القضاء الإداري في زمن الرقمنة من رقابة القرار إلى رقابة النظام
في ظل التحول الرقمي الذي عرفه التدبير العمومي الحديث لم تعد الرقمنة مجرد وسيلة تقنية لتبسيط المساطر أو تسريع تقديم الخدمات وإنما أصبحت تعبيرا عن تحول عميق مس جوهر النشاط الإداري فقد انتقل جزء متزايد من عمل المرفق العام من الفضاء المادي التقليدي إلى فضاء رقمي قائم على المنصات والنظم المعلوماتية ومعالجة البيانات الأمر الذي ساهم في طرح سؤال قانوني جوهري يتعلق بمدى خضوع هذا النشاط الإداري الرقمي لمبدأ المشروعية على اعتبار هذا الأخير أحد أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون الإداري.
في هذا السياق، تطرح مجموعة من علامات الاستفهام عنما يتعلق الأمر بالرقابة القضائية على أعمال الإدارة، هل لا زال ممكنا أن ينظر القاضي الإداري في القرار الإداري من حيث عناصره التقليدية فقط أم أصبح مطالبا بفحص شروط إنتاجه داخل النظام الرقمي ؟ وهل تم احترام معايير الجودة والسلامة الرقمية في المنصات المعتمدة لإصدار القرار؟ وهل يمكن تتبع مسار اتخاذه داخل النظام المعلوماتي؟ وبذلك ينتقل مركز الثقل من القرار في حد ذاته إلى موثوقية البيئة الرقمية التي أنتجته وهو ما يجد سنده في التوجهات المقارنة التي تفرض ضمان سلامة الأنظمة الرقمية وشفافيته وتفسير منطق اشتغالها مما يعني أن المشروعية لم تعد قانونية فقط، بل أصبحت تقنية أيضا تراعي تحقق جملة من الشروط الواجب توفرها في الأنظمة المعلوماتية المعتمدة.
ومن هذا المنطلق، أصبح المرفق العام الرقمي منظومة مركبة تجمع بين القواعد القانونية والبنية التقنية للنظام المعلوماتي، على اعتبار أن الخدمة العمومية تقدم عبر منصات رقمية تعتمد على معالجة البيانات وتحليلها وحفظها، وهو ما يؤدي إلى توسيع مفهوم الوثيقة الإدارية ليشمل السجلات الرقمية والبيانات باعتبارها أدوات لإثبات الحقوق وتبريرها، إن هذه المستجدات على البئية الإدارية المغربية مجتمعة تثير إشكالا جوهريا يتعلق بحدود المرفق العام في ظل لجوء الإدارة إلى متعهدين خواص لتدبير الأنظمة الرقمية، بما يطرح تساؤلا حول ما إذا كان هؤلاء مجرد مزودين تقنيين أم امتدادا وظيفيا للإدارة في أداء الخدمة العمومية.
في هذا الإطار، يبدو جليا أنه لم تعد المشروعية تقاس فقط بمدى احترام القواعد القانونية الكلاسيكية، بل أصبحت ترتبط أيضا بما يمكن تسميته بأدوات الثقة الرقمية، وفي مقدمتها التوقيع الإلكتروني والختم الزمني وأنظمة التحقق، باعتبارها عناصر تؤسس لقرائن على صدور القرار عن جهة مختصة وضمان سلامته. وقد كرس كل من التشريع الفرنسي والمغربي هذه الأدوات من خلال الاعتراف القانوني بالتوقيع الإلكتروني وخدمات الثقة، مما يجعل احترام هذه المتطلبات التقنية جزءا لا يتجزأ من الشرعية الإجرائية، ويحول شفافية النظام المعلوماتي وجودته إلى عنصر من عناصر المشروعية.
إن هذا التحول يطرح في المقابل تحديات قانونية غير مسبوقة، أبرزها أن النزاع الإداري لم يعد يرتبط دائما بعدم مشروعية القرار في مضمونه، بل قد ينشأ بسبب خلل في مساره الرقمي، كعدم صحة التوقيع الإلكتروني أو عدم مطابقة إجراءات التحقق للمعايير المعتمدة. كما أن الاعتماد على المنصات الرقمية قد يؤدي إلى إقصاء المرتفقين أو المتعاملين نتيجة عدم احترام متطلبات تقنية دقيقة مما يلحق أضرار رقيمة بالمرتفقين، وهو ما يحول “الشكليات التقنية” إلى عائق فعلي أمام الولوج إلى الحقوق، دون أن يكون المعني بالأمر واعيا بأن الخلل لم يكن قانونيا بل تقنيا، في ظل انتشار الأمية الرقمية .
ويزداد الأمر تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالقرارات المبنية على معالجات رقمية خالصة ، حيث يجد القاضي نفسه أمام ما يشبه “الصندوق الأسود” الذي يصعب فهم منطقه الداخلي، في حين يحتاج المتقاضي إلى حد أدنى من الشفافية لفهم أسباب القرار والطعن فيه وهنا يظهر التوتر ،مما يفرض إعادة التفكير في حدود الحق في المعرفة داخل البيئة الرقمية.
وفي موازاة ذلك، تطرح الأعطال التقنية إشكالا دقيقا يتعلق بتكييفها القانوني، إذ لم يعد من الممكن اعتبارها مجرد حوادث عرضية، بل أصبحت في كثير من الحالات تعبيرا عن خلل في تنظيم المرفق العام الرقمي مما يمس بمدأ سير المرفق العام، ويفتح الباب أمام مساءلة الإدارة على أساس المسؤولية الإدارية بدون خطأ في حالة لم تلتزم بتحقق الشروط اللازمة بتسيير المرفق العام أو على أساس الخطأ متى تبث الخطأ من طرف أحد موظفيها . كما أن أهمية الأثر الرقمي تبرز هنا بشكل لافت، باعتباره الوسيلة الأساسية لإثبات مصدر الخلل وتحديد مسؤوليته، وهو ما يعزز ضرورة التزام الإدارة بحفظ السجلات الرقمية وضمان قابليتها للتتبع، ليس فقط لأغراض تقنية، بل أيضا كضمانة قانونية لحماية الحقوق.
يتضح أخيرا ان أن رقمنة المرفق العام لا تمثل مجرد تحول في الوسائل، بل تؤدي إلى إعادة تشكيل عميقة لمفهوم المشروعية الإدارية، بحيث لم تعد هذه الأخيرة ترتبط فقط بمضمون القرار، بل أصبحت تمتد إلى هندسة إنتاجه داخل النظام الرقمي. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في رقمنة الإدارة في حد ذاتها، بل في تأطير هذه الرقمنة قانونيا بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الفعالية الإدارية وحماية الحقوق والحريات في بيئة رقمية متزايدة التعقيد.
* طالبة باحثة بسلك الدكتوراه/ جامعة محمد الخامس بالرباط / كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي.
اترك تعليقاً