وجهة نظر

من منطق الغنيمة إلى منطق الكفاءة: أي نخب نريد لتمثيل المواطنين؟

في كل محطة انتخابية، لا يُقاس تقدم الدول بعدد الصناديق التي تُملأ، بل بنوعية الأسماء التي تُقدَّم لقيادة الشأن العام. فالديمقراطية الحقيقية لا تُختزل في العملية الانتخابية ذاتها، بل في جودة النخب التي تفرزها. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل نُفرز كفاءات قادرة على البناء، أم نُعيد إنتاج نفس الاختلالات التي تعيق التنمية؟

لقد أصبح من الواضح، في كثير من الحالات، أن مستوى الترشحات لا يعكس دائماً طموحات المجتمع ولا حجم التحديات المطروحة. فبدل أن يتقدم للمسؤولية من يمتلكون الخبرة والكفاءة والنزاهة، نشهد أحياناً بروز فئات تفتقر لهذه المقومات، بل ينظر بعضهم إلى العمل السياسي كفرصة لتحقيق مصالح شخصية، عبر التحكم في الصفقات أو استغلال النفوذ، وهو ما يفرغ المؤسسات من مضمونها الحقيقي ويقوض ثقة المواطن في العملية السياسية.

إن تدبير الشأن العام لم يعد مسألة نوايا حسنة فقط، بل أصبح مجالاً معقداً يتطلب كفاءات متعددة: في الاقتصاد، في التخطيط، في القانون، في التدبير المالي، وفي التواصل مع المواطنين. فلا يمكن لمن لا يملك الحد الأدنى من الخبرة أن ينجح في إدارة جماعة أو جهة أو المساهمة في التشريع داخل البرلمان.

وفي هذا السياق، تقدم لنا العديد من الدول الديمقراطية نماذج ملهمة. ففي بلدان مثل كندا أو ألمانيا، تحرص الأحزاب على استقطاب الكفاءات من مختلف القطاعات: أساتذة جامعيون، خبراء اقتصاديون، أطر إدارية عليا، ومهنيون ناجحون. كما يتم إخضاع المرشحين لمسارات تأهيل وتكوين مستمر، وتُربط المسؤولية بالمحاسبة الصارمة، حيث لا مكان لمن يثبت تقصيره أو تورطه في قضايا فساد.

كما تعتمد بعض التجارب آليات دقيقة لاختيار المرشحين، مثل الانتخابات التمهيدية داخل الأحزاب، أو لجان مستقلة لتقييم الكفاءة والسيرة المهنية، إضافة إلى فرض التصريح بالممتلكات وتعزيز الشفافية. هذه الممارسات لا تمنع الخطأ، لكنها تقلص من فرص تسلل غير المؤهلين إلى مواقع القرار.

وفي المقابل، فإن ضعف استقطاب الكفاءات في بعض السياقات يعود أيضاً إلى غياب التحفيز، أو إلى صورة سلبية ترسخت عن العمل السياسي باعتباره مجالاً للصراعات أو المصالح الضيقة. لذلك، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للفعل السياسي، وجعله مجالاً نبيلاً يجذب أصحاب الخبرة بدل أن ينفرهم.

إن الطبيب الذي يسهر على صحة الناس، والمهندس الذي يخطط للمشاريع، والأستاذ الذي يكوّن الأجيال، كلهم يمتلكون رصيداً من المعرفة والخبرة يمكن أن يشكل قيمة مضافة حقيقية داخل المؤسسات المنتخبة. لكن انخراطهم يظل رهيناً بوجود بيئة سياسية نظيفة، تحترم الكفاءة وتكافئ الجدية.

ومن هنا، تبرز مجموعة من التوصيات العملية:

– إلزام الأحزاب بمعايير واضحة في اختيار المرشحين تقوم على الكفاءة، النزاهة، والخبرة، بدل الولاءات الضيقة.

– إحداث برامج لتأهيل المرشحين في مجالات التدبير العمومي، الحكامة، والتشريع.

– تعزيز آليات المراقبة والمحاسبة وربط المسؤولية بالمساءلة بشكل فعلي.

– تحفيز الكفاءات على الانخراط في العمل السياسي عبر تحسين صورة المؤسسات وضمان شروط عمل محترمة وشفافة.

– رفع وعي المواطن بأهمية اختيار الأصلح، وعدم الانجرار وراء المال الانتخابي أو الشعارات الفارغة.

إن التغيير الحقيقي لا يبدأ فقط من صناديق الاقتراع، بل من الوعي الجماعي بأن المسؤولية أمانة وليست غنيمة، وأن الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه الأكفاء. وحين يصبح معيار الاختيار هو الكفاءة والنزاهة، سنكون قد وضعنا أولى اللبنات نحو مؤسسات قوية، قادرة على خدمة المواطن وتحقيق التنمية المنشودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *