غياب ديمقراطية الأحزاب يُعطّل التنمية المنشودة
ليست التنمية مجرد أوراش كبرى تُدشَّن، ولا أرقام تُعلن في التقارير، بل هي قبل كل شيء نتاج اختيارات سياسية رشيدة، تصنعها نخب قادرة على الفعل والتدبير. وهذه النخب لا تولد من فراغ، بل تُفرَز داخل الأحزاب السياسية، التي يفترض أن تكون مدارس للديمقراطية ومختبرات لإنتاج الكفاءات. غير أن الواقع يكشف أن الخلل يبدأ من هناك، من داخل هذه البنيات، حيث تغيب الديمقراطية، فتُختزل الكفاءة، وتتقدم الولاءات، وتتعثر معها مسارات التنمية المنشودة.
لقد وضع المشرع، من خلال القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، إطارًا نظريًا متقدمًا، يؤكد على الديمقراطية الداخلية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويشدد على ضرورة اختيار مرشحين نزهاء وأكفاء. غير أن هذا البناء القانوني، رغم أهميته، ظل في كثير من جوانبه حبيس النص، عاجزًا عن فرض نفسه في الواقع العملي، بسبب غياب آليات صارمة تضمن احترامه، وتُخضع الممارسة الحزبية لمراقبة فعلية.
فالقانون يتحدث بلغة (يجب)، لكنه لا يحدد بدقة (كيف)، ولا يوضح (من يراقب)، ولا يفتح مسالك واضحة للطعن في القرارات الداخلية، خاصة تلك المتعلقة بالتزكيات الانتخابية. وهنا يكمن الخلل الجوهري: حين تُترك الديمقراطية الداخلية لتقدير القيادات الحزبية، تتحول من مبدأ ملزم إلى خيار قابل للتأويل، ومن قاعدة تنظيمية إلى مجرد شعار يُرفع عند الحاجة.
في هذا السياق، لا تعود عملية اختيار المرشحين قائمة على الكفاءة والنزاهة كما ينص القانون، بل تخضع في كثير من الأحيان لمنطق القرب والولاء، أو لتوازنات داخلية لا علاقة لها بمصلحة المواطن ولا بمتطلبات التنمية. وهكذا، تتحول التزكية من آلية ديمقراطية إلى أداة توزيع، يُكافأ بها من ينسجم مع القيادة، ويُقصى من يشكل إزعاجًا أو يحمل رأيًا مستقلاً.
المفارقة أن القانون كان صارمًا في جانب واحد، وهو الجانب المالي، حيث وضع عقوبات واضحة في حالات الإخلال بالشفافية المالية أو سوء تدبير الدعم العمومي. لكنه في المقابل، أبدى تساهلًا كبيرًا تجاه الشفافية السياسية الداخلية، فلم ينص على جزاءات صريحة في حالات إقصاء الكفاءات، أو فرض مرشحين، أو التلاعب بالمساطر التنظيمية، ما دام ذلك لا يترك أثرًا ماليًا مباشرًا.
وهنا يظهر اختلال واضح في فلسفة التأطير القانوني: يتم التركيز على ضبط المال، بينما يُترك القرار السياسي الداخلي دون رقابة فعالة. والنتيجة أن الأحزاب قد تُحاسب على درهم غير مصرح به، لكنها لا تُحاسب على إقصاء طاقات بشرية قادرة على الإسهام في التنمية، ولا على إنتاج نخب ضعيفة لا تمتلك من أدوات التدبير سوى الانضباط للتوجيهات.
إن التنمية، في جوهرها، لا يمكن أن تتحقق بنخب لا تمر عبر مسارات ديمقراطية حقيقية، ولا تخضع لمعايير الاستحقاق. فحين يُختزل العمل الحزبي في تدبير الولاءات، وتُفرغ التزكيات من مضمونها، يصبح من الطبيعي أن تنعكس هذه الاختلالات على المؤسسات المنتخبة، وعلى جودة السياسات العمومية، وعلى قدرة الدولة على تنزيل مشاريعها التنموية بفعالية.
ولا يتعلق الأمر هنا بجلد الأحزاب أو التقليل من دورها، بل بدعوتها إلى استعادة وظيفتها الأصلية، كفضاءات للتأطير والتكوين والاختيار الديمقراطي. كما يتعلق الأمر أيضًا بضرورة تطوير الإطار القانوني، ليشمل آليات أكثر صرامة في مراقبة الديمقراطية الداخلية، ويفتح المجال أمام الطعن والإنصاف، ويقر جزاءات واضحة في حال خرق مبادئ الشفافية والنزاهة في اتخاذ القرار.
إن الحديث عن التنمية المنشودة يمر حتمًا عبر إصلاح الحياة الحزبية، لأن الدولة، مهما امتلكت من إمكانيات، تظل في حاجة إلى وسائط سياسية قوية وذات مصداقية، قادرة على إفراز نخب في مستوى التحديات. أما إذا استمر الوضع على ما هو عليه، حيث النصوص متقدمة والممارسات متعثرة، فإن الفجوة ستتسع أكثر، وستظل التنمية هدفًا مؤجلًا، تُعيقه اختلالات تبدأ من الداخل، من حيث يفترض أن تبدأ الحلول.
وفي النهاية، لا يمكن بناء تنمية حقيقية دون ديمقراطية، ولا يمكن ترسيخ هذه الديمقراطية دون أحزاب تمارسها أولًا داخلها. فإصلاح الأحزاب ليس ترفًا سياسيًا، بل هو شرط أساسي لأي نهضة تُراد لها أن تتحقق.
ضرورة إعادة النظر في محتوى القانون التنظيمي والحاجة إلى مدونة حقيقية
وفي ختام هذا النقاش، يفرض الواقع إعادة فتح ملف القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وإحداث مدونة منصفة لمنخرطي الأحزاب. ليس من باب التنظير، بل من زاوية التقييم الصريح لما أفرزه من اختلالات على مستوى التطبيق. فالتجربة أثبتت أن النص، رغم ما يتضمنه من مبادئ متقدمة، يعاني من قصور بيّن في ما يتعلق بآليات الزجر والمراقبة، خاصة في مجال الديمقراطية الداخلية واختيار الموارد البشرية. وهو ما يستدعي التفكير الجدي في إدخال تعديلات جوهرية تُقر آليات زجرية واضحة وصريحة، تُنصف الكفاءة والنزاهة والشفافية في عمليات انتقاء الأطر داخل الأحزاب، سواء في تدبير شؤونها الداخلية أو في تمثيلياتها الخارجية، وكذا في مساطر اختيار المرشحين لمختلف الاستحقاقات. فبدون هذه الآليات، سيظل الباب مفتوحًا أمام استمرار الفساد الداخلي، وتكريس منطق الولاءات بدل الاستحقاق، بما ينعكس سلبًا على جودة العمل الحزبي، ويُقوّض فرص بناء تنمية حقيقية قائمة على الكفاءة والمسؤولية.
اترك تعليقاً