 أكتوبر 1946، ص 1.
- مجلة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11 ذو القعدة 1357هـ / 3 يناير 1939، ص 3-5.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365هـ – 22 أكتوبر 1946، ص 1.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (146)، السنة الأولى، 28 ذو القعدة 1365هـ – 23 أكتوبر 1946م، ص 1.
- جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (145)، السنة الأولى، 27 ذو القعدة 1365هـ – 22 أكتوبر 1946، ص 1.
- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
- رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي.
- مجلة الشهاب، العدد 2، السنة الأولى، 14 ديسمبر 1947م، ص 27-32.
- مجلة المنار، الجزء الخامس، المجلد 35، 18 يونيو 1939، ص 34-41.
- مجلة المنار، الجزء الخامس، 18 يونيو 1939، ص 34-41.
- مجلة الإخوان المسلمين، العدد 58، السنة الثالثة.
- جريدة الإخوان المسلمين، نصف الشهرية، العدد 44، السنة الثانية، 18 ذو القعدة.
- الإصلاح السياسي عند البنا، قضايا سياسية – الحلقة الثانية، إعداد طارق عبد الرحمن، إخوان أون لاين، الاثنين 10 سبتمبر 2007.
اترك تعليقاً