وجهة نظر

يا جمال… عد إلى حضن بلادك! العنصرية لا تصنع أبطالا بل تقتل المواهب

لم تكن العنصرية التي طالت اللعب المغربي المتألق “لامين يمال” أو بالأصح “لامين جمال” في الملاعب الإسبانية حدثا طارئا أو انزلاقا عابرا، بل بدت كأنها صدى لذاكرة تاريخية لم تطو صفحاتها بالكامل. فمن زمن محاكم التفتيش، حيث مورست العنصرية و الإقصاء والقتل على الهوية والسحل والتعذيب….. على أساس الدين والهوية والأصل، إلى مشاهد اليوم في بعض المدرجات، يظهر أن بقايا تلك الذهنية ما تزال تتسلل في سلوك فئات قليلة تخلط بين الانتماء والعداء، وبين الاختلاف والكراهية.

خلال الأشهر الأخيرة، واجه اللعب المغربي الكبير لامين جمال موجة من الصفير والعبارات المسيئة ذات الطابع العنصري، بلغت حد مطالبته بالعودة إلى بلده، في خطاب يقصي ولا يعترف بالإنسان إلا من زاوية الأصل. هذا السلوك لا يمت بصلة لقيم الرياضة ولا بمملكة اسبانيا الحديثة، بل يعكس أزمة وعي لدى الجماهير التي تختار الكراهية بدل الاحترام.

وقد تفاقم هذا المشهد خلال المباراة الودية بين إسبانيا ومصر، حين صدرت هتافات مسيئة للمسلمين من بعض المدرجات، من قبيل العبارة العنصرية “من لا يقفز فهو مسلم”، في سلوك مدان رفضه الاتحاد الإسباني لكرة القدم بشكل واضح، مؤكدا أن هذه التصرفات لا تمثل إلا أصحابها. ومع ذلك، فإن تكرار هذه الحوادث يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى قدرة الخطاب الرسمي وحده على ردعها.

ولم يقف الأمر عند الهتافات الجماعية فقط، بل امتد إلى استهداف مباشر للاعب، حيث تم قذف لامين جمال بعبارات نابية تحمل دلالات عنصرية صريحة، من بينها مطالبته بالقول “ارجع لبلادك المغرب”، في محاولة لإقصائه رمزيا وإنكار انتمائه. مثل هذه التصرفات تكشف حجم التوتر الكامن لدى بعض الأصوات التي لا تزال ترى في الاختلاف تهديدا بدل اعتباره غنى إنسانيا.

ما تعرض له لامين جمال لم يكن سهلا، وقد بدا في بعض اللحظات خارج طوره وغاضبا، وهو رد فعل مفهوم أمام هذا الكم من الاستفزاز. لكن استمرار الردود الإعلامية والتصريحات المضادة للعنصرية، رغم أهميتها المبدئية، لم يغير واقعا يتكرر، ولم يسكت تلك الأصوات التي تعيد إنتاج نفس الخطاب.

من هنا، يصبح من المشروع طرح خيار آخر: أن يعيد لامين جمال النظر في مساره الدولي، وأن يفكر في الانخراط مع بلده الأصلي المملكة المغربية، حيث لن يُسأل عن جذوره، بل سيحتفى بموهبته ويقدر عطاؤه. فالوطن الذي يعرف قيمة أبنائه يمنحهم مكانتهم دون شروط، ويحتضنهم في لحظات التألق والشدة معا.

إن المملكة المغربية، بعمقها التاريخي وتنوعها الثقافي، قادرة على أن يوفر بلاعبنا الكبير لامين جمال بيئة قائمة على الاحترام والتقدير، ويمنحه مكانة لاعب دولي مرموق ينتظره مستقبل واعد، بعيدا عن أي تشكيك أو إقصاء. هناك، ستكون الهوية مصدر قوة لا مدخلا للإهانة.

ومع التأكيد على أن هذه السلوكيات تصدر عن قلة قليلة لا تمثل مجتمعا بأكمله، يبقى من الضروري رفضها بشكل حازم وعدم التعايش معها أو تبريرها تحت أي ظرف. فالتساهل مع مثل هذه الممارسات يفتح الباب أمام تطبيع خطاب الكراهية داخل الفضاءات الرياضية، ويقوض القيم الأساسية التي تقوم عليها الرياضة من احترام وتعايش وتكافؤ للفرص.

إن استمرار هذه الظواهر لا يسيء فقط إلى صورة الملاعب، بل قد يشكل تهديدا حقيقيا لسمعة إسبانيا وهي تستعد لتنظيم تظاهرات كبرى مثل كأس العالم 2030، حيث تصبح صورة البلد على المحك أمام أنظار العالم. فالعنصرية ليست مجرد سلوك فردي عابر، بل خطر على تماسك المجتمعات واستقرارها، وبالأخص داخل الوسط الرياضي الذي يفترض أن يكون فضاء للوحدة لا للتمييز.

لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من بيانات إدانة، بل تستوجب إجراءات صارمة وتربية جماهيرية مستمرة، لأن العنصرية، أيا كان مصدرها، لا تليق بالرياضة ولا بالإنسان، والكرامة تظل فوق كل اعتبار. وأقول للبطل لامين جمال: عد إلى حضن بلادك، فالعنصرية، تقتل المواهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *